مسألة ٥٨٩
التجريدالحنفيةالمسائل ١٩٬٠٣١ إلى ١٩٬٠٧٨
-
١/٢٣٧٠١/٢٣٧٠
بيع المسلم الدرهم بالدرهمين في دار الحرب
-
قال أبو حنيفة، ومحمد: إذا دخل المسلم دار الحرب مستأمنا فباع درهمًا بدرهمين جاز،
-
وكذلك إذا دخل بغير أمان،
-
وكذلك لو باع المستأمن من حربي أسلم ولم يهاجر، ففيه روايتان/. ١١٣١٦ - قال أبو يوسف: لا يجوز ذلك، وبه قال الشافعي.
-
لنا ما روي أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - خاطر المشركين بمكة على أن الروم تغلب فارسًا، وذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له: (زد في الخطر وأبعد في الأجل، والقمار حرام) .
-
فلولا أن مال الحربي يجوز أخذه بكل سبب لم يجز له - صلى الله عليه وسلم - ذلك، يدل عليه: ما روي مكحول، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب) ، ذكر ذلك محمد بن الحسن.
-
١/٢٣٧١١/٢٣٧١
وقولهم: إنه مرسل لا يضرنا؛ لأن المراسيل عندنا في الاحتجاج كالمسانيد.
-
ولا يقال: ظاهره الخبر ونحن نعلم أن الربا يوجد في دار الحرب، وخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يوجد
-
بخلاف مخبره، بقي أن يكون المراد به النهي، فكأنه قال: لا تربوا. وهذا كقوله عليه [الصلاة و] السلام: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام) ، وذلك لأن ظاهر اللفظ الخبر،
-
ولا يجوز صرفه إلى النهي إلا بدلالة، وليس إذا انصرفنا عن الظاهر في المواضع التي ذكروها بحيث لا يترك الظاهر في غيرها!
-
فأما قولهم: خبر النبي لا يوجد
-
بخلاف مخبره: فليس صحيح؛ لأن عندنا لا يوجد مخبر هذا الخبر بخلافه؛ لأن الربا لا يوجد بين الحربي والمسلم في دار الحرب بحال.
-
ولأن مال الحربي على أصل الإباحة، وإنما منع المستأمن من أخذه ماله بعقد الأمان،
-
فإذا بذل له الحربي زال معنى الحظر بالرضاء؛ فصار آخذًا للمال بأصل الإباحة،
-
ولا يكون ذلك ربا؛ لأن الربا زيادة مستفادة بالعقد.
-
فإن قيل: وكان كذلك لم يجز رده بالعيب.
-
قلنا: لأن رده في دار الحرب بذلك تمليك بأصل الإباحة،
-
وإن اختصها في دار الإسلام لم يملك الرد،
-
ولا يحكم الحاكم بشيء من حقوق العقد.
-
فأما إذا دخل بغير أمان فماله غير محظور عليه، بل يجوز له أخذه بغير رضاه،
-
فإذا أخذه بالعقد صار مملوكًا بمعنى الإباحة، وهذا الظاهر في المتلصص لا سرقة.
-
فإن قيل: إنما أخذه بالعقد.
-
١/٢٣٧٢١/٢٣٧٢
قلنا: إذا كان الأخذ مباحًا من غير عقد، لم يعتد بالعقد، كما لو باع المولى من عبده.
-
فإن قيل: لو كان كذلك لوجب [إذا تزوج خمس حربيات] أن لا يصح النكاح، وتكون الخامسة كمسروقة.
-
قلنا: لو وجدت الغلبة على رقبتها لكان كذلك، ولملكها بالغلبة وإنما لا يجوز.
-
ولأن المسلم لو أتلف مال الحربي لم يلزمه ضمانه،
-
فإذا باع [درهمًا بدرهمين جاز؛ أصلة: إذا باع] المولى من عبده، وهذا الوصف مسلم في المتلصص.
-
ولأن كل شخصين لا يجري بينهما الربا في الجص، لا يحرم بينهما في الدراهم والدنانير، كالموالى وعبده.
-
ولأن ما لا يجري الربا فيه بين الحربي والمسلم في دار الحرب، كالجص والحديد.
-
احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار [لا فضل بينهما) ، ولم يفصل.
-
١/٢٣٧٣١/٢٣٧٣
والجواب: عندنا تمليك الدراهم بالدراهم] لا يجوز فيه الفضل، وفي مسألتنا: التملك لا يقع بالعقد، وإنما يقع بالإباحة، وهذا لا يتناوله الخبر.
-
قالوا: كل ما كان ربا بين مسلمين كان ربا بين حربي ومسلم، كما لو دخل إلينا متلصصا.
-
قلنا: إذا دخل بغير أمان فعندنا هو فيء وماله فيء،
-
فإذا أخذه ملكه على وجه الغنيمة لا يحكم العقد.
-
قالوا: عقد فاسد فلا يملك: كالنكاح.
-
قلنا: نقول بموجبه؛ لأنه لا يملك عندنا بالعقد وإنما يملك بالأخذ على ما قررناه،
-
فإن حصلت الغلبة على رقبة المرأة ملكها.
-
قالوا: لا يخلو أن يملك العين (بوجه آخر مردود) ؛ لأنه قصد أن يملك بالعقد فلا يجوز أن يملك بغيره.
-
قلنا: يبطل ببيع المولى من عبده.
-
قالوا: إذا دخل الحربي إلينا بأمان، لم يجز أن يبيعه المسلم درهمًا بدرهمين.
-
ومعلوم أن ماله كان مباحًا وإنما صار محظورًا بالأمان،
-
فإذا رضي زال الأمان، كزوال الأمان بالتراضي في دار الحرب.
-
قلنا: إذا دخل إلينا الحربي بأمان فماله محظور؛ بدلالة: أنه لا يجوز لأحد من الناس تناوله،
-
وإن زال أمانه بانقضاء المدة لم يجز لنا أخذ ماله، فدل أن ماله صار محظورًا بصفة ترجع إليه، فما يملك منه مستفاد لحكم العقد؛ لأن الإباحة لا توجد، وليس كذلك الحربي؛ لأن ماله ليس محظورًا لمعنى يرجع إلى المال؛ بدلالة: أن لجميع الناس تناوله وأخذه، فمعنى الإباحة قائم، فيملك بها إذا زال معنى الأمان بالتراضي.
-
قالوا: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن مشركًا قتل يوم الأحزاب، فبعث
-
١/٢٣٧٤١/٢٣٧٤
المشركون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابعث إلينا بجسده ونعطيكم عشرة ألاف درهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا خير في جسده ولا في ثمنه) .
-
قلنا: القتل كان في الخندق، وذلك الموضع من دار الإسلام، وخلافنا في دار الحرب.
-
ولأنه عليه [الصلاة و] السلام أراد أن يبالغ في إدخال الغيظ عليهم ويخذل بهم ويسفر لعيبهم، فلذلك امتنع من الأخذ.