مسألة ٣٠٧
التجريدالحنفيةالمسائل ٨٬٦٤٨ إلى ٨٬٧١٧
-
١/١١٧٩١/١١٧٩
لا زكاة في الفصلان والحملان والعجاجيل
-
قال أبو حنيفة ومحمد: لا زكاة في الفصلان والحملان والعجاجيل. وصورة المسألة: أن يكون له نصاب من الكبار فتتوالد كعددها،
-
ثم تموت الأمهات فيحول الحول وهي صغار.
-
وقال أبو يوسف: فيها واحدة منها، وبه قال الشافعي رحمه الله.
-
لنا: حديث سويد بن غفلة قال: (سرت مع مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نأخذ من راضع شيئا) . [وسمعته يقول: في عهدي أن لا آخذ من راضع شيئا] .
-
ولا يجوز حمله على الراضع الذي لم يحل عليه الحول؛ لأنه تخصيص بغير دليل ولأن ما لم يحل عليه الحول لا يختص بالراضع،
-
١/١١٨٠١/١١٨٠
فلا يجوز حمله على أن لا يأخذ الراضع، كما قال: (وما بالربع من أحد) ؛ لأنهم يأخذون الراضع من أمثاله والخبر من هذا،
-
ولا يحمل على نفي الزكاة من مال الصبي؛ لأنه عندهم يؤخذ من مال الراضع.
-
وعلى قولنا لا فائدة لذكر الراضع، ويدل عليه: قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون أربعين شاة صدقة) وأربعون حمل دون أربعين شاة. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله تجاوز لكم عن ثلاث: عن الجبهة و [عن] النخة، والكسع) .
-
قال الراوي: يريدون بالجبهة الخيل، والنخة، الإبل العوامل والنواضح، والكسع: صغار الغنم.
-
فإن قيل: الكسع: الحمير.
-
قلنا: إن تناولهما الاسم حمل عليهما، وعلى أصلهم ما تأوله الراوي أولى. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الزكاة في عدد يجب في خمس وعشرين منه بنت مخاض ويجب إلى ست وسبعين ثلاثة أسنان،
-
فمن أوجب في عدد لا يجب في الخمس والعشرين [فيه بنت مخاض؛
-
ولا يكون بين الخمس والعشرين] والست والسبعين فرض، فقد خالف الخبر؛ ولأنه حق لله تعالى يتعلق بالنعم، فاختص بدون سن، كالأضحية والهدايا.
-
ولا يقال: المعنى في الأضحية: أنها لا تتعلق بالمعيب، وليس كذلك الزكاة لأنها تتعلق بالمعيب فجاز أن تتعلق بالصغار، وذلك لأن الأضحية لا يمنع
-
١/١١٨١١/١١٨١
فيها كل عيب، وإنما يمنع فيها بعض العيوب
-
وكذلك في الزكاة؛ لأن العمي لا زكاة فيها. ولأن الأضحية تتعلق عندهم بالصغير إذا ولدت الشاة بعد التعيين مع كون العيب مؤثرا في الأضحية.
-
ولأن فرض الزكاة يتعين تارة بالسن وتارة بالعدد، فلما كان كذلك؛ كان لنقصان العدد تأثير في المنع من الوجوب فكذلك السن. أو نقول: السن آخر ما يتعين به فرض الزكاة.
-
فإن قيل: زيادة العدد لها تأثير في زيادة الوجوب فكان لنقصانها تأثير، ولما لم يكن لزيادة السن تأثير في زادة الوجوب لم يكن لنقصانه تأثير.
-
قلنا: زيادة السن تؤثر عندكم في زيادة الوجوب فيجب في الصغار صغيرة، وفي الكبار منه، فالوصف لا يصح.
-
ثم لا يمتنع أن يكون السنون نقصان السن، والعدد في التأثير وإن اختلف زيادتهما، ألا ترى أن نقصان السن كنقصان العدد في التأثير في الأضحية والشهادة؟
-
وإن كان زيادة السن فيهما غير مؤثر، فاستوى النقصان واختلف الزيادة، فأثرت زيادة [العدد] ، ولم تؤثر زيادة السن.
-
فإن قيل: زيادة الصفة تؤثر في زيادة الوجوب؛ لأنه يجب في السمان سمينة، ونقصان الصفة لا يؤثر.
-
١/١١٨٢١/١١٨٢
قلنا: الهزال إذا منع الرعي أثر في الوجوب عندنا،
-
ولا نسلم أن نقصان الصفة لا يؤثر في إسقاط الوجوب؛ ولأن نقصان الصفة لا يتغير به الفرض، وإنما يتغير به صفته، فلم يلزم على علتنا.
-
قالوا: زيادة الجنس يتغير بها الفرض؛ لأنه يجب في أعلى الأجناس مثله، ونقصان الجنس لا يسقط الزكاة.
-
قلنا: نقصان الجنس يسقط في المتولد عندكم بكل حال. وعندنا: إذا كانت الأمهات من الوحش.
-
قالوا: نقصان العدد أثر فيما هو من جنسه [وهو العدد، ونقصان الصفة يجب أن يؤثر فيما هو من جنسه] ، وهو نقصان الصفة.
-
قلنا: نقصان العدد لم يؤثر [في جنسه؛ لأنه تارة ينقص عن العدد، وتارة يرفعه أصلا، كذلك نقصان الصفة يؤثر] في نقصان صفة الواجب تارة، وهو المعيب من أمثاله، وتارة يؤثر في إسقاط الوجوب أصلا. ولأنه حق يختص في الشرع بنوع من البهائم فاختص ببعض الأسنان، كالدية والأضحية.
-
احتجوا: بما روى: أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما هم بقتال مانعي الزكاة، قال: (والله لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[لقاتلتهم عليه) ، فعلم أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] العناق، وهي لا تؤخذ إلا من الصغار؛
-
ولأن هذا قاله بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - فلم ينكره أحد.
-
١/١١٨٣١/١١٨٣
والجواب: أن هذا الخبر مداره على الزهري، وقد اختلف فيه عليه فروي (عناقا) ، وروي (عقالا) والعقال: قيل فيه: صدقة عام،
-
وقيل: الحبل الذي يعقل به أرجل الإبل، واللفظ واحد في الأصل.
-
وإذا اختلف فيه لم يصح التعلق به؛ ولأنه أرباب الأموال لم يكونوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يدفع السعاة إليه، وقد يتوالد في الغنم في يد الساعي فيعطي الولد؛ لأنه من حق المساكين، وقد كان السعاة أخذوا الزكوات وارتدوا وهي في أيديهم، منهم مالك بن نويرة التميمي وطليحة بن خويلد الأسدي، فيجوز أن يكون توالدت في أيديهم فقال: (لو منعوني عناقا من ذلك) .
-
ولأنه يجوز أن يقول ذلك على طريق التأكيد، كأنه قال: لو كانت العناق حقا لي فمنعوني منها لقاتلتهم، كما يقول الرجل: لو منعتني خردلة من حقي حاكمتك،
-
وإن لم تكن الخردلة من الحقه، و [على] هذا يحمل قوله: (لو منعوني عقالا) . ولأن العناق عندنا تؤخذ على طريق القيمة.
-
١/١١٨٤١/١١٨٤
فإن قيل: فالقيمة لا يقاتل على منعها.
-
قلنا: إذا أخذ المصدق ومنعها واعتصم منه قوتل.
-
قالوا: روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لساعيه: عد عليهم الصغار والكبار.
-
قلنا: هذا يقتضي اجتماعهما، وهو الغالب؛ إذ الصغار لا تنفرد عن الكبار.
-
قالوا: مال جاز في الحول،
-
فإذا هلك منه ما لم ينقص باقيه عن نصاب؛ وجب أن لا ينقطع حكم الحول، كما لو كانت له خمسون من الإبل فهلك منها عشر.
-
والجواب: أنا لا نسلم أن الباقي لم ينقص عن نصاب الإبل؛ لأن النصاب عندنا السن والعدد. والمعنى في الأصل: أنه بقي ما يجوز أخذه عن الكبار، فلم ينقطع حكم الحول، كما لو بقي أقل من النصاب ثم تمت في آخر الحول.
-
قالوا: كل مالين ضم أحدهما إلى الآخر في النصاب، فتلف أحدهما لا يسقط الزكاة عن الآخر،
-
ولا يقطع حوله، كالضأن والمعز.
-
قلنا: ينتقض إذا بقي أقل من أربعين.
-
فإن قالوا: لا تسقط الزكاة بالهلاك لكن بنقصان النصاب.
-
قلنا: كذلك نقول في مسألتنا،
-
ثم المعنى في الضأن والمعز: أن كل واحد منهما يجزئ سنه في الأضحية وفي الصغار والكبار بخلافه، أو نقول: الضأن والمعز إذا اجتمعا جاز أن تؤخذ زكاتها من كل واحد من النوعين على الانفراد، والصغار والكبار إذا اجتمعا لم يجز أخذ الزكاة من الصغار؛
-
١/١١٨٥١/١١٨٥
فلذلك ينقطع الحول مع بقائها.
-
قالوا: سن يعد مع غيره، فجاز أن يعد بنفسه، كالجذاع والثناء.
-
قلنا: المعنى في الأصل: أنه يجوز في زكاة الكبار بنفسها، وفي مسألتنا: لم يجز في مسألة الكبار بنفسها، فلم يعد.
-
قالوا: ما صلح للوصل صلح للأصل إذا تم عدده، كالكبار.
-
قلنا: الوصف تبع لغيره، والأصل يثبت بنفسه وليس إذا جاز الشيء تبعا جاز أصلا.
-
فإن قيل: كيف يكون الصغار تبعا والكبار أقل من النصاب؟.
-
قلنا: الدليل على أنه تبع: أنه يؤخذ منها ما يؤخذ من الكبار،
-
ولو كانت متبوعة لاعتبر حكم المأخوذ بها.
-
قالوا: السخال إذا تبعت الأمهات من الحول؛ لم يسقط حكم الحول فيها بتلف الأمهات، كما لو بقي كبيرة.
-
قلنا: لا يسقط حكم الحول بتلف الأمهات، وإنما يسقط بنقصان النصاب؛ بدلالة أنه لو استفاد كبيرة ثم هلكت الأمهات لم يسقط حكم الحول. والمعنى في الأصل: أنه بقي ما يجوز أخذه في الزكاة عن الكبار.
-
وفي مسألتنا بخلافه، فتبين الفرق بينهما، أنه إذا بقيت الكبيرة؛ فالواجب على ما كان من السن،
-
وإذا لم يبق لغير الفرض عندهم فدل على الفرق بين الأمرين.
-
١/١١٨٦١/١١٨٦
قالوا: أجمعنا على بقاء الحول ببقاء الكبيرة،
-
فلا يخلو إما أن يكون ذلك لبقاء الحول في الأمهات، أو لأنه انعقد في السخال،
-
ولا يجوز أن يكون لأجل الأمهات؛ لأنها ناقصة عن النصاب، فلم يبق إلا أن يكون انعقد في السخال.
-
قلنا: إنما يبقى حكم الحول ببقاء الكبيرة، والسخال شرط في الوجوب ونقصان الأمهات لا يمنع بقاء حكم الحول؛ لأن عندنا لو هلكت إلا واحدة وليس هناك سخال لم ينقطع حكم الحول منها.
-
قالوا: ذات رحم تبعها ولدها، فلم ينقطع ذلك الحكم عن ولدها بموتها، كولد أم الولد والأضحية.
-
قلنا: نقول بموجبه؛ لأن عندنا لو هلكت الأمهات وبقيت كبيرة لا ولد لها، لم ينقطع حكم الحول فدل على أن الحكم لا يتعلق بهلاك الأمهات ولأن أخذ الكبيرة ثابت حال الاجتماع،
-
فإذا هلكت الأمهات سقط هذا الحكم عندهم ووجبت صغيرة فانتقض ما قالوه.
-
قالوا: نقصان صفة لا تؤثر في إسقاط الزكاة، كالمرض.
-
قلنا: [المرض] لا يغير سن الواجب، فلذلك لم يسقط الوجوب؛ ولأن المرض نقص في الموجب فيه، وهلاك الأمهات عدم الموجب فيه؛ ولهذا لا يتغير سن الواجب في المرض ويتغير في الصغار.