مسألة ١٣٢
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٬٢٣٧ إلى ٤٬٢٧٨
-
١/٥٨٨١/٥٨٨
الترتيب في الفوائت واجب ما لم تتكرر
-
[قال أصحابنا] : الترتيب في الفوائت واجب ما لم تتكرر.
-
وقال الشافعي: لا يجب.
-
لنا: حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وراء الإمام فليمض في هذه،
-
ثم يصلي التي ذكر،
-
ثم ليعد هذه. ووجوب الإعادة يدل على وجوب الترتيب.
-
ولا يقال: إن هذا الخبر موقوف على ابن عمر وإنما وهم فيه إبراهيم الترجماني فرفعه؛ لأن إبراهيم ثقة، فانفراده بالإسناد لا يوجب ضعف الخبر وإن أوقفه غيره. ولأن ابن عمر يجوز أن يكون اتخذه مذهبا فأفتى به.
-
ولا معنى لاعتراض من اعترض عليه برواية سعيد بن عبد الرحمن- راوي هذا الخبر، قاضي مدينة السلام، الهادي، والذي صلب محمد بن سعيد الشامي- وقد قال الطحاوي: لم ينقل عن
-
١/٥٨٩١/٥٨٩
ابن عمر من الصحابة خلاف هذا، وقوله حجة.
-
قالوا: قوله - عليه السلام -: (فليمض في هذه) يقتضي وجوب المضي، وقوله: (وليعد) يقتضي وجوب الإعادة، فعندكم المضي استحباب والإعادة واجبة، وعندنا المضي واجب والإعادة استحباب، فتساويا في ترك أحد الظاهرين.
-
قلنا: عندنا المضي واجب في إحدى الروايتين، ذكرها الطحاوي.
-
ثم قوله: (وليعد) الإعادة لا تقال إلا فيما لم يقع موقعه، فيسقط الفرض بالثاني،
-
فأما إذا فعل مثل ذلك الفعل والفرض يسقط بالأول لم يطلق الاسم عليه.
-
وروى أصحابنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة لمن عليه صلاة) . وروى قتادة عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها،
-
فإن ذلك كفارتها، لا كفارة لها إلا ذلك) . وقوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) يقتضي وجوب تقديمها على صلاة الوقت؛ لأن صلاة الوقت كفارة إذا فعلها بعدها. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر الصوات يوم الخندق وقضاها مرتبة، وفعله في الفوائت ببيان لفعله في صلاة الوقت.
-
ولا يقال: إن جواز تأخير الصلاة للخوف قد نسخ؛ لأن التأخير كان لعدم القدرة على الفعل لأجل القتال، وهذا لم ينسخ، ولو
-
١/٥٩٠١/٥٩٠
نسخ جواز التأخير بقي حكم الترتيب فيما فات وقته. ولأنهما صلاتان واجبتان جمعهما وقت واحد يتسع لهما يفعلان فيه لا على وجه التكرار، فلزم الترتيب فيهما، كصلاتي عرفة والمزدلفة.
-
ولا يلزم المنسية؛ لأنها ليست واجبة مع النسيان؛ ألا ترى أنه لو فعلها لم يقع موقع الواجب.
-
ولا يقال: إن صلاة العصر بعرفة ليست واجبة؛ لأنها إذا فعلت كانت واجبة. ولأن كل شرط اعتبر في الصلاتين- إذا كانت إحداهما واجبة والأخرى جائزة جاز أن يعتبر بين الواجبين، كالطهارة وستر العورة.
-
ولأن كل ترتيب واجب مع بقاء الوقت [جاز أن يجب بعد الفوات، كترتيب الركوع والسجود. ولأن الواجب عليه مع بقاء الوقت] الترتيب في الفعل والوقت،
-
فإذا فات الوقت تعذر الترتيب في الوقت، فبقى الترتيب في الفعل ممكنا، فوجب عليه فعله.
-
ولا يقال: المعنى في جميع ما قستم عليه أن الترتيب يجب فيه مع النسيان، ولما لم يجب هذا الترتيب مع النسيان لم يجب مع الذكر؛ لأنا لم نسلم هذا،
-
ولا نقول في جميع المواضع يوجب الترتيب ناسيا، وإنما يجب عليه بعد الذكر عبادة أخرى، والعبادات المبتدأة تجب بحسب الدلالة. ولأنه قد يسقط الشيء [بالنسيان] - لأنه عذر- ولا يسقط مع عدمه لفقد العذر.
-
ولا يقال: إن مع بقاء الوقت لا يتصور الترتيب إلا من حيث الوقت،
-
فأما الفعل فلا؛ وذلك لأنه يتصور بالفعل؛ ألا ترى أن في صلاتي عرفة وفي الجمع في حال السفر عندهم يسقط الترتيب بالوقت، ويجب الترتيب بالفعل؟!
-
احتجوا: بحديث ابن عباس [- رضي الله عنهم -] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمني
-
١/٥٩١١/٥٩١
جبريل عند البيت مرتين، وقال لي: ما بين هذين وقت)، وهذا يقتضي أن الوقت جيمعه للظهر وحدها.
-
والجواب: أن الخبر اقتضى كون الوقت لها، وخبرنا اقتضى كونه وقتا للفائتة، والكلام يقع في تقديم أحد الواجبين،
-
ولا دلالة في الخبر على هذا. ولأن كونه وقتا لها لا يمنع من وجوب فعل غيرها قبلها.
-
احتجوا: بقوله - عليه السلام -:
-
(فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) .
-
والجواب: أن هذا يقتضي النهي عن الانصراف، وعندنا يمضي في الصلاة، ولا ينصرف عنها.
-
قالوا: عبادتان يسقط الترتيب فيهما مع النسيان فوجب أن يسقط مع الذكر، أصله: إذا فاته يومان من رمضان، وأصله: آخر الوقت، وعكسه صلاتي عرفة.
-
قلنا: سقوط الفرض مع [النسيان لا يدل على سقوطه مع] الذكر؛ لأن النسيان عذر، وقد يسقط الفرض بالعذر وإن لم يسقط بغيره. ولأن قضاء رمضان فرض متكرر، والفرائض المتكررة لا ترتيب فيها، كالفوائت إذا كثرت، والصلوات فرض لم يتكرر، فصار كالسجود والركوع.
-
ولا يقال: هذا يبطل بظهرين من يومين لأن الترتيب واجب فيها عندكم وإن كانت متكررة؛ وذلك أن الظهر الثانية لا تجب إلا في آخر وقتها، والترتيب هناك ساقط،
-
فإذا دخل وقت العصر [فقد] سقط الترتيب؛ لأن المعتبر ليس هو كون الفوائت ستة، وإنما المعتبر أن يكون بين الصلاتين أكثر من خمسة. ذكره الطحاوي في مختصره.
-
قالوا: صلوات فوائت، أو صلوات استقرت في الذمة، فأشبهت إذ دخلت في التكرار.
-
١/٥٩٢١/٥٩٢
قلنا: إذا دخلت في التكرار لحق مشقة بترتيبها، ولما لم تتكرر لم يلحق المشقة، فلذلك سقط الترتيب في أحد الموضعين دون الآخر. ولأنا بينا أن التكرار له تأثير في الترتيب.
-
ولا يقال: لو كان الترتيب واجبا لم يسقط وإن تكرر، كترتيب السجود والركوع؛ لأن ترتيب السجود على الركوع أقوى من ترتيب العبادتين إحداهما على الأخرى؛ ألا ترى أنه [لا ينفرد] الركوع عن السجود وقد تنفرد إحدى الصلاتين عن الأخرى، فلقوة الترتيب هناك وجب وإن تكررت العبادة.
-
قالوا: الترتيب في العبادات ضربان: ترتيب من ناحية الوقت، وترتيب من ناحية الفعل، فالترتيب في الوقت: يسقط بفواته، كصوم رمضان وقضاء رمضانين، والترتيب من حيث الفعل: لا يسقط بحال، كصوم الكفارة. والعصر والمغرب ترتيبها من حيث الوقت، فسقط بالفوات.
-
قلنا: الترتيب في الصلوات قد بينا أنه من حيث الفعل والوقت؛ ألا ترى أن الوقت قد يسقط في صلاتي عرفة ويبقى ترتيب الفعل.
-
فإذا فاتت الصلوات سقط ترتيب الوقت وبقي ترتيب الفعل.