فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ٥٢٢

التجريدالحنفيةالمسائل ١٦٬٠٦٤ إلى ١٦٬١٥١

  1. ١/٢٠٤٥١/٢٠٤٥

    حكم المحرم إذا قتل صيدا

  2. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا قتل المحرم صيداً: وجب بقتله القيمة، يحكم بها ذوا عدل، والقاتل بالخيار، إن شاء صرفها إلى الهدي،

  3. وإن شاء إلى الإطعام،

  4. وإن شاء إلى الصيام.

  5. وقال محمد: يلزمه مثله من جهة الخلقة إن كان له مثل،

  6. وإن لم يكن له مثل: فقوله مثل قولهما.

  7. وقال الشافعي: الواجب مما له نظير: النظير، ومما لا نظير له: القيمة،

  8. فإن أراد إخراج الطعام يخرج الطعام بقيمة النظير.

  9. لنا: قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} . وهذا عام فيما له نظير وفيما لا نظير له،

  10. ثم قال تعالى: {ومن قتله منكم متعمداً} .

  11. ١/٢٠٤٦١/٢٠٤٦

    والهاء في قوله: {قتله} كناية عن الصيود التي يتناولها العموم؛ فوجب أن يحمل المثل على ما يعم الجميع، وذلك هو القيمة التي تعم الجميع.

  12. ولأن الله تعالى أوجب المثل، وذلك في الشرع عبارة عن مثل من جنسه أو مثله من قيمته، فوجب حمل المثل في مسألتنا على المثل المستقر في الشرع.

  13. ولأنه تعالى قال: {يحكم به ذوا عدل منكم} ، إن العدل إنما شرط فيما طريقه الخبر حتى لا يخبر من ليس بعدل بالكذب، والمثل من طريقة الخلقة يعلم بالمشاهدة؛

  14. فلا معنى لشرط العدالة فيه، فدل أن المثل هو القيمة التي لا تدل عليها المشاهدة حتى يوثق بقول العدل فيها، كما يوثق بقوله في الشهادات وقيم المتلفات.

  15. ولأنه تعالى قال: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً} ، والتخيير إذا حصل بين أشياء، فكل واحد منها يتعلق بما يتعلق به الآخر، فكأنه قال: هو هدي أو مثل أهو صيام، وهذا لا يكون إلا على قول من أوجب القيمة، قال: فأي الأصناف الثلاثة صرفها كانت هي المثل.

  16. ولأن قوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} ظاهره يقتضي: أنه حكم غير باق أبداً، وهذا لا يكون إلا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان،

  17. فأما المثل من طريق الخلقة: فإنهما إذا حكما به مره، كان ذلك تاماً أبداً،

  18. فلا يحتاج إلى الحكمين فيه أبداً.

  19. فإن قيل: العلم بالمثل من طريق الخلقة أخفى من القيمة، فلذلك شرط العدالة فيهما.

  20. قلنا: لكنهما إذا أثبتا مثل الظبي والضبع: حكم بمثله أبداً، ألا ترى: أنه ليس فيها عندهم ما يختلف، فتارة يكون اجتهاداً حتى يوجب في السمين سميناً

  21. ١/٢٠٤٧١/٢٠٤٧

    وفي الكبير كبيراً. قلنا: هذا يعلم بالمشاهدة أيضاً،

  22. فلا يحتاج فيه إلى العدالة.

  23. قال مخالفونا: هذه الآية حجه لنا؛ لأن قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قال من النعم} ، لو اقتصر عليه لاقتضى مثله من جنسه، فلما قال: {من النعم} علم: أنه أراد مثله من النعم، فيكون تفسير الآية: فجزاء مثل ما قتل من النعم عن المقتول.

  24. قلنا: هذه الآية قرئت بقراءتين، فقراءة أهل الكوافة بضم المثل، تقديرها: فعليه جزاء مثل الذي قتله من النعم، ويكون قوله: {من النعم} [بياناً] للبنى المحذوفة الراجعة من الصلة إلى الموصول، وهذا مرجح على كل تأويل في الآية؛ لأن الجار والمجرور في قوله، {من النعم} في موضع نصب، فعلى هذا التقدير هو معمول قوله جزاء.

  25. ومثل: هذا معمول يليه لا فصل بينهما.

  26. وعلى قولهم: قوله: {من النعم} صفة للمثل، والعامل فيه المبتدأ، وهو قوله: {فجزاء} لم يفصل بين العامل والمعمول بشيء.

  27. ومن تأول الآية فلم يفصل بين العامل والمعمول بشيء، فقوله أولى، بين ذلك: أن ما وصلها لإمكان نحره إلا وبعدها مفسر لها حتى إنه قد جاء بعدها مفسر لها هو أعم منها.

  28. قال الله تعالى: {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء} ، وما يدعون لابد أن يكون شيئاً، إلا أنه لم يحلها فيما يليها، فلما قال الله تعالى:

  29. ١/٢٠٤٨١/٢٠٤٨

    {فجزاء مثل} ، فقتل صلة، فالظاهر: أن قوله: {من النعم} بيان لها، فحمله على ذلك أولى من حمله على صفة المبتدأ.

  30. وأما قراءة أهل الحرمين والشام، وهو قوله: (فجزاء مثل) بإضافة الجزاء إلى المثل، ففيه وجهان: إن شئت جعلت مثل على حقيقة إضافية؛ لأن جزاء مثل الشيء هو جزاء الشيء، ومثل هذا في القرآن، قال الله تعالى:

  31. {فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به فقد اهتدوا} ، وذلك لأنهم إذا آمنوا بمثل ما آمنا به، فقد آمنوا بما آمنا.

  32. والوجه الثاني: أن المثل إضافة لفظية، والمراد بها: نفس الشيء، من ذلك قولهم: لا يحسن بمثلك أن يفعل كذا،

  33. وأن يصنع كذا وكذا، أي: أنت.

  34. وقوله: أنا أكرم مثلك، أي أنا اكرمك،

  35. ومثله قوله تعالى: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات} والمثل [والمثل] والشبه والشبه واحد، قال الشاعر:

  36. مثلى لا يحسن قولا فيعفى

  37. أي: أنا لا أحسن، مكانه.

  38. قال: فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم، فهذا الذي تبيناه على القراءتين، يقتضي أن النعم صفة للمقتول لا للمثل، فسقط استدلالهم من الآية.

  39. فإن قيل: النعم لا يتناول الوحش/.

  40. قلنا: غلط، قال أبو عبيدة: النعم، يتناول الوحش، قال الله تعالى:

  41. ١/٢٠٤٩١/٢٠٤٩

    {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ، فلولا أن النعم بهائم غيرها لم يكن لإضافة البهيمة إلى الأنعام معنى، وإنما أباح من جملة الأنعام البهائم، ولم يبح السباع؛ لأنها لا تسمى بهائم، وإنما تسمى كواسر. وأكثر ما يلزمنا مخالفنا: أن نسلم له أن قوله: {من النعم} صفة المثل، فعند أبي حنيفة: يجب من النعم مثل المقتول في نيمته، وعندهم: في خلقته.

  42. والمماثل لا يقتضي أكثر من مماثلة في وجه واحد،

  43. فإذا تساويا في اعتباره سقط استدلالهم.

  44. قالوا: فقد قال الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} ، والكناية عندكم نرجع إلى أقرب مذكور، وعندنا إلى الكل، فأي الأمرين كان فليس في الكلام فيه مذكور ترجع الكناية إليه.

  45. قلنا: الكناية ترجع إلى المثل، وقد تنازعنا المراد به، فعندهم المراد به: المثل خلقة، والكناية ترجع إليه.

  46. قالوا: قال الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا} فثبت أن المراد به: يحكمان بالجزاء هدياً.

  47. قلنا: قال الله تعالى: [هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين] كفأنه قال: جزاء هدياً، وجزاء طعاماً، فاقتضى: أن الطعام هو الجزاء، وعندهم: أنه بدل الجزاء.

  48. قالوا: خير الله القاتل بين ثلاثة أشياء، وانتم تثبتون معنى رابعاً، وهو

  49. ١/٢٠٥٠١/٢٠٥٠

    أن يتصدق بالقيمة نفسها، فيكون ذلك وجهاً رابعاً.

  50. قلنا: قد دللنا على أن المراد بالآية: القيمة، فكأنه قال: فجزاء قيمة [ما قتل يحكم به ذوا عدل يصرفه إلى الهدي أو الإطعام أو الصوم،

  51. فإذا دلت الآية على إخراج الإطعام بدلاً عن القيمة] ، دل على إخراجها في نفسها.

  52. قالوا: قراءة الإضافة وإن كان له إضافة الجزاء إلى المثل، فالجزاء هو المثل، والمثل هو الجزاء،

  53. وإن أضيف أحدهما إلى الآخر، كما قال: في الآية: {أو كفارة طعام مساكين} فأضاف الكفارة في هذه القراءة إلى الطعام،

  54. ثم كانت الكفارة هي الطعام، والطعام هو الكفارة، وكما يقال خاتم حديد، وباب حديد. قلنا الإضافة على ضربين: إضافة الجزء إلى الجملة، كقوله: باب حديد، وإضافة الاختصاص، كقوله: غلام زيد، فقوله: (جزاء مثل) قد علمنا أن الجزاء ليس بعض المثل، فلم يبق إلا أن يكون إضافة اختصاص،

  55. فلا يكون الجزاء هو المثل.

  56. وأما قراءة نافع {أو كفارة طعام مساكين} . المراد بالإضافة: إضافة اختصاص؛ لأن الكفارة تارة تكون طعاماً، وتارة تكون غيره، فأضافها إلى الطعام ليبين تخصيصها به إذا أخرجت.

  57. ولأنه متلف، فلا يضمن بالمثل من طريق الصورة من غير جنسه، كسائر المتلفات.

  58. ولأنه مضمون يضمن بغير جنسه؛ فضمن بالقيمة، كالصيد في حق الآدمي.

  59. ولأنها جناية على الصيد؛ فوجب فيها القيمة، أصله: ما لا نظير له، وضمان جنس الصيد.

  60. ولأن ما يضمن بالقيمة في حق الآدمي يضمن بها حق الله تعالى،

  61. ١/٢٠٥١١/٢٠٥١

    أصله: ما نقول فيمن أتلف ما لا مثل له على آدمي، أو أتلفه من مال بيت المال؛ لأن ما يضمن بالمثل في حق الآدمي يضمن بذلك في حق الله تعالى، أصله: من أتلف طعاماً قد أخذه المصدق من العشر.

  62. ولا يلزم الكفارة في قتل الصيد، أنه يضمن في حق الآدمي بالقيمة، وفي حق الله تعالى بالكفارة التي هي المثل؛ لأن العبد يضمن بالقيمة أيضا إذا أتلف عبداً من بيت المال،

  63. فأما الكفارة: فلا يضمن العبد بها، بدلالة: أنها لو وجبت ضماناً عنه لاختلفت باختلاف صفته.

  64. احتجوا بحديث جابر - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الضبع صيد يؤكل، فيه كبش إذا أصابه المحرم) .

  65. قالوا: أوجب فيه كبشاً، وعندكم تجب فيه قيمته، وهو أوجب كبشا، وظاهره يقتضى جواز كبش ينقص عن قيمته؛ لأنه اعتبر الاسم، وعندكم لا يجوز قدره بالكبس،

  66. فلو كان الواجب القيمة، كانت تختلف باختلاف الأزمان والبلدان.

  67. قلنا: هذا قاله على طريق التقويم؛ بدلالة: أن عندهم تعيين صفة الكبش بصفة الضبع،

  68. فلو كان تقديراً شرعاً، لبين صفته، فلما لم يبين علم أنه أراد القيمة، وفي الغالب أن قيمة الضبع في اللحم لا تزيد على شاة، فبين عليه الصلاة والسلام ما يجب بقتل الضبع.

  69. قالوا: أفتت الصحابة في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي

  70. ١/٢٠٥٢١/٢٠٥٢

    الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة. روي هذا متفرقاً عن علي، وعثمان، وابن عمر، وابن عابس، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وجابر، ومعاوية - رضي الله عنه -. قضوا بذلك في أزمان مختلفة وبلدان مختلفة وأسفار مختلفة،

  71. فلو كان بالقيمة ما اتفقوا على ذلك. قلنا: إنما قضوا بذلك على طريق التقويم، بدلالة: أنهم لم يعتبروا الصفات، وما يجب بإتلافه المثل يعتبر صفاته، كالحنطة، فلما لم يعتبروا السمن والهزال والصغر والكبر؛ دل أنهم أوجبوا ذلك فيه.

  72. يبين ذلك: أنهم أوجبوا في الحمار بقرة،

  73. ولا تشابه في الخلقة بين الحمار والبقرة.

  74. وقولهم: أنه لم ينقل أحد منهم اعتبار القيمة، غلط؛ لأن غالب أموالهم الحيوان، وهذه الأشياء لا تزيد على ما أوجبوه في الغالب.

  75. وقولهم: إن البدنة خير من النعامة، والشاة خير من الضبع: ليس بصحيح؛ لأن قيمة هذه الأشياء قد تبلغ البدنة والشاة في الغالب.

  76. قالوا: أوجبت الصحابة عناقاً وجفرة، وعندكم لا يجزئ ذلك.

  77. قلنا: لا يجب هذا، ويجزئ صدقة وإطعام، فالحيوان إنما كان على هذا الوجه،

  78. ثم ذد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، وهذا بيان لما حكمت به الصحابة.

  79. قالوا: حيوان مخرج في الكفارة، فوجب أن لا يكون بالقيمة، كالمخرج في فدية اللباس والطيب.

  80. قلنا: المخرج في هذه الكفارات لا على سبيل البدل، ألا ترى: أنه

  81. ١/٢٠٥٣١/٢٠٥٣

    ليس فيها معنى يقوم به، فلهذا لم يكن المخرج قيمة، ولما كان الواجب في مسألتنا عوضاً عن المتلف، جاز أن يعتبر بقيمته.

  82. ولأن كفارة اللبس والطيب إذا عدل عن الهدي إلى غيره وجب بنفسه، لا على طريق القيمة كذلك الهدي. فلما كان في كفارة الصيد إذا عدل عن الهدي إخراج الإطعام بالقيمة عندنا بقيمة المقتول، وعندهم بقيمة النظير، كذلك الهدي نفسه يجوز أن يجب بالقيمة.

  83. قالوا: حيوان مخرج في حق الله تعالى، فلم يكن للقيمة معنى، كعتق الرقبة بقتل الآدمي.

  84. قلنا: إنما يجب إن لم تختلف الرقبة باختلاف صفة المقتول في صغره وكبره، وسائر صفاته، فدل [على] أنها ليست بقيمة. ولما اختلف ما يجب في مسألتنا بصغر الصيد وكبره، وصفاته دل على أنه يدل عنه، ويدل المتلفات قد يكون بالقيمة.

  85. قالوا: الأعيان المضمونة ثلاثة [أصناف] : آدميون، وأموال، وصيود. فالآدميون على ضربين: الحر يضمن بمثله، والعبد بقيمته، والأموال على ضربين: فالمثل فيما له مثل، والقيمة فيما لا مثل له؛ فوجب أن يكون الصيود على ضربين: ما يضمن بمثله، و [ما] يضمن بقيمته.

  86. وتحريره: أنه أحد المتلفات؛ فوجب أن ينقسم ضمانها قسمني: بالقيمة، وغير القيمة. دليله: الأموال، والآدميون.

  87. قلنا: هذه الأنواع كلها لا يضمن بمثلها من غير جنسها، كذلك الصيد أيضا لا يضمن بمثله من غير جنسه، وعلى أنا لا نسلم أن الآدمي يضمن بمثله؛ لأن الكفارات ليس بضمان عنه، ألا ترى: أنها لا تختلف باختلاف صفته،

  88. ولو كان ذلك على وجه الضمان لاختلف.