مسألة ٥٩٨
التجريدالحنفيةالمسائل ١٩٬٣٧٦ إلى ١٩٬٤٦٦
-
١/٢٤١٣١/٢٤١٣
بيع الثمرة على رؤوس النخل بخرصه تمرًا
-
قال أصحابنا: لا يجوز بيع الثمرة على رؤوس النخل بخرصها تمرًا.
-
وقال الشافعي: يجوز ذلك فيما دون خمسة أوسق،
-
وكذلك العنب بالزبيب، وإن باع تسعة أوسق من اثنين صفقة جاز.
-
لنا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن بيع كل ثمرة بخرصها تمرًا،
-
١/٢٤١٤١/٢٤١٤
والمحاقلة بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة).
-
ولا يقال: أخبار الرخصة متأخرة عن هذا الخبر، مستثناة منه وتخصيص له؛ لأن أخبارهم متنازع في تأويلها، فلم يترك بها خبر ثابت وأصول متفق عليها.
-
ولأنه بيع ثمرة بخرصها كبيع سائر الثمار.
-
ولأنها صفة لا يجوز العقد عليها فيما زاد على خمسة أوسق؛
-
فلا يجوز فيما دونها من الأوسق، كسائر الشرائط الفاسدة.
-
ولأنه باع رطبًا بتمر؛ فلم يجز إذا لم يعلم المماثلة بالكيل. أصله: إذا كانا على الأرض.
-
فإن قيل: إذا كانا على الأرض لم يمكن الوصول إلى المماثلة كيلًا فلم يجز خرصًا.
-
وفي مسألتنا: لا يمكن ذلك؛ لأنه يبطل إذا باع ثوبًا نسيجًا بالذهب، لم يجز حتى تعلم المماثلة وزنًا،
-
وإن كان لا يتوصل إلى الحكم بها بالوزن.
-
ولأن كل عينين لا يجوز بيع إحداهما بالأخرى مجازفة لم يجز خرصًا؛ أصله: الحنطة بالحنطة.
-
ولأن كل قدر لا يجوز بيعه بالتمر خرصًا على الأرض لا يجوز على رؤوس النخل، أصله: ما زاد على خمسة أوسق.
-
ولأن ما لا يجوز بيعه من اثنين؛ أصله: (التمر بالتمر حزرًا) .
-
احتجوا: بما روى سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن
-
١/٢٤١٥١/٢٤١٥
يسار، عن سهل بن أبي حثمة (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا) .
-
قالوا: روى مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة، (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق، [أو في خمسة أوسق] ) ، شك داود.
-
وهذا الأخبار لا دلالة فيها لمخالفينا؛ لأنا نخالفهم بيع العرايا في معناها؛ فروى ابن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن العربة هي النخلة يعروها الرجل الرجل، يعني: يحصل ثمرتها له تلك السنة ثم يبتاع منه ثمرتها بخرصها تمرًا، فيجوز عندنا؛
-
لأنه لم يملك الثمرة قيل القبض،
-
فإذا أعطاه تمرًا بخرصها فكأنه وهب التمر،
-
ولا يكون ذلك بيعًا في الحقيقة وإن تناوله اسم البيع مجازًا.
-
والدليل على أن العربة النخلة التي وهبت ثمرتها: السنة، واللغة.
-
فالسنة: ما روى حماد بن سلمة، عن أيوب، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى البائع والمبتاع عن المزابنة) .
-
١/٢٤١٦١/٢٤١٦
قال زيد ثابت - رضي الله عنه -: ورخص في العرايا، من النخلة والنخلتين توهبان للرجل، فيبيعهما بخرصهما.
-
وذكر زيد بن هلرون، عن سفيان بن حسين: (أن العرايا نخل كانت توهب للمساكين [فلا يستطيعون أن ينتظروا بها] ، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [أن يبيعوها بما شاءوا من التمر.
-
وروى معمر عن ابن طاووس، عن أبي بكر بن محمد، (أن النبي - صلى الله عليه وسلم -] أمر أصحاب الخرص أن لا يخرصوا العرايا، قال: والعرايا أن يمنع الرجل من حائطه نخلًا،
-
ثم يبتاعها الذي/ منحها من الممنوح بريعها كاملًا.
-
وروى ابن علية، عن أيوب، قال الليث عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: (رخص لأصحاب العرايا أن يبيعوها من أهلها الذين أعروها).
-
١/٢٤١٧١/٢٤١٧
وروى سهل بن أبي حثمة) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا حثمة خارصًا فجاء رجل، فقال: يا رسول الله إن أبا حثمة زاد على، قال: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا حثمة، فقال: إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه، قال: لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين).
-
وروى مكحول الشامي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (هو لأنها صدقة،
-
فلا تؤخذ الصدقة فيها، فهذه السنة.
-
وأما اللغة: فقال أبو عبيد: العرايا واحدها عرية، وهي النخلة يعريها صاحبها رجلًا [محتاجا] ، والإعراء: أن يجعل له ثمرة عامها، فرخص لرب النخل أن يبتاع ثمرة تلك النخلة من المعرى بثمن لموضع حاجته.
-
قال: أبو عبيد: للعرى أربعة أسماء يضعها في موضع العارية فيقع بها المدفوعة إليه.
-
١/٢٤١٨١/٢٤١٨
والأصل في ذلك كله أنها ترجع إليه، وهي المنحة، والعرية، والأفقار، والأكيال، ولهذا قال حسان بن ثابت.
-
ليست بسنهاء ولا رجبية .... ولكن عرايا في السنين الجوائح
-
فيمدح بأن يجعل الأنصار عرايا،
-
وإن كانت العرايا ما أفردت للأكل، فالبيع لم يمدح بذلك وإنما يمدح بالتبرع والصدقة.
-
وإذا دلت السنة واللغة على ما قال أبو حنيفة في معنى العرية، كان معنى الخبر: ما روي، أن الرجل كان يعرى المحتاج النخلة والنخلتين من حائطه، وكان أهل المدينة إذا جاءت الثمرة خرج الرجل بأهله إلى حائطه،
-
فإذا جاء المعرى ثقل على صاحب الحائط دخوله على أهله فرخص لهم في دفع خرص ثمرتها حتى يصل المعرى إلى حاجته،
-
ولا يستضر صاحب الحائط دخوله عليه، فلم يكن لمخالفنا في ذلك حجة.
-
فإن قيل: فهذا ليس ببيع.
-
قلنا: حملنا العرية على حقيقتها والبيع على مجازه، وحملتم البيع على حقيقته والعرية على ما خالف السنة واللغة؛ فتساوينا في ترك الظاهر.
-
وقولهم: إن أبا عبيد قال: العرية عبارة عن الإفراد، ليس بصحيح؛ لأنا حكينا كلام أبي عبيد، وما ذكروه من الإفراد لم يذكره.
-
١/٢٤١٩١/٢٤١٩
قالوا: قال الأزهري: العرية النخلة التي يتردد أهلها إليها يلتقطون ما أدرك فيها دفعة بعد دفعة؛ فسميت عرية لأجل التردد إليها، يقال: عروته أعروه، وأعريته أعريه إذا قصدته للرفق، وأعتريه أعروه إذا أعطيته العرية.
-
قلنا: قول الأزهري لا يقابل قول أبي عبيد،
-
ولا يعتد به معه، [كيف] وقد انضمت السنة إلى قول أبي عبيد.
-
ثم ما قال: ليس بصحيح؛ لأنه جعل العرية النخلة التي يتردد أهلها إليها،
-
فإن كان يريد بأهلها المالكين لها في الأصل فهو يقول ذلك في جميع نخله، فلم يفرد هذه، فكيف تسمى عرية؟،
-
وإن كان يريد أن المعرى يتردد إليها، فهو الذي قلنا.
-
ثم استشهد على ذلك بضده؛ لأنه قال: عروته أعروه إذا قصدته للرفد، وهذا صحيح، فكيف يكون يتردد الرجل إلى نخلته تردد الرفد، وهذا كلام ممحل متكلف لا يلتفت إليه.
-
ويتأول الحديث الذي اعتمدوا عليه، وهو قوله: (إلا أنه أرخص في العرايا أن تباع بخرصها من التمر يأكلها أهلها رطبًا، وإنما المراد: (بأهلها) الذين أعروها، فدل أن المعرى هو الذي يبيعها من المعرى، وعندكم يأكلها
-
١/٢٤٢٠١/٢٤٢٠
رطبًا إن ابتاعوها وليسوا أهل النخلة في الحقيقة.
-
قالوا: فإذا كان عندكم قد رجع في هبته فكيف تكون هبة.
-
قلنا: هي هبة أقام غيرها مقامها، والهبة قبل القبص: عرية وهبة، فرجوعه فيها لا يخرجها أن تكون هبة.
-
فإن قيل: لم تحملوا البيع على حقيقته ولا مجازه؛ لأنه يقول: دع ما وهبته لك حتى أهب غيره.
-
قلنا: هو بيع مجازًا؛ لأنه وقع النهي عن ما في الظاهر.
-
وإن سلم يكن عرضًا في الحقيقة، كما قال الفقهاء: باع من عبده، وليس ببيع في الحقيقة لكنه لما وقع باسم البيع وبظاهر المعاوضة، لم يمنع أهل اللغة أو الشرع من تسميته بيعا.
-
وقال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} ، فسمي ذلك شراء،
-
وإن كان ملكه تملكه.
-
قالوا: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة) ، واستثنى هذا البيع فمنعتموه.
-
قلنا: لم نمنع ما تناولته الإباحة على الوجه الذي قررناه.
-
قالوا: فاعتبر [الصلاة و] السلام الخرص وأسقطتموه.
-
قلنا: لم نسقطه؛ لأن عندنا الأولى أن يعطيه خرصها حتى يوصله إلى مثل حقه، ونعلم أنه لم يقصد الرجوع في العرية، وإنما إلى دفع الضرر عن نفسه.
-
قالوا: في الخبر (فيما دون خمسة أوسق) ، فأسقطتم التخفيف.
-
١/٢٤٢١١/٢٤٢١
قلنا: لم نقدر الأوسق الخمسة إلا في خبر داود بن الحصين، وقد تكلم أصحاب الحديث عليه واتهموه في مذهبه، وعابوا مالكًا في أنه روى عنه، ولم يرو عن أبي سعيد.
-
ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الأوسق على المعتاد؛ لأنهم كانوا لا يعرون إلا النخلة والنخلتين، فذكر عليه [الصلاة و] السلام القدر الذي كانوا يعرونه في الغالب.
-
ومن أصحابنا من قال: إنما ذكر أقل من خمسة أوسق؛ لأن الخمسة نصاب الصدقة،
-
ويكره عندنا أن يتصدق على واحد بمقدار النصاب ويستحب ما دونه.
-
فذكر المقدار الذي لا يكره، والخمسة أوسق وإن لم تكن نصابًا عند أبي حنيفة للوجوب، فهي نصاب المطالبة؛ لأن ما دونها لا يأخذه المصدق، لكنه يكله لرب المال، والصدقات تتقدر في الشرع، وما يعقد عليه البيع لا يتقدر،
-
ثم الشافعي أيضًا لا يعتبر الأوسق بكل حال؛ لأنه يجوز بيع تسعة أوسق من اثنين صفقة واحدة.
-
فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يأكلها أهلها) .
-
قلنا: قد بينا أن أهلها صاحب النخل وهذا يسقط قولهم، ولم يذكر هذا على وجه التعليل، وإنما وصف الحال.
-
قالوا: الاستثناء من جنس المستثني منه، فيجب أن لا يستثنى بيعًا من بيع.
-
قلنا: في الخبر حظر،
-
وأما إباحة ما استثنى فلا،
-
ولو سلمنا أنه استثنى: فالمستثني منه المزابنة وهو بيع منهي عنه، فالاستثناء بيع جائر.
-
١/٢٤٢٢١/٢٤٢٢
وكذلك نقول: إلا أنه بيع ليس لازم، فهو في حكم المستثنى منه الذي ليس بلازم.
-
فإن قيل: قد ذكر الرخصة ولا وجه لها عندكم.
-
قلنا: غلط؛ لأن عليهم آثار نيل الرخصة؛ لأن المعرى يأخذ العوض عما لم يملك.
-
وقال غيره: الرخصة من المعرى؛ لأنه وعد بوعد فرخص له أن يترك الوفاء به ويدفع عوضًا عنه؛ وهذا الذي ذكرناه أولى؛ لأنه تأويل يوافقه قول السلف ومذهب العربية، وتبقى الأصول المعلومة على حالها ولا يخالفها؛ لأن الأصل المعلوم: أن الجنس الذي يعتبر فيه المماثلة لا مدخل للخرص فيه وإنما يعتبر بالكيل أو الوزن، فكان ذلك أولى من إثبات خلاف الأصول المقطوع [بها] بخبر الواحد.
-
فقد روى الشافعي حديثا فيه قلت لمحمود بن كثير (قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يتبايعون به رطبًا يأكلون مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم، يأكلون به رطبًا) .
-
قلنا: هذا خبر ذكره الشافعي فلم يبين من بينه وبين محمود بن لبيد،
-
ثم شك عن زيد بن ثابت رواه أو عن غيره.
-
وقد بينا عن زيد بن ثابت بإسناد صحيح عن حماد بن سلمة عن أيوب، وعبد الله بن عمر، عن نافع - رضي الله عنه - مثل قولنا.
-
١/٢٤٢٣١/٢٤٢٣
وهذا الخبر الذي ذكروه لا يعرف ولا ذكره أحد،
-
ثم ليس يمتنع أن يكون رخص لهم أن يتبايعوا العرايا من المعرى ذلك إذ سلم ذلك المعرى، فيجوز عندنا ويكون في حكم الهبة من الثاني والصدقة عليه.
-
قالوا: كل ما جاز بيعه مطلقًا من شجرة بغير التمر جاز بيعه خرصًا بالتمر، كالعنب.
-
قلنا: المعنى في العنب: أنه يجوز بيعه بالتمر إذا كانا على الأرض، فجاز إذا كان الرطب على النخل، ولما لم يجز بيعه بالتمر خرصًا أو كانا على الأرض، كذلك إذا كان على النخل.