مسألة ٤٠٨
التجريدالحنفيةالمسائل ١٢٬٢٧٦ إلى ١٢٬٣٣٤
-
١/١٦٢٩١/١٦٢٩
الزمن المعسر لا يجب عليه الحج
-
ببذل غيره له الطاعة
-
قال أصحابنا: الزمن المعسر لا يجب عليه الحج ببذل غيره له طاعة.
-
وقال الشافعي: إذا قدر على من يطيعه إذا أمره، وجب عليه الحج.
-
قالوا: ولا يعتبر البذل [وإنما يعتبر علمه أنه يطيعه] وإن لم يبذل.
-
ويعتبر المطيع أن يكون واجدًا للزاد والراحلة، وقد حج عن نفسه وهو على صفة لو لم يحج، وجب عليه الحج،
-
وأن يكون ثقة فيما يلتزمه،
-
ومتى بذل له المال فيه وجهان:
-
واختلفوا في الباذل هو الآخر فمنهم من قال: يختص الأولاد، ومنهم من قال: الابن والأجنبي سواء. وللباذل أن يمتنع،
-
وإذا أحرم لم يجز له الامتناع.
-
ولا يجزئ الحج حتى يأذن فيه، فإذ امتنع أحدهم من الإذن لم يقم السلطان مقامه في الإذن في الصحيح من المذهب.
-
١/١٦٣٠١/١٦٣٠
ومنهم من قال: يقوم إذن السلطان مقام إذنه.
-
لنا قوله تعالى {ولله على الناس حج للبيت من استطاع إليه سبيلاً} .
-
وقال عليه الصلاة والسلام: (الاستطاعة الزاد والراحلة) ، ظاهر الآية يقتضي تعلق الوجوب بذلك.
-
فإن قيل: إن كان ممن يؤمر قيل له مستطيع، ألا ترى أن الإنسان يقول: أنا أستطيع أن أبني دارًا، يعني: أنه بيني مثلها.
-
١/١٦٣١١/١٦٣١
قلنا: إنا نقول ذلك إذا كان يأمر من يجب عليه أن يفعل،
-
فأما إذا قدر على أمر من لا يجب عليه العمل، قيل: إنه مستطيع للأمر لا للبناء. وعندهم للآمر أن يرجع بما بذل ما لم يدخل في المأمور، وكيف يكون الآمر مستطيعًا للحج والمأمور لا يجب عليه فعله؛ ولأن ما كان الغالب أن الإنسان يفعله بنفسه لا يقال: إنه مستطيع إلا أن يقدر على فعله.
-
وما كان الغالب فيه الاستنابة، قيل: إنه مستطيع بمعنى أنه يقدر أن يأمر به؛ ولأن البذل وجد ممن لا يلزمه أن يحج عنه، فلم يلزمه الحج، كما لو بذل الضرورة؛ ولأنه معنى لا يملك به الزاد والراحلة فلا يجب فيه الحج على الزمن كبذل المال قبل القبول، أو فلا يصير الزمن به مستطيعًا؛
-
ولأنها عبادة تجب بوجود المال،
-
فلا يجب بالطاعة، كالعتق في الكفارة والزكاة.
-
فإن قيل: بطل كالوضوء.
-
قلنا: لا يجب بالطاعة، وكما يجب عليه طلب الماء من المستطيع،
-
فإن بذله وجب الوضوء بالبذل.
-
فإن قيل: العتق وجب بملك الرقبة وبالبذل لا يصير مالكًا.
-
قلنا: وكذلك الزمن يلزمه الحج إذا وجد ما لا يحصل له ثوابه بإنفاقه، وهذا المعنى لا يوجد إذا بذل للطاعة.
-
فإن قيل: لا يجب عليه أن يتسبب إلى تحصيل الرقبة ليعتقها بدلالة أنه لا يلزمه أن يستوهب ويستدين.
-
قلنا: ولا يلزمه أن يكتسب مالاً يحج به، ويلزمه أن يتسبب إلى تحصيل الرقبة إذا كان له مال بأن يبتاعها.
-
قالوا: المكفر الفقير شرطه الصوم؛
-
فلو أوجبنا العتق بالبذل نقلناه من فرض
-
١/١٦٣٢١/١٦٣٢
إلى فرض.
-
قلنا: إذا جاز أن ينقل بالبذل من حالة عدم الوجوب إلى الوجوب، فأولى أن يُنقل من الصوم إلى بذله؛ ولأنه معضوب معسر، فلم يلزمه حجة الإسلام، كما لو لم يجد من يطيعه؛ ولأنها أحد العبادات الخمس،
-
فلا يؤثر فيها بذلك الطاعة كالصوم.
-
فإن قيل: الصوم لا تصح النيابة فيه.
-
قلنا: الزكاة تصح النيابة فيها،
-
ولا تجب بالبذل، والحج عندنا لا تصح النيابة فيه فلا فرق بينهما.
-
فإن قيل: الصوم لا يجب بوجود مال بسبب يدفعه إلى من يفعله عنه.
-
قلنا: فالحج يجب بوجود مال يستعين به على من يحج، فيحصل له ثواب ذلك المال، وهذا المعنى لا توجد في الطاعة.
-
احتجوا: بحديث الخثعمية أنها قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن فريضة الله على عبادة الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه) ؟، فذكرت الطاعة، ففرض الحج يدل أن الوجوب تعلق بالبذل.
-
والجواب: أن الخثعمية ذكرت فرضًا يسند لها، فالظاهر: أنه فرض تعلق بالأمر الظاهر في الشرع، وهو وجود المال، وبذل الفعل حصل بعد ذلك، فلم يكن فيه دليل؛ ولأن الخثعمية لم تعلم أن النيابة في الحج تجوز، فكيف تعلم أن بذل النيابة يجب الحج؟.
-
ولا يقال: إن الأصل: عدم المال؛ لأن الأصل أن وجوب الحج يتعلق بالمال، وهذا هو الأمر الظاهر فحمل أمرها - عليه الصلاة والسلام - عليه ولأنا لا
-
١/١٦٣٣١/١٦٣٣
نعلم بذل الطاعة منها فيما سبق، وكيف نحمل الأمر على أن الوجوب تعلق بذلك، وأقل الأحوال أن يكون الأمر محتملاً،
-
ويجوز أن يكون الفريضة أدركته بالمال،
-
ويجوز أن يكون بالطاعة فلا يصح التعلق به مع الاحتمال.
-
فإن قيل: قوله (حجي عن أبيك) يقتضي الوجوب عليها بالبذل.
-
قلنا: فهي مخيرة عندكم وإن بذلت. فكيف نحمل الأمر على الوجوب؟ ولأنها سألت عن جواز الأداء، فبين لها ما سألت عنه،
-
ولو بدا لم يسأل عن مال الأب، وعن أمره لها بالحج.
-
قالوا: إذا كان له مال وجب الحج؛ لأنه يحصل به من يحج عنه،
-
فإذا حصلت الطاعة حصل المبتغى بالمال فوجب الحج، ألا ترى: أن الصحيح يجب عليه الحج بوجود المال،
-
فإذا حصل بمكة لم يحتج إليه؛ لأنه حصل له ما يطلب به.
-
قالوا: ولأن وجود الطاعة أبلغ من وجود المال وأبلغ من وجود ثمنه، ووجود الرقبة أبلغ من ثمنها،
-
فإذا وجب الحج بالمال صار طاعة.
-
وإن قلنا: لا نسلم أنه يحصل بالطاعة ما يبتغي بالمال؛ لأن هذه عبادة مالية عندنا،
-
فإذا بذل له المال حصل له ثوابه،
-
وإذا لم يحصل لم يوجد ذلك، فلم نسلم لهم أن المطلوب بالمال يحصل بالطاعة؛ ولأن بملك المال يحصل من يجب عليه النيابة، وبالطاعة يحصل له من يجوز له النيابة، وهو بالخيار إن شاء وفى بها،
-
وإن شاء انتفع، فكيف يقال: حصل له بأحد الأمرين ما يحصل بالآخر؟
-
فأما المال والرقبة فالفرض يتعلق بهما، فوجودهما أبلغ من وجود ثمنهما، والفرض ههنا عنده هو دفع المال ليحصل الثواب بإنفاقه في سفر الحج، وبالطاعة لا يحصل هذا، فكيف تكون الطاعة أبلغ من المال؟ ولأن الصحيح يجب عليه الحج، ولم يكن وجود ذلك كوجود الزاد والراحلة، كذلك ههنا.
-
١/١٦٣٤١/١٦٣٤
قالوا: عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يجب على المعضوب المعسر كالصوم.
-
قلنا: نقلب فنقول: فوجود المطيع لا يوجبها عليه ليس له تأثير في أداء الصوم،
-
والصحيح والمعضوب سواء، ولما كان العَضْب يمنع من وجوب الحج مع الفقير لم تؤثر الطاعة إيجابه كما تؤثر في الإيجاب على الشيخ الهرم الفقير.