مسألة ١٥٠٩
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٨٬٨٧٤ إلى ٤٨٬٩٥٩
-
١/٦٢٢٩١/٦٢٢٩
الجزية من عبدة الأوثان من العجم
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : عبدة الأوثان من العجم تقبل منهم الجزية، ويسترق رجالهم.
-
١/٦٢٣٠١/٦٢٣٠
وقال الشافعي رحمه الله: لا يسترقون،
-
ولا تقبل منهم الجزية.
-
لنا: ما روى علقمة بن مرثد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث جيشًا أو سرية أوصاهم في وصيته: (إذا نازلتم أهل حصن فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) . إلى قوله:
-
(فإن أبوا، فادعوا إلى أداء الجزية) . ولم يفصل.
-
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث جيشًا إلى العجم.
-
قلنا: عموم اللفظ لا يخص بالسبب.
-
ولأنه بعث إلى عمان وكان فيهم غير العرب كما يكون في البلاد.
-
فإن قيل: في الخبر إضمار باتفاق، فأنتم تضمرون: إذا لم يكونوا من عبدة الأوثان من العرب. [ونحن نضمر: إذا كانوا من أهل الكتاب.
-
قلنا: لا إضمار في الخبر عندنا بل يجوز أن يكون أخذ الجزية كان في الكتابيين ثم نسخ ذلك في عبدة الأوثان].
-
١/٦٢٣١١/٦٢٣١
وزعم مخالفنا أن العجم كذلك ويحتاج إلى دليل.
-
وليس يمتنع أن يكون حكمهم مخففًا في الابتداء ثم غلظ، كما كان القتال غير مباح ثم فرض، ويدل عليه ما روي انه - عليه السلام - كان إذا عرض نفسه على القبائل فقال لهم: (هل لكم في كلمة إن أجبتم إليها دانت العرب، وأدت إليكم العجم الجزية) وهذا عام في جميع العجم.
-
فإن قيل: المراد به: دانت لكم بعض العرب، كذلك أدت إليكم بعض العجم الجزية.
-
قلنا: غلط، بل المراد كل العرب.
-
ولأن كل من يقتل من العرب ويموت في دار الإسلام.
-
ولو سلمنا التخصيص في العرب، لم يجب أن نخص العجم إلا بدليل.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر وهم عبدة النار، وعابد الناس كعابد الوثن فلا فرق بينهما
-
ولأنه يجوز استرقاق رجالهم، فجاز أخذ الجزية منهم كأهل الكتاب.
-
ولأن أهل الجزية والاسترقاق كل واحد منهما سبب الإقرار على الكفر،
-
فإذا ثبت أحدهما في عابد الوثن من العجم كذلك الآخر.
-
ولأنه نوع كفر لم يبالغ أهله في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - واضطروه إلى مفارقة وطنه وعرضوه للغربة.
-
ولا يلزم المرتد؛ لأنه بالغ في العداوة حين صدق ثم كذب ورجع عن دينه.
-
وإن شئت أن تحترز تقول: نوع كفر أصلي لم يبالغ أهله في العداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
ولأن كل مشرك جاز أن يقر على دينه بالرق، جاز بالجزية، كالكتابي وعكسه المرتد والعربي الوثني.
-
ولا يلزم نساء العرب وصبيانهم؛ لأنهم يقرون قبل الاسترقاق، بدلالة أنه يجوز قتلهم.
-
ولا يلزم النساء المرتدات، لأنهم لا يقرون على كفرهن بالرق بل يسترقهن ويجبرهن على الإسلام ولا يجبر الكفر الأصلي على ذلك.
-
فإن قيل: أغلظ من الجزية،
-
فلا يقال: لما جاز إقرارهم على كفرهم
-
١/٦٢٣٢١/٦٢٣٢
بأغلظ الأمرين، جاز بأدناهم كما لا يقال: لما جاز إقرارهم بالمال المقدر جاز بما دونه، ولما جاز قتل المرتد جاز أخذ الجزية منه.
-
قلنا: عند مخالفنا يجوز المن على الوثني ورده إلى دار الحرب فيعود حربيًا لنا بغير شيء،
-
فإذا جعلناه ذمة فقد ثبتت يدنا عليه وصار مسلمًا لنا وأخذنا منه المال، فقد جوز مخالفنا إقراره على الكفر بالأثقل والأخف فلم يصح ما قاله.
-
ولأنه تصالح أهل الحرب بغير شيء نأخذه، وتصالحهم بمال نأخذه منهم فسقط القتل بالأثقل، يبين ذلك أن المرتد لما لم يجز أن يقر أحد الجهتين كذلك الأخرى، والكتابي لما جاز إقراره جاز بهما.
-
فإن قيل: الكتابي متمسك بالكتاب، والوثني غير متمسك بكتاب.
-
قلنا: المجوسي كذلك، وقد جاز إقراره بالجزية.
-
ولأنهم تمسكوا بكتاب خالفوه وجحدوا ما فيه من الدلالة على النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحكام فلم يثبت لهم به حرمة.
-
قالوا: أهل كتاب كان آباؤهم على الحق، فثبتت لأولادهم حرمة، وعبدة الأوثان بخلاف ذلك.
-
قلنا: لو كان هذا اعتبارًا صحيحًا، كان المرتد أولى؛ لأن حرمة الإسلام ثبتت لآبائه.
-
احتجوا بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} إلى قوله: {فخلوا سبيلهم} .
-
قلنا: هذا يتناول من لا يسقط عنه القتل إلا بعلة واحدة وهي الإسلام، وفي مسألتنا سقط القتل بعلة أخرى وهي الاسترقاق، فعلم أن ذلك غير مراد بالآية.
-
ولأنها تختص بالوثني العربي.
-
احتجوا بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {وهم صاغرون} . قالوا: فخص أهل الكتاب،
-
ولا يجوز أن يكون التخصيص للتنبيه؛ لأن حكم أهل الكتاب أخف من غيرهم،
-
فلا ينبه بالأخف على الأغلظ، بقي أن يكون لأن من عداه بخلافه.
-
قلنا: تخصيص المذكور بحكم لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وقد
-
١/٦٢٣٣١/٦٢٣٣
بينما ذلك فيما سلف، ومثل هذا كثير في القرآن.
-
ويجوز أن يكون التخصيص للتنبيه ليبين أهل الكتاب مع حرمة الكتاب وإيمانهم بالله إذا لم يجز إقرارهم وترك قتلهم إلا بأداء الجزية، فعبدة الأوثان أولى ألا يقروا على كفرهم بغير شيء.
-
قالوا: قوله تعالى: {من أهل الكتاب} يقتضي التخصيص في اللغة والتبعيض.
-
قلنا: {من} ها هنا للتميز،
-
ولو كانت للتبعيض لاقتضت جواز أخذ الجزية من بعض الكتابيين وهذا لا يقوله أحد، وفائدة التمييز: أن الكتابي يجوز أخذ الجزية منه بكل حال،
-
ومن سواه تؤخذ في حال دون حال.
-
قالوا: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب من كل محتلم دينارًا.
-
قلنا: وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذًا أن يأخذ من أهل الكتابين من كل حالم وحالمة دينارًا. وهذا يقتضي أهل الكتاب وغيرهم.
-
وتخصيص الكتاب في خبرهم يجوز أن يكون؛ لأنه لم يكن باليمن إلا كتابي أو وثني عربي، فخص بهذه العلة.
-
قالوا: روى عبد الرحمن بن عوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المجوس: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) .
-
قلنا: هذا هو الدليل عليكم،
-
فإن المجوس لو كانوا أهل كتاب لم يقل: سنوا بهم سنتهم. وهذا يدل على أن الجزية لا تختص الكتابيين.
-
قالوا: روي أن عمر شك في المجوس فقال: ما أصنع بالطائفة التي ليست من أهل الكتاب؟ حتى روى عبد الرحمن الخبر علم أن الحكم غير مختص بالكتابيين، وأنه يتعدى إلى غيرهم فرجع إلى ذلك.
-
قالوا: روي أن فروة بن نوفل الأشجعي قال: علام تؤخذ الجزية من
-
١/٦٢٣٤١/٦٢٣٤
المجوس وليسوا أهل الكتاب، فقام إليه المسور وأخذ بلبته وقال: يا عدو الله، تطعن على أبي بكر وعمر وعلي وقد أخذوا منهم الجزية؟! وذهب به إلى القصر، فخرج علي وجلس في ظل القصر فقال: أنا أعلم الناسب بهم، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه،
-
وإن ملكهم سكر فواقع ابنته. فذكر الحديث. إلى أن قال: فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع من بين أظهرهم وذلك العلم الذي في صدورهم، فهم أهل الكتاب، وقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر منهم الجزية.
-
وهذا يدل على أنهم اعتقدوا أن الحق يختص بأهل الكتاب.
-
قلنا: قد بينا أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) . يدل أنه لا كتاب لهم، ويدل على أن الجزية لا تختص بأهل الكتاب،
-
فلا يصح الرجوع إلى قول فروة إذا كان قوله - صلى الله عليه وسلم - بخلافه.
-
وما ذكروه يدل على أنه لا كتاب لهم؛ لأنه إذا رفع نزع من صدورهم خرجوا من أن يكونوا أهل كتاب، لوم يمنع ذلك أخذ الجزية منهم.
-
قالوا: روي عن حذيفة أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس، ما أخذتها منهم. وتلا الآية وامتنع عمر من أخذ الجزية حتى روى عبد الرحمن الخبر، فدل على اختصاص الجزية بأهل الكتاب وأنهم أخذوها من المجوس احتياطًا.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن الآية دلت على أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولم ينف عنهم غيرهم، هذا غلط؛ لأن الآية دلت على أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولم ينف عنهم غيرهم، فحكم غيرهم موقوف على الدليل،
-
فمن لم تقم عنده دلالة توقف فيمن سوى أهل الكتاب، وكما خفي على عمر: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) .
-
ويخفى عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ويؤدي إليكم العجم الجزية) . وأي دليل في هذه الأخبار على أن غير أهل الكتاب يجوز أن تقوم الدلالة على أخذ الجزية منهم؟.
-
فأما قول مخالفنا: أنهم أخذوا الجزية من المجوس احتياطًا غلط؛ لأن الاحتياط أن تقبل ممن بذلها.
-
وعمر وضعها على أهل السواد مبتدئًا ولا احتياط في هذا؛ لأنه
-
١/٦٢٣٥١/٦٢٣٥
يجوز قتل أهل الكتاب إذا لم يبذلوا الجزية باتفاق، فدل على أنهم أخذوا من المجوس؛ لأن الحكم يختص بغير أهل الكتاب لا لما ذكروه.
-
قالوا: وثنيون لا تؤخذ منهم الجزية كالعرب.
-
قلنا: المعنى في العرب أنهم بالغوا في أذية النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرضوه لمفارقة وطنه، فغلظ أمرهم وهذا لا يوجد في العجم.
-
فإن قيل: أذيته - صلى الله عليه وسلم - كانت من أهل مكة خاصة، فلم وجب أن يعم التغليظ جميع العرب. قالوا: وقد أذاه اليهود، ولم يمنع ذلك قبول الجزية منهم.
-
قلنا: أهل مكة ومن والاها من بني ثقيف وبني بكر وغيرهم اتفقوا في أذية النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبه والقعود عن إجارته، ولم يكن في العرب منكر لما أتوه، فجرى حكم التغليظ على جماعتهم.
-
فأما اليهود فلم يعرضوا النبي - صلى الله عليه وسلم - للغربة ولا قوا على إخراجه من وطنه.
-
وإن شئت قلت: إن العرب لهم حرمة لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم، فلم يقبل منهم الجزية ليقروا بها على التي بينه، ولم تثبت هذه الحرمة للعجم فصاروا كأهل الكتاب، ولهذا العلة لم تقبل الجزية من المرتدين؛
-
لأن حرمة الإسلام ثبتت لهم.
-
قالوا: من لم تقبل منه الجزية إذا كان عربيًا، لم تقبل منه الجزية إذا كان أعجميًا، أصله: المرتد.
-
قلنا: المرتد لا يقر على كفره بالاسترقاق، فكذلك الجزية.
-
قالوا: غير منتسب لكتاب ولا شبه كتاب، فلم تقبل منه الجزية كالمرتد والوثني العربي.
-
قلنا: إيمانهم بكتاب قد جحدوا ما فيه وغيروه وبدلوه لا يجوز أن يخفف حالهم كالمسلم إذا استحل الخمر والزنى فهو متمسك بكتاب ولا يقر على ذلك بالجزية،
-
وإن تمسك بالكتاب لما نبذ أحكامه ولم يؤد حقه، والمعنى في المرتد والعربي ما قدمنا.
-
قالوا: الجزية عقوبة فيستوي فيها العرب والعجم كالقتل.
-
قلنا: القتل يستوي فيه الكتابي والوثني، فكذلك استوى فيه العربي والعجمي، والجزية فارق أهل الكتاب فيها غيرهم، فجاز أن يفارق العربي العجمي.