الضمان والقطع هل يجتمعان في سرقة واحدة
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٦٬٨٤٦ إلى ٤٦٬٩٠٤
-
١/٦٠١٦١/٦٠١٦
قال أصحابنا: إذا هلكت العين المسروقة فضمن السارق لم يقطع،
-
وإن قطع قبل التضمين لم يضمن.
-
وقال الشافعي: يجمع بين القطع والضمان.
-
لنا: قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} وقال في آية المحاربين: {إنما جزؤوا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ألأرض فسادا} الآية فجعل الحد في الآيتين الجزاء.
-
فمن زعم أنه يجب القطع والغرم جعل الحد بعض الجزاء، وهذا خلاف الظاهر. يبين ذلك أن الضمان حق الآدمي، والحد حق الله تعالى. والآدمي أحوج إلى حقه. فلما وجب كان الاهتمام ببيانه أحق بالذكر.
-
ويدل عليه ما روى سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور بن إبراهيم
-
١/٦٠١٧١/٦٠١٧
عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغرم صاحب السرقة إذا أقيم الحد) .
-
فإن قيل: هو مرسل لأن المسور بن إبراهيم لم يلق ده عبد الرحمن بن عوف.
-
قلنا: لا يضرنا إرساله،
-
وإن كان من أصلنا قبول المراسيل. لاسيما إذا أرسلها مثل سيد بن إبراهيم، وهو في الصحيحين وأبوه وابنه.
-
وقيل لأحمد بن حنبل: لم يرو مالك عن سعد. فقال: سعد خير من مالك، وقد روى مالك عن رجلين عنه.
-
فإن قيل: معناه أنه لا يغرم أجره قاطع يد.
-
قلنا: بل ظاهره يقتضي نفي كل غرم. وعندكم يغرم أجرة القاطع إذا لم يكن في بيت المال شيء. فالخبر دلالة عليكم في الموضعين.
-
فإن قيل: معناه لا يضاعف عليه الغرم، كما روي في حريسة الجبل فيها غرامة مثلها وجلدات نكال.
-
قلنا: الظاهر يقتضي نفى كل غرم. على أن غرم المسلمين لم يثبت في الشرع إلا مع سقوط القطع؛ لأنه ... قال في حريسة الجبل: (غرامة مثلها وجلدات نكال.
-
فإذا آواها المراح وبلغت ثمن المجن ففيها القطع) .
-
ولأنه فعل [تعلق به معنى مسقط] [معنى ثبت مع] يتعلق به
-
١/٦٠١٨١/٦٠١٨
حد ومهر، وقتل العمد لا يتعلق به قصاص ودية.
-
فإن قيل: لا نسلم أنهما يتعلقان بفعل واحد. لأن الضمان يتعلق بالأخذ، والقطع يجب بالإخراج من الحرز.
-
قلنا: من نام في المسجد أو في الطريق فأخذ رجل ثوبه من تحت رأسه وجب عليه عندهم قطع وضمان، وتعلقا بفعل واحد، على أن القطع يجب بالأخذ إذا انضم إليه الإخراج من الحرز والضمان يجب بالأخذ فإن تم الفعل بالإخراج استقر الحد وسقط الضمان،
-
وإن لم يتم استقر الضمان وسقط القطع.
-
فإن قيل: يبطل بمن [شرب خمر ذمي.
-
قلنا] أكره امرأة على الزنى [فأقضاها.
-
قلنا]: وجب الحد بالتقاء الختانين والضمان بتحاوز ذلك الموضع المعتاد وبالوطء.
-
قالوا: إذا زنى في الحج وجب الحد والكفارة.
-
قلنا: الكفارة تتعلق بهتك حرمة الإحرام، ولهذا تجب الكفارة بوطء زوجته.
-
قالوا: إنما لا يجتمع الدية والقصاص؛ لأنهما بدلان عن مبدل واحد.
-
قلنا: كما لا يجتمع بدلان عن مبدل واحد كذلك لا يتعلق بفعل واحد أمران يتنافيان. ولأن الضمان سبب مختلف في وقوع الملك فيه فلم يجتمع معه قطع كالقبضة في البيع الفاسد. ولأنه إيقاع فعل في عين يتعلق به إتلاف طرف فإذا استوفى به الطرق لم يجب المال كمن قطع يد غيره ولا يلزم من قطع يمين رجلين.
-
لأن كل واحد من
-
الفعلين تعلق به قطع طرف بكماله ولم يستوف ذلك، وإنما استوفى بعض الطرف، وهذه المسألة مبنية على أن الضمان يثبت الملك في المضمون وأنه إذا ضمن ثبت له حكم الملك من حين يضمن، ولهذا لو باع الغاضب ثم ضمن بعد بيعه [ولو] كان اكتسب استحق الكسب وحكم الملك ينافي القطع.
-
وقد ثبت القطع بالإجماع فوجب إسقاط ما ينافيه.
-
ولا يلزم إذا غصب جارية فزنى بها ثم هلكت فضمن قيمتها. لأن الحد
-
١/٦٠١٩١/٦٠١٩
يسقط ذكر أبو يوسف ذلك في الإملاء.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدل عليكم} وقال: {وجزوا سيئة سيئة مثلها} .
-
قلنا: حقيقة اللفظ يقتضي الاعتداء على الأنفس دون المال. ولأن المثل عبارة عن الواجب بالفعل. بدلالة قوله تعالى: {من جاء بالحسنة [فله] عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} فجعل الثواب والعقاب مثلا للعمل. والمثل الواجب بالسرقة عندنا هو القطع.
-
ورغم مخالفنا أن هاهنا مثلا آخر وهو الضمان. ولأنه لا يدل على إيجاب المثلين.
-
قالوا: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (على اليد ما أخذت حتى ترد) .
-
قلنا: هذا لا يقال إلا مع بقاء العين، وعندنا الرد واجب، وإنما اختلف إذا سقط وجوب الرد ما الواجب؟ والخبر لا يدل على ذلك.
-
قالوا: كل مال وجب القطع مع وجوب رده وجب القطع مع وجوب رده. أصله: إذا كان السارق باعه من رجل فإن السارق يقطع، ويلزمه رد الثمن وإن كان تالفا وجب رد بدله على المشترى.
-
قلنا: نقول بموجب هذه العلة؛ لأن عندنا نقطع السارق مع وجوب رد البدل عليه، وإنما يسقط البدل منه بالقطع.
-
فأما حال الابتداء فالقطع والضمان لم يسقط. ولأن هذا التعليل لوجوب القطع وهو موضع اتفاق، وإنما يجب أن يقع التعليل لبقاء الضمان بعد القطع.
-
فأما وجوب رد الثمن وبدله فلا تعلق للقطع به؛ لأن السارق يقطع أخذ الثمن أو لم يأخذ فلما لم يتعلق القطع بذلك لم يؤثر فيه اختلاف أحواله.
-
فأما الضمان الواجب على السارق المسروق منه فيتعلق بما تعلق به القطع فجاز أن يختلف [حاله مع] استيفائه.
-
١/٦٠٢٠١/٦٠٢٠
قالوا: إذا وجب القطع مع وجوب رد العين المسروقة وجب أن [يجتمع مع] بدلهما من المثل أو القيمة. لأن البدل قائم مقام العين فإذا اجتمع مع البدل [وجب اجتماعه مع البدل.
-
قلنا: قد بينا أن القطع واجب مع رد العين ومع وجوب رد بدلهما، ويسقط رد البدل باختيار المالك بالمطالبة بالقطع.
-
فإن عللوا بالوجوب رد البدل يعد القطع علة للسرقة يمتنع أن يجب رد العين القائمة،
-
ولا يجب رد بدلها] إذا أتلفت كما يجب على الوارث رد الودائع التي عند الميت،
-
ولا يجب رد بدلها إن تلفت
-
وكذلك الثوب [إذا ألقته] الريح [في دار إنسان] والعبد إذا سرق من دار سيده وجب عليه رد العين القائمة فلا يجب رد بدلها إذا تلفت.
-
قالوا: القطع والقيمة حقان لمستحقين فجاز اجتماعهما في فعل واحد أصله إذا قتل صيدا مملو كا وجب الجزء والقيمة.
-
قلنا: إذا أردتم جواز اجتماع وجوبهما. قلنا: بموجبه. لأن السارق يجب عليه [قطع وضمان] كل واحد من الأمرين [مراعى فإذا استوفى] القطع سقط [الضمان.
-
فإن أرادوا أجزاء اجتماع الاستيفاء انتقض] بمن وجب عليه قطع [بالسرقة والقصاص] والقتل بالقصاص والرجم أنها حقان
-
١/٦٠٢١١/٦٠٢١
مستحقان، ولا يجوز اجتماعهما في الاستيفاء والمعنى في الجزاء والقيمة في مال نفسه من وجوب الضمان المثبتة له حكم المالك لا تنفيه كما لا تنفيه نفس الملك. والقطع لا يجوز وجوبه في ملك نفسه ما لضمان ينافيه لأنه مختلف في إيجابه حكم الملك من حين أخذه.
-
قالوا: أتلف مال غيره متعديا من غير يدين ولا تأويل فلزمه ضمان كالغاصب.
-
قلنا: يبعد بالعبد [إذا أتلف مال مولاه. ولأنا نقول بموجبه لأن الإتلاف] تعلق به ضمان عندنا وسقط الملك باختياره المطالبة بالحد كما سقط بعد وجوبه بالبراءة. و [المعنى في الغاضب أنه لم يلزمه] عقوبة لا يجوز إيجابها في ماله. فكذلك جاز استيفاء الضمان، ولما وجب على السارق عقوبة لا يجوز إيجابها في ملكه لم يجز استيفاء الضمان معها.
-
لأنه اختلف في ثبوت حكم الملك به.
-
قالوا: سرقة يجب ردها عند بقائها فوجب الضمان عند فواتها أصله إذا سرق [ربع دينار] وسرق ما يسرع إليه الفساد.
-
[قلنا: لا يخلو إما] أن يقطع في [هذا أو لا] يقطع [فإن رأى الأمام] إيجاب القطع سقط الضمان عندنا،
-
وإن رأى إسقاط القطع وجب الضمان كما لو سرق عشرة درهم سقط القطع فيها بشبهة.