مسألة ٥٠٠
التجريدالحنفيةالمسائل ١٥٬٤٥٧ إلى ١٥٬٥١٧
-
١/١٩٨٤١/١٩٨٤
حكم من وطئ بعد الوقوف بعرفة
-
قال أصحابنا: إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة، لم يفسد حجه، وعليه بدنة.
-
وقال الشافعي: يفسد حجه إذا وطئ قبل الرمي.
-
لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة،
-
فمن أدرك عرفة، فقد أدرك الحج) ، ظاهره يقتضي أنه لم يبق وإن جامع.
-
وقال عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة،
-
فمن أدرك عرفة، فقد تم حجه، وقضى تفثه) ، ووصفه بالتمام يقتضي: أنه لم يبق عليه فرض من فروضه،
-
١/١٩٨٥١/١٩٨٥
وأن الفوات لا يلحقه.
-
ولا يقال: المراد به: مقاربة؛ لأنه قال هذا بعد ما بين أفعال الحج، ومقاربة التمام لمن عرف المناسك معلومة بالمشاهدة.
-
ولأن ذلك مجاز لا يصار إليه إلا بدليل.
-
ولا يقال: نحمله على أنه أمر الفوات؛ لأن الظاهر يقتضي أنه أمر الأمرين جميعًا، فحمله على أحدهما تخصيص.
-
فإن قيل: قد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا رفعت رأسك من آخر السجدة/ وقعدت، فقد تمت صلاتك) ، ولم يمنع ذلك ورود الفساد.
-
قلنا: التمام أراد به هناك: أنه لم يبق عليه فرض من فروضها،
-
ولا يجوز أن يكون هذا هو المراد به ههنا؛ لأنه بقي عليه فرض، فعلم أنه أراد به الأمن من فسادها، كما تقول: تم هذا الشيء إذا استقر وتأكد.
-
ولأنه وطئ بعد الوقوف،
-
فلا يفسد الحج، كوطء المكره.
-
ولأن ما تعلق به وجوب الفدية، لم يفسد الحج، كقتل النعامة.
-
ولأنه معنى يوجب القضاء؛
-
فلا يثبت بعد الوقوف، كالفوات.
-
ولا يلزم الرده؛ لأنها [لا] توجب القضاء وإنما توجب الأداء.
-
ولأنه أمن من فوات الحج؛ فوجب أن يأمن من فساده، كما بعد الرمي.
-
فإن قالوا: فعل العمرة قد أمن فواتها ولا يأمن فسادها.
-
قلنا: الفساد يعتبر بالفوات فيما يلحقه الفوات،
-
فأما ما لا يلحقه الفوات، فهو يعتبر بأصل آخر.
-
قالوا: إذا نوة الصوم فقد أمن فواته، ولا يأمن فساده.
-
قلنا: الصوم لا يلحقه فوات بعد الدخول فيه، وإنما يلحقه الفوات [قبل
-
١/١٩٨٦١/١٩٨٦
الدخول فيه قصدًا منه، وهو بحيث لا يلحقه الفوات]،
-
ولا يعتبر الفساد به.
-
ولأنه جامع في إحرام تأكد بفعل معظم أركانه، فصار كالوطء بعد الرمي، يبين ذلك: بمن قدم السعي حتى سلم أكثر الأفعال للأركان.
-
ولأن الجماع يمنع ما بقي من العبادة على ما تقدم، ومعلوم: أن ترك الرمي لا يمنع من صحة ما تقدم، وتعلق حكم الجواز به إفساده بالوطء مثله.
-
ولأنه بقي عليه بعد الوقوف ركن، وهو الطواف والرمي،
-
فإذا كان الوطء مع بقاء الركن لا يفسد، فمع بقاء المنع أولى أن لا يفسد.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ، والنهي يفيد الفساد.
-
[قلنا: قد قيل: المراد بالرفث: الكلام الفاحش، وهذا هو الظاهر؛ لأنه قرنه بالجدال،
-
ولو ثبت أن المراد به: الجماع، حملناه على ما قبل الوقوف بدليل.
-
قالوا: وطء عمد صادف إحرامًا لم يحل فيه شيء؛ فوجب أن يفسد الحج، كما لو كان قبل الوقوف].
-
قلنا: المعنى في الوطء قبل الوقوف: أن الوقوف لا يمكن أداؤه بما يوجب الإحرام على الوجه الذي اقتضاه التحريم، وعدم فعل الوقوف يمنع تمام الحج، وبعد الوقوف لا يجوز أن يفسد الإحرام لنقل فعل الطواف على الوجه الذي أوجبه الإحرام؛
-
[لأن بقاء الطواف لا يوجب الفساد، فلم يبق من الأفعال إلا الرمي، وتعذر فعله على الوجه الذي أوجبته التحريمة] يجري مجرى تركه، وذلك لا يمنع من صحة الحج.
-
ولأن ما قبل الوقوف حالة يجوز أن يجب فيها الحج بفواته، فجاز أن يجب
-
١/١٩٨٧١/١٩٨٧
بفساده، [وبعده لا يجوز أن يجب القضاء بفواته،
-
فلا يجوز أن يجب بفساده] .
-
ولأن قبل الوقوف الإحرام ضعيف؛ [بدلالة: أنه لم يتأكد بانضمام معظم الأركان إليه،
-
وإذا صادف الوطء إحرامًا ضعيفًا] لم يتأكد فسد، وبعد الوقوف يصادف إحرامًا متأكدًا بانضمام أكثر الأركان إليه، فتأكده يمنع من طرآن الفساد عليه.
-
قالوا: الحج عبادة يلحقها الفساد بغير حق، فجاز أن يلحقها ما لم يخرج منها، كالصيام.
-
قلنا: الصوم يلحقه الفساد متى بقي منه جزء لا يجوز أن ينفرد ما تقدم عنه،
-
فإذا فسد الجزء فسد بما مضى. وليس كذلك الحج؛ لأن ما مضى منه منفرد بالصحة عما بقي، ففساد ما بقي بالوطء لا يوجب فساد ما يضاف إليه.
-
قالوا: عبادة لها تحليل وتحريم يلحقها الفساد بما بينهما، كالصلاة.
-
قلنا: الصلاة لا يجوز أن يبقى ركن من أركانها،
-
ثم لا تفسد بالمعاني المفسدة. ولما كان الحج لا يفسد بالوطء مع بقاء ركن من أركانها؛ جاز أن لا يلحقه فساد مع بقاء تابع من توابعه.
-
قالوا: أحد محظورات الإحرام؛ فوجب أن يكون حكم ما بعد الوقوف وقبله سواء، كاللباس، والطيب، وحلق الشعر.
-
قلنا: هذه المحظورات لا تفسد الإحرام، وإنما توجب الجبران، والعبادة إذا وجب جبرانها قبل تأكدها، فعند تأكدها أولى، والوطء يوجب الفساد،
-
ولا يجوز أن يقال: إذا فسدت العبادة قبل تأكدها، يجب أن تفسد بعد تأكدها.
-
١/١٩٨٨١/١٩٨٨
قالوا: العبادات كلها تفسد ما لم يخرج منها،
-
وكذلك هذه العبادة تفسد ما لم يخرج منها يلحقها الفساد، والدليل على أنه إذا رمى خرج منها: أنه يقطع التلبية، وهي من شعارها.
-
قلنا: هذه العبادة قد فازقت سائر العبادات، بدلالة أن سائر العبادات يلحقها الفساد ما بقي فرض من فروضها، وهذه العبادة يبقى أحد أركانها،
-
فلا يفسده، وذلك يجوز أن لا يفسد وإن لم يخرج منها.
-
وعلى أنا لا نسلم أنه بالرمي خرج من العبادة، بل هو فيها إلى أن يتحلل بالحلق عندنا، ثم يتحلل بالطواف.
-
فأما استدلالهم بقطع التلبية؛
-
فلا يدل على ما قالوه.
-
ولأنه يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها،
-
ثم يلحقها الفساد عندهم ما لم يتم الرمي؛ فسقط هذا.