مسألة ١١٣٢
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٧٬٧٦٣ إلى ٣٧٬٨٤٢
-
١/٤٨٤٣١/٤٨٤٣
ما يقع بكنايات الطلاق
-
قال أصحابنا: كنايات الطلاق إذا نوى بها الطلاق كانت بوائن، إلا قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة.
-
وقال الشافعي: الكنايات كلها طلاق رجعي، إلا أن يريد بها ثلاثًا.
-
لنا: أن البينونة تفيد القطع. ومنه قوله - عليه السلام -: (ما أبين من حي، فهو ميت) فإذا اقتضى اللفظ القطع ووقع به وجب أن يقع مقتضاه، كقوله: أنت طالق ثلاثًا.
-
فإن قيل: قوله: أنت طالق يفيد طلاقها عن حبسه، وذلك لا يكون إلا بالبينونة،
-
ثم يقع به الطلاق الرجعي. وقوله: اعتدى يفيد وجوب العدة، ويقع
-
١/٤٨٤٤١/٤٨٤٤
الطلاق به قبل الدخول،
-
وإن لم يكن هناك عدة
-
قلنا: قوله: أنت طالق مقتضاه في الشرع، منقول عن مقتضى اللغة باتفاق. ومقتضى قوله: أنت بائن غير منقول، أن الشرع لم يؤثر في إباحته، فينقله عن مقتضاه.
-
وأما قوله: اعتدي فهو مدلول الطلاق، فمعناه اعتدي، لأني طلقتك، فقدم المدة التي ذكرها لا يمنع وقوع الطلاق.
-
ولأنها إحدى نوعي البينونة، فجاز أن يقع بمقتضي قوله: أنت بائن في المدخول بها، كالثلاث، ولأن البينونة من غير عدد في ملك الزوج بدلالة أنه يأخذ العوض عنها، وما كان في ملكه يجوز أن يقع بمجرد قوله كالثلاثة.
-
ولأن هذا الفظ إيقاع الطلاق بلفظ الكنايات دلالة على أن مقتضاه البينونة،
-
ولا يلزم أنت واحدة واعتدي، أنه لا يكره إيقاع الطلاق به عندنا.
-
ولأنه طلاق يوجب تحريم الوطء، فيوجب البينونة كالثلاث ولأنه طلاق لو حصل بعد الخلوة [لم تثبت] ، كالطلاق بعوض، والطلاق الثلاث،
-
١/٤٨٤٥١/٤٨٤٥
ولأنه إذا قال: أنت طالق بائن فقد وصف الطلاق بصفة يصح أن يوصف بها. لأن التطليقة تصير بائنة بانقضاء العدة، وبأخذ العوض عنها، فلم يجز أن يقع الطلاق، ويلغي الصفة، كمالو قال: أنت طالق رأس الشهر، أو إذا دخلت الدار ولأن له أن (يقطع) ملكه عنها بالواحدة معجلًا بالجعل ومؤجلًا بغير جعل، فملك أن يقع ملكه معجلًا من غير جعل بالمعنى الذي يقطعه به بالجعل، كالثالث.
-
فإن قيل: المعنى في الثلاث، أنها توقع البينونة،
-
وإن كانت بلفظ الصريح [كذلك إذا كانت بلفظ الكناية. والواحدة لو كانت بلفظ الصريح] لم بينها، كذلك بلفظ الكناية.
-
قلنا: ليس إذا لم تبن الواحدة بالصريح، لم تبن بمعنى ينضم إليها، بدلالة أنها تبينها إذا انضم إلى اللفظ العوض،
-
فإذا انضم إلى قوله: أنت طالق صفة البينونة قامت مقام ذكر العوض في: إيقاع الثلاث.
-
احتجوا: بقوله تعالى: (الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن) .
-
قلنا: الآية تقتضي ثبوت الرجعة في إيقاع الطلاق للمطلق،
-
ومتى قال: أنت طالق بائنة، أو بتة، فقد زال الإطلاق فاللفظ لا يتناوله.
-
احتجوا بحديث ركانة: أنه طلق امرأته البتة، وجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: طلقت زوجتي البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما أردت إلا واحدة؟
-
فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فردها عليه.
-
الجواب: أن هذا الخبر رواه الشافعي قال: أخبرني عمي محمد بن
-
١/٤٨٤٦١/٤٨٤٦
علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد أن ركانة طلق امرأته سهيمة البتة. وهذا حديث مقطوع لأن نافع بن عجير لم يدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
-
ولا رواه عن ركانة، ومثل هذا لو احتج به علي الشافعي لم يقبله،
-
ومن وصل هذا الخبر روى فيه عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه، عن جده، ولم يذكر في الخبر أنه ردها عليه، وإنما فيه لما حلف أنه لم يرد إلا واحدة قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فهو على ما أردت، والمتصل لا حجة فيه، والمنقطع لا يصح على أصله
-
ولأن قوله: (ردها عليه) . يحتمل بنكاح جديد، بدلالة أنه أضاف الرد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والرد، الذي هو الرجعة، يضاف إلى الزوج. فلما أضاف ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان الظاهر أنه ردها بنكاح آخر.
-
١/٤٨٤٧١/٤٨٤٧
فإن قالوا: هذا يقتضي إضمار العقد،
-
ومن استعمل اللفظ بغير إضمار أولى.
-
قلنا: وما يقولونه ينفي إضمار الرجعة لأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليس برجعة، فالمعنى الذي وقع به الرد غير مذكور بالاتفاق.
-
قالوا: الرد صريح في الرجعة. قال الله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن) وهو كناية في العقد. وحمل اللفظ على الصريح أولى.
-
قلنا: الرد كناية فيهما جميعًا، وليس إذا ذكر الله تعالى الرد في الرجعة ما يدل أنه صريح، لأنه تعالى يذكر الصحيح والكناية.
-
ولأنه لم يرد الرجعة بهذا اللفظ [وإنما أراد ردها بالرجعة] كما يقال: رد فلان إلى مودتك يعني افعل ما يقع به الرد، وليس معناه [أنه يأتي] بلفظ الرد.
-
قالوا: الرد يحتاج إلى حضور الولي، والشهود.
-
قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الولي، وقد أضيف الرد إليه، والشهود يحتاج إلى حضورهم في الرجعة عندهم. ولم ينقل حضورهم،
-
ولا نقل تلفظ ركانة بالرجعة.
-
قالوا: روى أن المطلب بن حنطب قال: طلقت زوجتي البتة، فقال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمسك عليك زوجك فإن الواحدة [لا تبت] .
-
قلنا: روى عن علي وزيد أنهما قالا في البتة: طلاقًا ثلاثًا.
-
وعن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا في مدة الإيلاء إذا انقضت وقعت
-
١/٤٨٤٨١/٤٨٤٨
واحدة بائنة. وعن أبي موسى الأشعري أنه قال فيمن قال لامرأته: ما فوق نطاقك محرم أنها بأئنة. وذكر الطحاوي حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن المطلب بن حنطب عن عمر - رضي الله عنه - في البتة: واحدة فقد اختلفت الرواية عن عمر - رضي الله عنه -، واتفقت عن غيره.
-
قالوا: طلاق مجرد عن عوض صادف عدة قبل استيفاء العدد، فوجب أن يكون رجعيًا كما لو وقع بالصريح وربما قالوا: طلاق في غير مدخول بها.
-
قلنا: العوض إنما يجعل الطلاق بائنًا، لأنها لا تعطى العوض إلا في مقابلة ملكها لنفسها، وصريح البينونة بإزالة الملك دل على ذلك.
-
وقولهم: من غير عدد لا معنى له. لان العدد يوقع البينونة العظمى، وزوال الملك لا بدلالة انقضاء العدة، والمعنى في الطلاق أنه أبيح إيقاع الفرقة به فلم يفد البينونة لنفسه، فلما منع من إيقاع الطلاق بلفظ الكناية دل على أنها تزيل الملك، أو نقول: إن الطلاق مقتضاه إزالة اليد، وذلك لا ينافي الأملاك، فلم يزل به الملك، والبتة تفيد القطع، وذلك لا يجتمع مع الملك، فوقع في كل واحد من اللفظ من مقتضاه.
-
قالوا: تبطل بقوله: أنت واحدة.
-
فإن مقتضاه الانفراد عن النكاح،
-
١/٤٨٤٩١/٤٨٤٩
وهذا معنى البينونة. وزوال الملك، وقد قلتم: إنه يقع رجعيًا.
-
قلنا: هذه اللفظة تحتمل أنت واحدة: بمعنى مفردة عن الأزواج وتحتمل: أنت طالق واحدة، فيوقع المتيقن من الأمرين.
-
قالوا: الصريح الأصل، والكناية فرع عليه، ولهذا لا يقع الطلاق بها إلا بقرينة،
-
فإذا كان الصريح يقع به الرجعى، فالكناية أولى.
-
قلنا: الكناية من غير نية أضعف من الصريح،
-
فإذا انضمت النية إليها صارت أقوى من الصريح، لأن البينونة في لفظها، وليست هي لفظ الصريح، والنية إنما يحتاج إليها لتمييز اللفظ فيحمل على الطلاق دون غيره،
-
وإذا تميز لم يحتج في الوقوع إلى النية. يبين ذلك: أن قوله: أنت طالق يفتقر عند مخالفينا إلى النية ليقع به الثلاث.
-
ثم لا يدل ذلك على أنه إذا وقع به الثلاث كان كمطلق طلاق الذي لا يحتاج إلى النية،
-
ثم قولهم: الصريح هو الأصل، والكناية فرع لا نسلمه، لأن قوله: أنت بائن كناية عن قوله: أنت طالق بائن، وليس بكناية عن أنت طالق، فعلى هذا: الكناية لا تكون أقوى مما هي كناية عنه.
-
قالوا: لو صرح بنفي الرجعة، فقال: أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك ثبتت الرجعة.
-
فإذا لم يصرح بنفيها أولى أن تثبت.
-
قلنا: هذه المسألة ليست منصوصة، وكان أبو بكر الرازي يقول: إن كان جعل نفي الرجعة صفة للطلاق، فهو بائن مثل مسألتنا،
-
وإن أراد به نفي موجب/ الطلاق لم يكن بائنا. لأنه لا يصح النفي.
-
١/٤٨٥٠١/٤٨٥٠
ومن أصحابنا من قال: إذا قال أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك. [فهو بائن، لأنه جعل نفي الرجعة شرطًا في الطلاق الموقع،
-
وإن قال: أنت طالق ولا رجعة لي عليك] فهذا إنما أتى بسقوط الرجعة ولم يجعل بينها شرطًا فلا يتعلق بقوله حكم.
-
قالوا: كل طلاق لو وقع بصريح اللفظ كان رجعيًا، فكذلك الكناية تقع مع النية كقوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة
-
قلنا: أصل هذه العلة قد دخل في جملة وصفها، وأصل العلة يجب أن يكون في غير وصفها، العنى في قوله: اعتدي واستبرئي رحمك: أنه ليس في لفظه [ما يختص بإزالة النكاح لأنه تكون العدة في الطلاق الرجعي والبائن، وفي مسألتنا لفظه] اقتضى زوال النكاح لأن البينونة لا تجتمع معه.
-
وقوله: أنت واحدة يحتمل أن يكون صفة لصريح الطلاق، ومقتضاه أنت طالق [واحدة فلم] يختص اللفظ بإزالة الملك، فلذلك كان رجعيًا.
-
قالوا: كل من وقع طلاقه عليها لم يكن بائنًا، كالزوجة.
-
قلنا البينونة إذا كانت توجد مع بقاء ملكه في التطليقات لم يمتنع أن يقع طلاقه فيزيل ملكه عما بقي، إنما البينونة التي تمنع التصرف هي التي لا تبقى معها ملك في الطلاق،
-
فلا يصح التصرف في الطلاق بعدها.
-
قالوا: إن الله تعالى حرم المطلقة ثلاثًا إلا بعد أن تزوج،
-
فلو قال لها: أنت طالق واحدة لا تحلين لي إلا بعد زوج بطل شرطه، كذلك إذا قال: أنت
-
١/٤٨٥١١/٤٨٥١
طالق بائن بطل شرطه.
-
قلنا: المطلقة الواحدة، البينونة من صفاتها، بدلالة أنها تكون بائنة بشرط العوض وانقضاء العدة،
-
فإذا وصفها بصفة يجوز أن تنصف بها تعلق بوصفه حكم، وليس كذلك التحريم إلا بعد زوج، لأن المطلقة الواحدة لا توصف بهذه الصفة بوجه،
-
فإذا وصفها بما تتصف به لم يتعلق بوصفه حكم.
-
قالوا: طلاق المدخول بها يقتضي الرجعة، كما يقتضي العتق الولاء،
-
ثم ثبت أنه لو أعتقه بشرط أن لا ولاء له سقط الشرط، كذلك هنا يسقط شرط البينونة.
-
قلنا: لا نسلم أن الرجعة توجب الطلاق البائن، وإنما توجب الطلاق المطلق، وخلافنا في الطلاق الموصوف بالبينونة.
-
ثم العتق لو حصل ببدل لم ينف الولاء عنه، كذلك الشرك لأنه نفي، وليس كذلك الرجعة، لأنها تنتفي بشرط العوض، فجاز أن تنتفي بوصف الطلاق بصفة البينونة، لأن صريح الصفة أدل من شرط العوض.
-
قالوا: كل تحريم تعلق بالثلاث لم يتعلق بالواحدة، كتحريم نكاحها إلا بعد زوج.
-
قلنا: يبطل بتحريم الوطء على أصلهم، فإنه يتعلق بالواحدة وبالثلاث جميعًا، والمعنى في تحريم العقد أنه لا يثبت مع شرط البينونة وتحريم الرجعة بخلاف ذلك.