مسألة ١٠١١
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٢٬٦٣٦ إلى ٣٢٬٦٨٧
-
١/٤١٦٠١/٤١٦٠
القسمة في دار الحرب
-
قال أصحابنا: لا ينبغي للإمام أن يقسم في دار الحرب حتى يخرج إلى دار الإسلام.
-
وقال الشافعي يقسمها هناك.
-
لنا: ما روى جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: حين صدر يوم حنين وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنت ناقته من شجرة سلب بزاوية حتى نزعته من ظهره فقال عليه السلام: (ردوا علي ردائي أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعمًا لقسمته بينكم في البأس) فقال:
-
(ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا) فلما نزل قام في الناس فقال: (ردوا الخيط والمخيط فإن الغلول نار وعار وشنار على أهل يوم القيامة) ثم تناول بيده شيئًا من الأرض أو وبرة من بعيره وقال: (والذي نفسي بيده ما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلى الخمس والخمس مردود عليكم) فأخر - عليه السلام - القسمة مع المطالبة وهو لا يؤخر الحق عن مستحقه مع المطالبة فدل أن القسمة لا تجوز في دار الحرب وإنما قسم في الجعرانة لأنها كانت يومئذ دار إسلام.
-
ولأنه - عليه السلام - فتح الطائف قبل ذلك وكانت مكة مفتوحة والجعرانه بينهما ومن توابعها.
-
وذكر محمد عن رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم غنايم بدر (بعد ما
-
١/٤١٦١١/٤١٦١
رجع إلى المدينة مع أنه يحكم وتأخيره على من يستحقه لا يجوز.
-
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم غنائم بدر) في شعب من شعاب بدر يقال له: الصفراء.
-
قلنا: يحتمل أن يكون قسمها معًا: فدل أنه قسمها بالمدينة قسمة تمليك في حال القتال.
-
فإن قيل روى عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر حفاة عراة فدعا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم إنهم حفاة فأحملهم، وعراة فألبسهم، وجياع فأشبعهم فانقلبوا حيث انقلبوا ومع كل واحد منهم الجمل والجملان.
-
وهذا يدل على أنهم انقلبوا بعد القسمة (ليحملوها ثم قسمها بالمدينة قسمة تمليك في حال القتال ليجمع بين الخيرين يبين ذلك أن العين المأخوذة من المحل كانت بالمدينة قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر ورافع يقول قسمها).
-
وعن علي قال أصبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (شارفًا يوم بدر.
-
قلنا: يجوز أن يكون أصابوا هذا من الأنفال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -) قال: (من أخذ شيئًا فهو له) ولأنها مال ويجوز الانتفاع بالعلف والطعام فلا يجوز القسمة كحال الوقعة.
-
قالوا: المعنى في حال الوقعة أن الأسير إذا لحق يسهم له.
-
قلنا: إذا حضر حال القتال فقاتل استحق وإن لم يقاتل يستحق
-
(وكذلك إذا لحق بدار الحرب فلم يقاتل لم يستحق وإن كثر الكفار عليهم فقاتل استحق) .
-
ولأن الحيازة بدار الإسلام لم توجد فلا يجوز القسمة كحال الحرب.
-
فإن قيل: المعنى في حال الحرب بيانه لم يثبت للغانمين حق التمليك.
-
قلنا: لا نسلم ذلك لأن الأخذ (يثبت بالأخذ) ويستقر بالحيازة
-
١/٤١٦٢١/٤١٦٢
ويهلك بالقسمة.
-
قالوا: والمعنى في حال القتال أن الإمام لو قسمه لم تصح قسمته وبعد تقضي الحرب لو قسم جازت قسمته.
-
قلنا: لا ينبغي أن يقسم في الحالتين فإن فعل جاز في الموضع المختلف فيه؛ لأن حكم الحاكم في موضع الخلاف ينعقد ولا ينعقد في موضع الاتفاق.
-
وهذا الاختلاف لا يمنع اعتبار أحدهما بالآخر في اعتبار القسمة كما قاس مخالفنا البيع الفاسد على البيع بالميتة.
-
وإن كان الحاكم لو حكم بوقوع الملك في أحد الموضعين نفذه وفي الموضع الآخر لا ينفذ.
-
ولان دار الحرب توهم والمملوك ما دام فغي حكم يد من ملك عليه لم يجز قسمته كالمبيع في يد البايع.
-
ولأن الغنيمة في دار الحرب تعرض الزيادة منها فلم يجز قسمتها كحال القتال ولأن القسمة في دار الحرب تضر بالمسلمين؛ لأنهم نصبوا بعد القسمة ما لا يمكن قسمته كالفرس الواحد أو السيف فتوضع في بيت المال.
-
ومتى أخر القسمة لم يسقط حق الغانمين عما يوجد فكان تأخير القسمة أولى.
-
ولأن القسمة تمنع من ثبوت حق المدد وذلك يوجب تأخر المدد عنهم في حالة لا يؤمن كبر العدو فيها فيضر ذلك بهم وفي تبقيه الغنيمة استلحاق المدد وذلك أنفع للغانمين فكان أولى.
-
فإن قيل المدد عندنا لا يستحق بعد تقضي الحرب.
-
قلنا ما لم يسقط تقسم حقهم ولا ينقطع، لأن الأمير لو قسم له جاز وبعد القسمة انقطع حقهم، لأنه لو أشركهم مع غيرهم لم يجز.
-
احتجوا: بما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (قسم غنايم بدر ببدر) وقد أجبنا عنه.
-
واستدلال مخالفنا بقسمة بدر لا يصح لأنها كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة
-
١/٤١٦٣١/٤١٦٣
عندهم وله أن يتصرف فيها كيف شاء.
-
قالوا: روى أنه قسم غنايم حنين فيها، وقسم غنايم بني المصطلق في مكان الغنيمة.
-
وقال الأوزاعي ما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنيمة قط إلا في دار الحرب.
-
قلنا: هذه المواضع فتحت وصارت دار الإسلام فالقسمة فيها وفي المدينة سواء ولهذا - عليه السلام - قسم أراضي خيبر فيها فلو لم يضر دار إسلام لم يقسمها.
-
والكلام في قسمة الأموال في حالة لا تجوز قسمة الأرضين فيها.
-
فأما قول الأوزاعي فهو معارض لما روي عن مكحول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسم غنيمة قط في دار الحرب معناه أنه قسم في مواضع فتحت وغلبت على أرضها.
-
قالوا كل موضع يجوز فيه الاغتنام يجوز فيه الاقتسام كدار الإسلام.
-
قلنا: نقول بموجب العلة لأن المسلمين لو أخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام ثم أعادها الإمام على دار الحرب جاز أن تقسم هناك ولأن الشيء قد يهلك في محل لا يجوز أن يقسم فيه بدلالة أن البائع يتملك المبيع فيها ولو اقتسمها المتبايعان في يد البايع لا يصح.
-
ولأن المعنى في دار الإسلام أن الجند يستنصرون المدد عنهم (وفي دار
-
١/٤١٦٤١/٤١٦٤
الحرب يستنصرون بانقطاع المدد عنهم) فلم تجز القسمة أو نقول: المعنى في دار الإسلام أنها منفعة يجوز قسمة أرضها فجاز قسمة الغنايم فيها ودار الحرب لا يجوز قسمة أرضها قبل الفتح فلم تجز قسمة الغنايم فيها.
-
قالوا: كل موضع صحت فيه القسمة لم يجز فيه القسمة كدار الإسلام.
-
قلنا: عن أردتم بالصحة جواز الفعل لم نسلم ذلك وإن أردتم بعد القسمة فلان ذلك موضع الاجتهاد وليس إذا نفذ الشيء في موضع الاجتهاد دل على أن فعله جائز.
-
قيل: حكمه بين ذلك أن الإمام لو نفل أهل راية مما يصيبون فأصابوا لهم شيئًا فقسموه لم تصح قسمته بينهم عندنا ولو قسم الحاكم يصح.
-
ولان المعنى في دار الإسلام أنها بقعة لا يصح الانتفاع بها بالعلف والطعام فجازت الغنيمة فيها فلما كانت دار الحرب لا يجوز الانتفاع (فيه بالعلف والطعام لم تجز القسمة فيها فقالوا: إنما جوز الانتفاع في) دار الحرب للضرورة وذلك لا يوجد في دار الإسلام.
-
قلنا: ولو كان كذلك لاحتسب به في قسم من يأكل لان الضرورة في التناول لا في الاحتساب.
-
قالوا: والطعام يجوز قسمته في دار الحرب لأنه إذا جاز أن ينتفع به فأولى أن يجوز قسمته ثم جواز الانتفاع لم يمنع من جواز قسمته فلان لا يمنع قسمة غيره أولى.
-
قلنا: غ، ما يجوز الانتفاع به عندنا على أصل الإباحة فإن أراد قسمته لم يجز كما أن الانتفاع بالحطب والحشيش جائز فلو قسم ذلك قبل الحيازة لم يجز فلم يجز.
-
قالوا: هذا يبطل إذا لم يجد الإمام محملًا للغنايم جازت القسمة مع جواز الانتفاع بالعلف.
-
قلنا نما يقسم الإمام حملها بينهم فإذا خرج استرجع وقسمها قسمة التمليك فلم يلزم ذلك على ما قلناه.