مسألة ١١٥٥
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٨٬٥٠٥ إلى ٣٨٬٦١١
-
١/٤٩٤٦١/٤٩٤٦
المطلقة في مرض الموت ترث وهي في العدة
-
قال أصحابنا: إذا أبان المريض امرأته فمات وهي في العدة، ورثت منه.
-
وقال الشافعي: -في أحد قوليه- لا ترث.
-
لنا: إجماع الصحابة رضي الله عنهم. وروى المغيرة عن إبراهيم، كتب عمر
-
١/٤٩٤٧١/٤٩٤٧
إلى شريح فقال: كان فيما جاءني به عوف البارقي من عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - في الذي يطلق امرأته وهو مريض ترث ما كانت في العدة.
-
وروى الشعبي أن أم البنين ابنة عيينة بن حصن، كانت تحت عثمان بن عفان، فلما حضر طلقها، [فجاءت إلى علي بن أبي طالب بعد ما قتل، وأخبرته بذلك فقال: تركها حتى أشرف على الموت فارقها] فورثها.
-
وروى هشام بن عروة، عن أبيه،
-
١/٤٩٤٨١/٤٩٤٨
عن عائشة رضي الله عنها) قالت: إذا طلق الرجل امرأته في مرضه، فانقضت العدة،
-
فلا ميراث بينهما. وروى سفين بن حبيب عن رجل من قريش عن أبي بن كعب قال: إذا طلقها، وهو مريض،
-
ثم مات ورثت منه.
-
وعن ابن عباس، وعروة بن الزبير مثله، وروى أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية فدخل عليه عثمان يعوده، فأشهده على طلاقها، فقال له عثمان - رضي الله عنه -: أما أنك لو مت في مرضك، ورثتها منك، فقال: أما إني لم أطلقها فرارًا من كتاب الله، قال: ذلك ما تقوله، فمات في مرضه ذلك، فورثها عثمان، فأصابها ربع الثمن ثمانون ألفًا، وهذا بحضرة الصحابة من
-
١/٤٩٤٩١/٤٩٤٩
غير نكير.
-
فإن قيل: عبد الله بن الزبير مخالف، لأنه قال: ورث عثمان تماضر ولو كنت أنا لم أروثها، وروى أنه قال:
-
وأما أنا فلا أورث مبتوتة.
-
قلنا: ابن الزبير قال هذا بعد معاوية، في إمارته، والإجماع سبق قوله، فكيف يعتد بقوله على الإجماع، ولم يكن ابن الزبير ممن يجتهد مع عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة رضي الله عنها، وإنما قال هذا بعد مضي عصرهم، فالإجماع سبق، على أن قوله: ورثها عثمان،
-
ولو كنت أنا لم أورثها يجوز أن يكون معناه: استدراك من هذا الحكم، ما لو كنت أنا لم يقع لي، وقوله: أما أنا فلا أورث مبتوتة يجوز أن يكون معناه أستدرك أن رأيي أن لا أورث مبتوتة، إلا أن عثمان ورثها، فتبين أن القياس عنده يخالف قول عثمان، وهذا ليس بمخالفة منه، بل يجوز أن يكون عدولًا عن القياس بقول الصحابة رضي الله عنهم.
-
فإن قيل: عبد الرحمن مخالف (، لأنه طلقها لإسقاط ميراثها.
-
قلنا: قد روينا أنه لم يقصد بطلاقها إسقاط ميراثها، لأنه قال ما أطلقها فرارًا من كتاب الله.
-
ولا اعتقد أنه يموت من ذلك المرض حتى يكون/
-
١/٤٩٥٠١/٤٩٥٠
طلاقها، لإسقاط ميراثها.
-
قالوا: روي أن عبد الرحمن قال: والله لا أورث تماضر (بنت الأصبغ) وهذا يدل أن طلاقها كان لقطع الميراث عنها.
-
قلنا: لأنها سألته الطلاق، فاعتقد أن طلاقها مع مسألتها يسقط إرثها، وبذلك نقول، لأنه أخر تطليقاتها، فيجوز أن يكون ظنه أن العدة تنقضي قبل ذلك.
-
فإن قيل: لابد أن يكون في المسألة خلاف، لأن عثمان ورثها، وقد سألت الطلاق. وعندكم أنها لا ترث فإن كان إمساك الصحابة عن الإنكار إجماعًا فقد أجمعوا على ثبوت الميراث في موضع لا إرث فيه، فكيف يجتمعون على ضلال،
-
وإن كان في المسألة خلاف، ولم ينكر.
-
قلنا: أما مسألتها الطلاق، فلم يطلقها بمسألتها، لأنه روى أنه قال: من سألتني الطلاق طلقتها، فأرسلت إليه تماضر تسأله الطلاق، فقال إذا حضت فأذنيني، فلما حاضت قال: إذا طهرت فأذنيني، فلما طهرت طلقها.
-
ولو كان الطلاق بمسألتها لقال حين سألت: إذا طهرت من حيضك فأنت طالق فأما قولهم أنه ورثها بعد انقضاء عدتها فقد روي هذا وروى أبو عوانه عن عمر
-
١/٤٩٥١١/٤٩٥١
وابن أبي سلمة عن أبيه قال، طلق عبد الرحمن إحدى نسائه ثم قال: فلم (يلبث) إلا يسيرًا حتى مات وهي في العدة فورثها عثمان.
-
فيحتمل أن يكون من قال ورثها قبل انقضاء عدتها يعني قسم له قبل انقضاء عدتها. وليس من شرط الميراث بقاء العدة إلى حين القسمة، وإنما المعتبر بقاؤها إلى حين الموت.
-
فإن قيل: إنما لم يذكروا الآية لأنه موضع اجتهاد مذهبهم، حتى لا يعترضوا على الحاكم.
-
قلنا: لم تجر عادتهم على أنهم يمسكون عن ذكر مذهبهم،
-
ومن عرف السيرة وما جرى عليه أمر الاختلاف علم أن العادة خلاف هذا.
-
فإن قيل: روي أنها صالحت عن حقها على ثمانين ألفًا،
-
ولو كانت تستحق الإرث، لما احتاجت إلى الصلح.
-
قلنا: الورثة إذا أحبوا إخراج بعضهم من التركة، صالحوه عن حقه عن مال لتسلم لهم التركة، على أنها لو لم تستحق شيئًا لم يجز أن تصالح على مال يدفع إليها، ولأنه حق مال يجوز أن تستحقه المطلقة الرجعية، فجاز أن تستحقه المبتوتة كالسكنى.
-
فإن قيل: المعنى في السكنى أنها تستحق إن طلقها في الصحة كذلك إذا طلقها في المرض. والميراث لاتستحقه المطلقة في حال الصحة، كذلك إذا
-
١/٤٩٥٢١/٤٩٥٢
طلقها في حال المرض.
-
قلنا: السكنى حق ثابت لها في حال الصحة والمرض. والطلاق في حال المرض لم يسقط هذا الحق، ولأنها وارثة فلا يملك إخراجها من الإرث بقوله.
-
أصله: سائر الورثة، ولأن الميراث يستحق تارة بنسب، وتارة بسبب،
-
فإذا كان الوارث بالنسب لا يملك إخراجه من الميراث بقوله، كذلك الوارث بالسبب،
-
ولا يلزم إذا طلقها في الصحة، لأنه يملك إسقاط حق ورثته عن ماله بقوله في الصحة، مثل أن يهب جميعه، ويسلمه.
-
ولا يلزم إذا نفي نسب الولد، لأنه لا يبطل بقوله، ولكن بقوله وحكم الحاكم، ولأنه لا يسقط عن الإرث، ولكن تبين أنه لم يكن وارثًا،
-
ولا يلزم إذا كان له أخ، لأنه لم يخرج الأخ من الميراث، ولكن تبين أنه لم يكن وارثًا.
-
ولأن الأخ لا يخرج من الإرث بالإقرار بالابن، لجواز أن يصير الابن قاتلًا، ومرتدًا، ولأن تصرف المريض فيما يلحقه من التهمة حال المرض كتصرفه بعد الموت، والدليل عليه عتقه، وهبته، ومعلوم أنه لو أسقط حقها بعد موته لم يسقط، كذلك إذا أسقطه حال المرض.
-
ولأنه طلقها في حال يلحقها منه التهمة،
-
فإذا دام المرض إلى حين موته مع بقاء عدتها ورثت ما لم يسقط حقها، كما لو قال لها: أنت طالق، أنت بائن.
-
١/٤٩٥٣١/٤٩٥٣
ولا يلزم إذا سألته الطلاق، لأنها أسقطت حقها، ولأنها معتدة من نكاح صحيح، فجاز أنت ترث بوفاة الزوج، كالمطلقة الرجعية وهذه المسألة مبنية على أن حق الورثة متعلق بمال المريض حال مرضه، وقد دللنا عليه في كتاب الإقرار بامتناع تبرعه في ماله والحق إذا تعلق بملك المريض، وليس ببدل غير البضع، لم يملك إسقاطه بقوله.
-
أصله: الرهن، والسكنى.
-
فإن قيل: لو تعلق بحقهم بالمال، لم يملك المريض، وطء الجارية، والإنفاق على نفسه،
-
ولا البيع، ولم تجب الزكاة عليه.
-
قلنا: المأذونة يتعلق بها الدين، ويملك مولاها الوطء،
-
فأما الإنفاق فإنه يملك للحاجة، كما ينفق مال الصبي، ومال الغير، ولأن حق الورثة في معنى المال، والبيع هنا يسقط هذا المعنى،
-
وأما وجوب الزكاة فلأنها تجب في الدين بعد الحول، وقد كان ملكًا بغير حلول الحول.
-
احتجوا: بقوله تعالى: (ولهن الربع مما تركتم) فأثبت الربع للزوجات.
-
قلنا: هذا يعدل على ثبوت الربع للزوجة،
-
ولا ينفي ثبوته لغيرها، وتعلق
-
١/٤٩٥٤١/٤٩٥٤
الحكم بالاسم لا يدل على نفي ما عداه.
-
فإن قيل: إذا طلق أربع زوجات، وتزوج أربعًا، فالظاهر يقتضي ثبوت الميراث للأواخر، وعندكم لا يرثن.
-
قلنا: إذا تزوجهن في عدة الأوائل فنكاحهن باطل،
-
ولا نسلم أنهن زوجات، ولأن قوله تعالى: (ولهن الربع) تقدير للزوجات الربع، وهذه مبنية بالزوجية، والعرب تبعض بأدنى ملابسة ألا ترى إلى قولهم:
-
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة .... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
-
والمعتدة لها ملابسة بالزوج فيجوز أن تضاف إلى الزوجية، فتستحق الميراث بالعموم.
-
وقد قال أصحابنا: إن النساء اللاتي كن صويحبات الربع لا تستحققن الميراث بعد زوال الزوجية، وهذه كانت زوجة.
-
فإن قيل: معناه التي كانت زوجة إلى حين الموت.
-
قلنا: أضمرتم ما ذكرناه وزيادة واللفظ إذا استعمل بالإضمار لم يجز الزيادة عليه.
-
قالوا: فرقة تقطع إرثه منها، فوجب أن تقطع إرثها منه، كما لو أبانها في حال الصحة.
-
قلنا: تبطل بموت الزوج. فإنه موجب فرقة تقطع إرثه منها،
-
ولا تقطع إرثها منه، ولأن الزوج لما اكتسب سبب الفرقة، جاز أن يسقط إرثه
-
١/٤٩٥٥١/٤٩٥٥
وإن لم يسقط إرثها، كما لو جرحها.
-
فلو مات بعد الجراحة ورثت،
-
وإن ماتت لم يرثها.
-
ثم الأصل غير مسلم، لأن الفرقة تحصل في حال الصحة فيتعلق بها الإرث إذا ارتد الزوج في صحته، ورثت منه.
-
والمعنى في حال المرض أنه لا يملك إسقاط حقها عن جميع ماله بالهبة، والصداقة فلم يملك ذلك بالطلاق.
-
فإن قيل: إنه يملك في المرض إسقاط حقها عن جميع ماله بأن يقر للأجنبي.
-
قلنا: إقراره يبين أنه لم يكن حقها تعلق به،
-
فأما أن يسقط به حقها فلا.
-
قالوا: إرث ينقطع بالفرقة في حال الصحة، فيسقط الإرث في حال المرض قياسًا عليه.
-
قلنا: أما إرثه منها فلأنه رضي بالإسقاط حين اكتسب البينونة بفعله، وهي لم ترض بإسقاط حقها فلا يسقط، وصار نظير مسألتنا أن ترتد حال مرضها، فيرث منها،
-
ولا ترث منه لَمِا اكتسِب بسبب الفرقة.
-
فإن قيل: الميراث لا يسقط بالرضى، بدلالة غير الزوجية، لو رضي بإسقاط حقه من الإرث لم يقسط.
-
١/٤٩٥٦١/٤٩٥٦
قلنا: لأن السبب الذي به يرث لا يصح إبطاله بالرضى، وسقط الإرث مع بقاء سببه لا يصح، والزوجية يصح رفعها، فكذلك اختلف الميراث بالرضا وغيره. وصار (نظير مسألتنا أن يقر أحد الوارثين بجميع ماله في مرضه، فيصدقه الوارث الآخر.
-
قالوا: كل فرقة قطعت الميراث حال الصحة قطعته حال المرض، كما لو لاعنها، أو طلقها بمسألتها.
-
قلنا: أما المعلق فغير مسلم، لأن عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا لاعن حال المرض ترث، سواء قذفها حال الصحة، أو حال المرض وقال محمد: إن حصل القذف في المرض ورثت،
-
وإن كان حال الصحة لم ترث.
-
فأما إذا طلقها بمسألتها فقد رضيت بإسقاط حقها، وحق الوارث يجوز أن يسقط عن مال المريض بفعله،
-
وإن كان لا يسقط بفعل المريض: كما لو أقر أن عنده حق فصدقه، أو أقر لوارثه بجميع ماله فصدقه.
-
قالوا: خصائص النكاح ارتفعت بينهما من الإيلاء والظهار، واللعان، وعدة الوفاء، فكذلك الميراث. وتحريره أنه حكم يختص بالنكاح، فوجب أن ينقطع بالبينونة حال المرض.
-
قلنا: خصائص النكاح لم تزل، لأن العلة واحدة والسكنى، والنفقة، والمختلعة يلحقها طلاق عندنا لأن المختلعة يلحقها الطلاق.
-
١/٤٩٥٧١/٤٩٥٧
قالوا: كيف يتصور هذا في المختلعة، وهي لا ترث باتفاق عندنا للبينونة، وعندكم، لأنها سألت الطلاق.
-
قلنا: إذا قبل الخلع أجنبي، وأعطى العوض فإنها ترث عندنا.
-
فإن قيل: العدة ليست من خصائص النكاح، لأنها تثبت/ بالنكاح وغيره.
-
قالوا: الميراث مستحق يثبت لزوجته أولًا.
-
قلنا: وقسم آخر عندنا، وهو بقاء العدة عند الموت من طلاق يلحقه عند التهمة.
-
فإن قيل: الأسباب التي يتوارث بها يلزم بقاؤها إلى حين الموت.
-
قلنا: ملك الأسباب يتصور بقاؤها بعد الوفاة،
-
فإذا زالت قبل الوفاة لم يستحق بها، وهذا السب لا يتصور بقاؤه بعد الوفاة، وإنما تبقى غايته وهي العدة، فيرث معها، فجاز أن يكون بقاؤها إلى حين الموت، ويستحق فيه الإرث، كما يستحق ببقاء تلك الأسباب.
-
قالوا: عندكم إذا وطئها ابن زوجها في مرضها ورث منها، فتقول: بانت منه في حال مرضها، فلم ترث منه، كما لو أعتقت تحت عبد فاختارت فأعتق.
-
قلنا: هناك لا تهمة تلحقها في الاختيار، لأن الفرقة، ليست ظاهرة والشرع جعل لها استدراك حقها به، فلم تحمل الفرقة على قصد إسقاط حقه به، وفي مسألتنا هي متهمة أن تكون قصدت الفرقة ليسقط حقه من إرثها فلم يسقط.
-
١/٤٩٥٨١/٤٩٥٨
ولأن من أصحابنا من سلك في هذه المسألة طريقة أخرى، وقال: الطلاق الثلاث، والبائن منهي منه عندنا. فمتى فعل أيا منها لم يسقط إرثه كالردة. فعلى هذا اختيار نفسها ليس بفعل منهي عنه، بل يمنع من سقوط إرثه.
-
فإن قيل: الزوج ملك في حال مرضه أن يتزوج ثلاثًا سواها فينقل حقها من الربع إلى ربع الربع، كذلك يملك إسقاط حقها من الجميع.
-
قلنا: يملك أن يزاحم الورثة، عن بعض حقهم،
-
وإن لم يكن يملك إسقاط حقهم. ألا ترى أنه لو أوصى بالثلث جاز،
-
وإن نقص حق الورثة بالوصية،
-
فلو وصى بجميعها لم يجز إسقاط حقهم.
-
قالوا: لو ثبت حقها، لأجل الفرار، لم يسقط بانقضاء العدة.
-
قلنا: سقط، فلو طلقها طلاقًا رجعيًا لم يسقط حقها عن الميراث باتفاق،
-
وإن انضم إلى ذلك انقضاء العدة سقط حقها، ولأن عدتها إذا انقضت حلت للأزواج،
-
فلو ورثت من الأول استحقت ميراثًا آخر، والمرأة لا تستحق (ميراث زوجين) في حالة واحدة.