فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ١٤٧٣

التجريدالحنفيةالمسائل ٤٧٬٣٧٢ إلى ٤٧٬٤٢١

  1. ١/٦٠٨٩١/٦٠٨٩

    علة تحريم الخمر

  2. قال أصحابنا: تحريم الخمر غير معلل بعلة يقاس عليها،

  3. وكذلك لحم الخنزير. ومن أصحابنا من قال: إن تحريمها يتعلق بوجود المعاني التي لأجلها سميت خمرًا، كما حرم الزنى لوجود المعنى الذي له سمي الوطء: زنى،

  4. ويجوز أن يكون التحريم يتعلق بنجاستها.

  5. وقال الشافعي: تحريم الخمر معلل بوجود الشدة المطربة.

  6. لنا: ما روي عن ابن عباس أنه قال: حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب. وكيفية التحريم إنما تعلم بالتوقيف، فكأنه روى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

  7. فلو كان التحريم معللاً بعلة تتعدى لم يعلق التحريم بالعين، لأن ذلك يمنع أن يتعلق بغير العين كتحريم الخنزير والميتة والأمهات.

  8. ولأن الصحابة اختلفوا في تحريم الأشربة، ولم ينقل عن واحد منهم ذكر علة،

  9. ولو كان أصلاً معللاً لبينوا علته كما بينوا ذلك في سائر المسائل التي اختلفوا فيها.

  10. فإن قيل: قد قال عمر: الخمر ما خامر العقل.

  11. قلنا: هذا يدل على أن ما حدث عنه السكر حرام، وهذا متفق عليه.

  12. ولا يجوز أن يكون هذا بيانًا لتحريم الجنس، لأنه قد ثبت شرب عمر خمر النبيذ الشديد ويستحل ذلك؛ فعلم أنه بيان للخمر المؤثر في العقل.

  13. ولأن من مخالفنا أن الأشربة المطربة كلها خمر وقد حرمت بنص واحد،

  14. فلا يجوز أن يكون بعضها في التحريم فرعًا لبقيتها، كما أن الأشياء الأربعة في

  15. ١/٦٠٩٠١/٦٠٩٠

    الربا حرمت بنص واحد لم يكن بعضها أصلاً وبعضها فرعًا، لأن الشيء لا يجوز أن يحرم لعلة لا توجد فيه. ومعلوم أن الشدة والطرب لا توجد في الخمر اليسير، وهو محرم كتحريم الكثير، فلم يجز أن تكون الشدة هي العلة في التحريم، إذ لا قائل يقول: إن قليل الخمر حرم بغير العلة التي حرم كثيرها، ولهذا لم يحرم قليل السقمونيا، لأن كثيرة يقتل.

  16. فإن قيل: وجود الشدة علة لتحريم الجنس.

  17. قلنا: هذا الذي منعنا منه أن يحرم الكثير للشدة ثم يحرم القليل من غير الشدة.

  18. فإن قيل: القليل يسكر النمل والعصافير إذا كانت العلة تنافيها من الشدة المؤدية إلى إيقاع العداوة والبغضاء، فكيف يحرم القليل علينا لأنه يسكر العصافير وهل هذا إلا تلاعب بالعلل! على أنا لا نسلم أن العصفور والنمل يسكر.

  19. ولا يمتنع أن يكون الله تعالى خلقها على طبع لا يسكرها الشراب، كما خلق حيوانًا يستحلي الحنظل، والمخمور لا تؤثر فيه السموم.

  20. ولأنه قد ثبت عندنا ما سنبينه من بعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح النبيذ في الأوعية التي تحدث الشدة،

  21. ولا يجوز أن يتناول نسخ الإباحة إلا ما يتناوله الخطر وهو المشتد،

  22. فلو كانت العلة في تحريم الخمر هذه، ارتفع تحريم حكم هذه العلة بالإباحة، وخرجت أن تكون علة التحريم في الخمر. وقد علمنا أن تحريم الخمر لم تتعين، فعلمنا أن التحريم وقع دليل [نبه به] على أنه غير معلل.

  23. احتجوا: بقوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة} .

  24. قلنا: هذا لا يجوز أن يكون على وجه التعليل، لأن كل شيء صد عن ذكر الله حرام بالعقل. وقد كانت الخمر حلالاً إلى أن نزل تحريمها،

  25. فلو كان التحريم في القليل لهذه العلة لم تحل.

  26. ١/٦٠٩١١/٦٠٩١

    ولأن الشيطان يوقع العداوة والبغضاء في المعاملات أكثر مما يوقع في القمار، وكان يجب أن يحرم علينا لهذه العلة.

  27. ولأن العداوة والصد عن ذكر الله إنما يقع بالسكر، وليس يمتنع أن يحرم كثير الخمر لهذه العلة ويتعدى إلى كثير النبيذ، ويكون القليل محرمًا بغيرها؛ لأنها توجد فيه.

  28. قالوا: وجدنا العصير حلالاً،

  29. فإذا حدثت الشدة حرم،

  30. فإذا زالت وصارت خلا حل؛ فدل على أن الحكم يعلق بما وجد بوجود التحريم، وارتفع بزواله.

  31. قلنا: وجدنا الشدة إذا طرأت نجست،

  32. وإذا تخللت زالت النجاسة، فلما وجب أن يتعلق التحريم بالشدة ولا يتعلق بالنجاسة.

  33. ولأن كل واحد من هذين يحدث الحكم بحدوثه ويرتفع بارتفاعه.

  34. ويجوز أن يقال: إن الشدة إذا حدثت، وجد معنى اقتضى تسميتها خمرًا،

  35. فإذا تخللت زال ذلك المعنى، فلم يكن تعلقه بالشدة أولى من تعلقه بالمعنى المقتضى بالتسمية.

  36. فإن قيل: العلة المتعدية أولى.

  37. قلنا: هذا ليس بصحيح على أصولكم، وقد عللتم تحريم التفاضل في الأثمان بكونها أثمانًا، وعدلتم عن العلة المتعدية.

  38. فأما على قولنا، فلا تكون الشدة المطربة علة لتحريم القليل وهي غير موجودة فيه، كما أن العلة في تحريم كثير السقمونيا لما كان الضرر وهو لا يوجد في القليل لم يحرم.

  39. فإن قيل: شرب قليل السقمونيا لا يدعو إلى كثيره، وشرب قليل الخمر يدعو إلى كثيره.

  40. قلنا: الطعام الذي يضر كثيره لا يحرم قليله،

  41. وإن كان أكل القليل يدعو إلى الكثير، وليس كل ما يدعو إلى التحريم محرم، ألا ترى أن القبلة واللمس في الحائض يدعو إلى وطئها وليس بمحرم.

  42. فإن قيل: وجدت الشدة في نقيع الزبيب والتمر والمنصف من العصير

  43. ١/٦٠٩٢١/٦٠٩٢

    بحرمته ولا يسمى خمرًا، فعلم أن الحكم يتبع الشدة ولا يتبع التسمية.

  44. قلنا: إن علقنا الحكم بالنجاسة قابلت علتنا علتكم وتعلق الحكم في النقيع بها،

  45. وإن علقنا الحكم في الخمر بالمعنى المقتضي لتسميتها خمرًا، قلنا: إن نقيع الزبيب والتمر لا يحرم لعلة الخمر، وإنما حرم عندنا لدليل آخر. على أن مذاهب فقهاء الكوفة والبصرة أن نقيع التمر والزبيب حلال، وهو أقوى عندي.

  46. فإن قلنا: هذا سقط الكلام وطريقة أخرى في أن تعليق الحكم بالاسم أقوى من تعليقه بالشدة، وهي ما وجد في الحكم المعلل وهو التحريم تتعلق به الحدود، وجدنا سائر الأفعال المحرمة الموجبة للحدود يتعلق الحكم فيها بالاسم دون المعنى.

  47. ألا ترى أن القاذف بالزنى يحد،

  48. ولو قذف بالكفر لم يحد، والزاني يحد، والواطئ وطئًا حرامًا لا يحد، والسارق يحد لوجود الاسم. ويمكن أن يعلل الواطئ في الزنى بعلة تتعدى إلى ما ليس بزنى،

  49. وكذلك القذف والسرقة وأجمعنا على سقوط ذلك التعليل. فكذلك في مسألتنا تعليق الحكم بالاسم- وإن كان لا يتعدى- أولى من تعليله بالمعنى المتعدي. على أنا نقول لمخالفنا: إذا وجدت الشدة، كفرنا مستحله،

  50. وإذا زالت الشدة، زال التكفير، فلم يجب أن يقيس غير الخمر على الخمر في تكفير المستحل وإن استويا في الشدة، كذلك لا نقيس في التحريم وإن تساويا في الشدة.