مسألة ٣٤٢
التجريدالحنفيةالمسائل ١٠٬١٥٣ إلى ١٠٬٢٣١
-
١/١٣٥٥١/١٣٥٥
الدين يمنع وجوب الزكاة إن كان مستغرقا
-
قال أصحابنا: الدين يمنع وجوب الزكاة إن كان مستغرقا،
-
وإن كان غير مستغرق وجبت الزكاة في الفاضل من دينه.
-
وهو قول الشافعي في القديم وفي اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى. وقال في الجديد: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
-
لنا: قوله عليه [الصلاة و] السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم) ومن عليه دين مثل ما في يده، وزيادة ليس بغني.
-
فإن قيل: هذا احتجاج بدليل الخطاب.
-
قلنا: بل باللفظ؛ لان الألف واللام للجنس، فلم يبق بعد الجنس صدقة تؤخذ من الفقراء.
-
فإن قيل: إنما أراد الغني بقدر ما في يده، كما يقال: (مطل الغني ظلم) فالمراد به: الغني عن المطل، وذلك عقلناه بدلالة، ووجه ثان من الخبر: وهو
-
١/١٣٥٦١/١٣٥٦
أنه جهل الناس صنفين: صنف يؤخذ نهم وصنف يرد عليهم،
-
فمن أثبت صنفا ثالثا يؤخذ منه ويرد عليه، خالف الخبر.
-
فإن قيل: هاهنا قسم ثالث باتفاق وهو العامل والمؤلفة قلوبهم وابن السبيل.
-
قلنا: العامل لا يستحق زكاة، وإنما يأخذه أجرة والمؤلفة قد سقطوا،
-
فأما ابن السبيل فهو فقير في الموضع الذي هو فيه كالغنى في حال الفقير في أخرى، على أنا نوجب عليه الزكاة في الحال الذي يجوز له أخذه حتى يصير إلى الموضع الذي يصير غنيا وإنما يمنع ما يقوله مخالفنا: أنه غني فقير في حال واحد.
-
ويدل عليه/: ما روى ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان يخطب ويقول: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليؤد زكاة ما بقى) ، ولم يخالفه على ذلك أحد من الصحابة.
-
فإن قيل: معناه هذا شهر تعجيل زكاتكم؛ لأنه لا يتفق وجود الزكاة على الكل في شهر واحد.
-
قلنا: منهم: من صادف ذلك شهر حوله، ومنهم: من حال حوله قبل فأخر الأداء إليه لفضيلة الوقت، ومنهم: من يعجل فقد عمهم بالأمر، فدل على أن الجميع سواء.
-
ولأنا الدين لو كان لا يؤثر في الزكاة لم يكن عثمان - رضي الله عنه - يتوصل إلى إسقاطها بالأمر بالقضاء قبل الحول. ولأنه حق يعتبر في وجوبه تقدم المال فأثر الدين في المنع من وجوبه، كالحج. ولأنه ركن يعتبر في وجوبه المال، كالحج.
-
ولا يلزم العشر؛ لأنه يجب مع الملك فليس يعتبر في وجوبه تقديم المال، وعلى العبادة لا يلزم؛ لأن العشر ليس بركن.
-
١/١٣٥٧١/١٣٥٧
قالوا: المعنى في الحج: أنه ليس في جنسه ما لا يؤثر فيه الدين،
-
ومن جنس الزكاة ما لا يؤثر فيه الدين، وهو العشر.
-
قلنا: من جنس الحج ما لا يؤثر فيه وهو الحجة المنذورة وحج المكي، أما العشر فليس هو من جنس الزكاة عندنا، ليس إذا لم يمنع ما هو من جنس الزكاة الدين لم يمنع الزكاة؛ لأن الدين لا يمنع التمليك بالبيع والهبة، ويمنع وقوع الملك بالوصية والإرث.
-
قالوا: الحج يمنع منه الدين المتوهم فلم يمنعها الدين الواجب.
-
قلنا: روى الحسن عن أبي حنيفة أن من وجد الزاد والراحلة وجب عليه وإن لم يفضل منه شيء، فعلى هذا لا نسلم أن نفقة المستقبل تمنع،
-
ولو سلمنا فمن شرط الحج وجود ما ينفق على نفسه وعياله، كما أن من شرطه الراحلة، لا أنه دين يمنع، ألا ترى: أن النفقة لا تصير دينا عندنا، ونفقة الأقارب لا تصير دينا باتفاق. ولأنه مال لا يجب الحج لأجله [فلم تجب الزكاة، كمال المكاتب.
-
قالوا: ينتقض هذا بمن حج بماله لا يجب الحج لأجله] وتجب الزكاة لأجله في كل سنة.
-
قلنا: التعليل ليس هو للتخصيص وإنما هو للمال،
-
ولا يصح النقص بالشخص، على أن من حج بماله يجوز أن يجب الحج لأجله عندنا، بأن يرتد ثم يسلم. ولأن من جاز له أخذ الزكاة مع ثبوت يده على المال لم تجب الزكاة عليه من ذلك المال كالمكاتب.
-
ولا يلزم العامل؛ لأنه لا يأخذ زكاة،
-
ولا ابن السبيل؛ لأنه يأخذ لعدم ثبوت يده على ماله.
-
قالوا: المعنى في المكاتب أنه منقوض بالرق، والحر بخلافه.
-
قلنا: نقضه بالرق أثر في نقصان ملكه وحكم في تأثيره في نقصان الملك
-
١/١٣٥٨١/١٣٥٨
كذلك، وعلة الفرع تبطل بالكافر.
-
قالوا: المكاتب لا تجب الزكاة في الفاضل من قدر دينه فلم تجب في مقدار الدين، والحر بخلافه.
-
قلنا: قياسا على مال المكاتب الفاضل من الدين،
-
ولا تصح المعارضة؛ ولان المكاتب لا يجب الحج لأجل الفاضل في دينه وتأخير الزكاة مع ثبوت يده عليه، فلم تجب الزكاة فيه، والحر يجب عليه الحج من الفاضل،
-
ولا يأخذ الزكاة مع ثبوت يده، فوجبت الزكاة فيه؛ ولأن من وجبت عليه الزكاة وجبت الزكاة في الفاضل عن مقدار الزكاة،
-
ولا تجب في مقدار الزكاة، ولأنه حق يطرأ على المال من طريق الحكم فأثر الدين فيه كالإرث.
-
قالوا: الدين لا يمنع الإرث والوصية، وإنما يقدم عليهما، بدلالة: أن الغرماء لو أبرأوا ثبت الميراث والوصية.
-
قلنا: لا فرق بينهما؛ لان أبا يوسف قال: إذا أبرأ الغرماء من الدين وجبت الزكاة من حين ملك النصاب وإن مضت سنون.
-
وقال زفر: وقت البراءة، وليس عن أبي حنيفة نص.
-
فإن قيل: الميراث يؤثر في الدين المتأخر عنه؛ لأن الميت لو حفر بئرا في الطريق فوقع فيها إنسان بعد الموت أو دابة فدم ذلك على الإرث.
-
قلنا: هذا يستند إلى حال الحياة فيصير في المعنى متقدما. ولأنه حق لا يجب على المكاتب فلم يجب على المديون، كالأضحية. ولأن ملكه ناقص، بدلالة أن الغير يأخذه بغير تراض ولا قضاء قاض،
-
وإذا أخذه ملكه، وهذا علامة نقصان الملك، كأخذنا أموال أهل الحرب،
-
ولا يلزم أخذ الأب مال ابنه للحاجة؛ لأنه لا يملكه بالأخذ.
-
١/١٣٥٩١/١٣٥٩
ولا يلزم الرجوع في الهبة؛ لأنه لا يصح إلا بالتراضي أو حكم الحاكم،
-
ولا يلزم رجوع الزوج في نصف المهر بعد الطلاق؛ لأنه إن كان عينا فلا يصح إلا بالتراضي أو الحكم،
-
وإن كان في الذمة أثر في نقصان الملك.
-
ولا يلزم أخذ الحربي مالنا، لأن ليس له أخذه؛ ولأن الوصية لا تصح منه ويؤثر في الإرث.
-
قالوا: يعتق بعتقه.
-
قلنا: نقصان الملك لا يمنع العتق؛ لأنه يصح في غير الملك، وهو إذا عتق جاريته عتق حملها وإن لم يملكه.
-
قالوا: يجوز هبته.
-
قلنا: الوكيل عندنا يجوز هبته وليس بمالك.
-
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: (في كل أربع وعشرين فما دونها من الغنم) ، (في كل أربعين شاة شاة) .
-
والجواب: أن هذا مجمل عند أبي الحسن؛ لان الوجوب يقف على شرائط لا يتضمنها اللفظ، وعلى قول غيره قد أريد به إذا كانت لمالك تام الملك، ونحن لا نسلم أن الغارم تام الملك فيما في يده وقد بيناه.
-
قالوا: ما لا يمنع وجوب العشر لا يمنع سائر الزكاوات، دليله الكفارات.
-
قلنا: يبطل بعدم تمام الحول، فإنه لا يمنع وجوب العشر ويمنع وجوب الزكاوات والزكاة إذا وجبت منعت الزكاة على الصحيح من القولين ولا يمنع العشر. ولأن الكفارات حق لله تعالى يطالب به آدمي،
-
ولا يمنع الزكاة، وأما الديون فالمطالبة بحق حق لآدمي ليصير في يده من المال حولا بالمطالبة فلا تجب فيه الزكاة، كالأثاث الذي هو مشغول بحاجته إليه.
-
١/١٣٦٠١/١٣٦٠
فإن قيل: مطالبة الله تعالى وأمره بالكفارات، وأمره بإخراجها كمطالبة الآدمي بالدين.
-
قلنا: لا يستويان؛ لان مطالبة الآدمي بجنس المطلوب منه ويجبر على أدائه ويؤخذ ماله به بغير اختياره، ويستحق الحجر عند بعض الفقهاء، والكفارة ليس فيها أكثر من المأثم، وهو موجود في الدين فيبقى له المزايا التي بيناها،
-
فأما الدين غير المستغرق فيمنع الزكاة بقدره وما زاد على مقدار الدين لا يتعلق به حق فتجب الزكاة فيه. يبين ذلك أن الدين المستغرق يمنع الحج، والفاضل من الدين يجب الحج لأجله.
-
قالوا: لو كان له خمس من الإبل سائمة وألف درهم وعليه خمس من الإبل صداق زوجته وجبت الزكاة في الإبل فإذا لم يمنع الدين وجوب الزكاة في جنسه [ففي غير جنسه أولى، وتحريره أن ما لا يمنع الزكاة في جنسه لا يمنع في غير جنسه] . كالكفارات.
-
الجواب: أن الدين في مسألتان منع الزكاة؛ لأنه لا يحصل في الدراهم عندنا والكلام في تأثير الدين في الزكاة في الجملة، وليس الكلام في اعتبار الأموال وإنما جعلنا الدين في الدراهم؛ لان السائمة للقنية يشق تسليمها في الديون، والدين يجعل فيما هو أسهل قضاء.
-
فأما قولهم: إن القضاء من الجنس أسهل فلا يصح عليه، والسائمة جنسه وصرف الدراهم إلى الدين أسهل.
-
فأما قولهم: إذا لم يمنع الدين وجوب الزكاة في جنسه لم يمنع في غير جنسه فغير مسلم؛ لان عندنا لو لم يكن له دراهم حصل الدين في الإبل يمنع وجوب الزكاة فكيف نسلم لهم هذا الإطلاق؟
-
قالوا: حق مصروف إلى أهل السهمين يجب في مال من لا دين عليه،
-
١/١٣٦١١/١٣٦١
فوجب في مال من عليه الدين.
-
قلنا: العشر لا يجب في المال لكن بوجوده؛ ولأن العشر يتكرر وجوبه في حول واحد، فلم يمنع الدين من وجوه، ولما كانت الزكاة لا يتكرر وجوبها في الحول جاز أن يمنع الدين وجوبها كالحج.
-
قالوا: العشر والزكاة حقان يستويان في الصرف،
-
فإذا لم يمنع الدين أحدهما لا يمنع الآخر، كالعشر ونصف العشر.
-
قلنا: العشر قد دخل في فرع العلة فلم يجز أن يكون هو أصلها؛ ولان الوصية للفقراء مصرفها مصرف الزكاة والدين يؤثر عندهم فيها،
-
ولا يؤثر في الزكاة.
-
قالوا: حق يتعلق بمال يسقط بتلفهن فلم يمنع الدين منه، كالجناية.
-
قلنا: الدين لا يمنع الزكاة وإنما يمنعها نقصان الملك؛ ولأن الجناية تتعلق بما ليس بمال، وهو رقبة الحر فالدين لا ينفيها، والزكاة لا/ تجب عن مال، فجاز أن يؤثر فيها الدين. أو نقول إن الجناية لا تعتبر في تعلقها الملك؛
-
لأنها تجب في رقبة عبد الصبي، وعبد الكعبة، وبين المال، بصفة المال لا يعتبر والمالك معتبر في وجوب الزكاة، فجاز أن يعتبر صفاته.
-
قالوا: صنف من أهل الصدقات يملكون ما يأخذونه ملكا تاما فجاز أن تجب علهم الزكاة كأبناء السبيل.
-
قلنا: لا نسلم أن الزكاة تجب على ابن السبيل حتى تثبت يده على ماله؛ ولان ابن السبيل حلت له الصدقة لزوال معنى الغنى عنه مع ثبوت يده على المال.
-
١/١٣٦٢١/١٣٦٢
قالوا: الناس صنفان: غني تجب عليه الزكاة وفقير تحل له الزكاة.
-
ثم ثبت أن من تجب عليه تحل له الزكاة، وهو ابن السبيل، وجب أن يكون فيمن تحل له الزكاة من تجب عليه.
-
قلنا لا نسلم أن في أصناف الزكاة من يحل له الأخذ مع وجوب الزكاة عليه على ما قدمنا، ونعكس هذا الكلام فنقول: فلما لم يجز أن تحل الصدقة لم تجب عليه مع ثبوت يده على المال، كذلك لا يجب على من يجوز له الأخذ مع ثبوت يده على المال.