مسألة ٣٦
التجريدالحنفيةالمسائل ١٬٢٤٣ إلى ١٬٣٠٤
-
١/٢١٩١/٢١٩
حكم رؤية المتيمم للماء وهو في الصلاة
-
قال أصحابنا: إذا رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته وتيممه.
-
وقال الشافعي: لا تبطل. والكلام في هذه المسألة في ثلاث فصول، أولها: بطلان تيممه.
-
والدليل عليه: قوله - عليه السلام -: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء) ).
-
ولأن كل معنى أبطل التيمم خارج الصلاة أبطله فيها، كالحدث.
-
ولا يلزم رؤية سؤر الحمار؛ لأنا لا نعلم أنه يبطل التيمم في الحالين.
-
قالوا: المعنى في الحدث أنه لو وجد في صلاة العيدين والجنازة أبطل التيمم، والماء بخلافه.
-
قلنا: علية الأصل لا تصح؛ لأن أصل علتنا الحدث في جميع الصلوات، والجنازة والعيدين داخلة في جملة الأصل، فكأنهم قالوا: المعنى في
-
١/٢٢٠١/٢٢٠
الحدث في صلاة الجنازة أنه لو وجد فيها أفسدها.
-
وعلة الفرع لا تصح إلا به؛ لأنه قد يفسد الصلاة بما لا يفسد به صلاة الجنازة، وهو ترك الركوع والسجود.
-
ثم صلاة الجنازة تخالف الفرض في الطهارة بإجماع عندنا في جواز هذا التيمم، وعندهم: من تيمم لفرض جاز أن يصلي به على الجنازة، ولم يجز أن يصلي به فرضًا آخر.
-
ولأنه سبب لبطلان طهارة أقيمت مقام غيرها، فاستوى في حال الصلاة وقبلها، كنزع الخف.
-
ولا يلزم القهقهة؛ لأنها لا تبطل الطهارة على الإطلاق،
-
ولا يختص بما قام مقام الغير.
-
قالوا: المصلي لا يجوز له افتتاح الصلاة مع نزع الخف،
-
ويجوز مع وجود الماء بحال إذا خاف العطش.
-
قلنا: الذي يجوز معه الابتداء يجوز معه البقاء أيضًا، والمؤثر حال البقاء يؤثر حال الابتداء.
-
قالوا: نزع الخف ينسب إلى التفريط وهذا لا يوجد في رؤية الماء.
-
قلنا: تبطل بالمستحاضة ينقطع دمها، والعريان يجد ثوبًا، لا ينسبان إلى التفريط،
-
ولا يلزمهم حكم الأصل،
-
فإن سلموا بطلان التيمم.
-
وقالوا: مع ذلك: يمضي على صلاته.
-
قلنا: كل معنى أبطل التيمم منع المضي على الصلاة، كالحدث.
-
والفصل الثاني يدل على وجوب الوضوء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فإذا وجدت الماء
-
١/٢٢١١/٢٢١
فأمسه جلدك)). ولأن القدرة على الأصل قبل إسقاط الفرض بالبدل يوجب الانتقال إلى الأصل، أصله: المكفر إذا قدر على الرقبة قبل الصوم، والمعتدة بالأشهر إذا رأت الدم.
-
قالوا: المعتدة لا تستأنف عند بعض أصحابنا.
-
قلنا: هذا يخالف الإجماع. على أنا عللنا للزوم الانتقال، وهذا لا خلاف فيه.
-
قالوا: العدة قد يقع فيها ما لا يعتد به، وهو الطهر في حال الحيض عندكم.
-
قلنا: وقد يقع في حال الصلاة ما لا يعتد به، وهو السجود الذي يدرك الإمام فيه، والصلاة التي يؤديها بسؤر الحمار عندنا،
-
ومن لا يجد ماء ولا ترابًا عندكم.
-
قالوا: المعتبر في العدد الأشهر، إلا أنها تعتد ابتداء بالحيض، ويكون عدتها وضع الحمل.
-
قلنا: والصلاة كذلك؛ لأنها تؤدي ابتداء بالتيمم، وفي معلوم الله سبحانه أنه يرى الماء، ويكون فرضه بعد ما مس ذكره، لزمه استعماله وإن لم يمس ذكره، أصله: الدخول.
-
الفصل الثالث: يدل على أنه لا يمضي في صلاة مع القدرة على الماء الذي يؤديها به، فأشبه الابتداء.
-
وإن أدى ركنًا منها بالتيمم مع وجود الماء لا يجزيه، كالافتتاح.
-
ولأن عدم الماء شرط في جواز افتتاح الصلاة بالتيمم، فكان شرطًا في البناء
-
١/٢٢٢١/٢٢٢
عليها، دليله: عدم الحدث.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
-
((فلا ينصرفن أحدكم حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) ).
-
والجواب: أن اللفظ لا يمكن حمله على عمومه بالإجماع، فلم يبق إلا أن يُقصَر على سببه، وهو حال الشك.
-
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقطع الصلاة شيء) ).
-
والجواب عنه مثل الأول، لما لم يعتبر عمومه على سببه في الماء.
-
قالوا: صلاة جاز له استدامتها مع عدم الماء، جاز له استدامتها مع وجوده، كصلاة الجنازة والعيدين.
-
قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأنه قد لا يجوز استدامة العيدين والجنازة مع الماء إذا قدر على الوضوء والإدراك، وفي الموضع الذي لا يجوز الاستدامة إنما جاز إذا لم يقدر أن يؤديها به.
-
وهذا المعنى لا يمنع استدامة سائر الصلوات؛ بدلالة الماء الذي يجده المريض ومن يخاف العطش.
-
قالوا: كل ما وجد في صلاة الجنازة والعيدين لم يمنع استدامتها فكذلك إذا وجد في غيرها، كسؤر الحمار.
-
قلنا: إطلاق الوصف غير مسلم على ما قدمنا، وكذلك لا نسلم
-
١/٢٢٣١/٢٢٣
الوصف في الأصل؛ لأن سؤر الحمار يمنع الاستدامة عندنا.
-
ألا ترى أنه كان يصلي بما يسقط،
-
فإذا رآه استدام ما لا يسقط الفرض به؟
-
ثم المعنى فيه: أنه سؤر حيوان محرم الأكل منه يستطاع الامتناع، فوجوده لا يمنع استدامة الصلاة، كسؤر الكلب، وفي وجدنا ماء طاهر بيقين يقدر على أداء صلاته به.
-
قالوا: صلاة صحت تحريمته بها، فوجود ما يتطهر لا يمنع من استدامتها، أصله: المتوضئ إذا وجد الماء.
-
قلنا: لو وجد الماء قبل الشروع فيها لم يلزمه استعماله، والمتيمم لو وجد قبل الشروع لزمه استعماله، كذلك إذا وجد فيها.
-
قالوا: إدامة الصلاة ليس من شرطها عدم الماء، كصلاة الجنازة.
-
قلنا: يبطل بالمحبوس في المصر إذا دخل في الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء.
-
ثم المعنى في الأصل أنها ناقصة الأركان، فلم يكن عدم الماء شرطًا في استدامتها، وسائر الصلوات فروض لم تنقص أركانها، فكان عدم الماء شرطا في استدامتها.
-
قالوا: وجود ثمن الماء كوجود عين الماء في ملكه، بدلالة ما قبل الإفتتاح.
-
ثم كان وجود الثمن في الصلاة لا يؤثر فيها، كذلك وجود الماء.
-
قلنا: وجود ثمن الماء يبطل صلاته؛ إذا كان الماء يبتاع غالبًا.
-
ولو قلنا: إن صلاته صحيحة، فالفرق بينهما أن الثمن ليس هو المبدل،
-
فلا يلزمه الوضوء بوجوده. وإنما يلزمه إذا سأل عن البيع فبذل له، وهو لا
-
١/٢٢٤١/٢٢٤
يمكنه المسألة في الصلاة، فلم يكن واجبًا.
-
ويرجح ما ذكرناه: أن أحكام الضرورة ترتفع بزوال الضرورة، والأبدال يسقط حكمها بالقدرة على مبدلاتها قبل إسقاط الفرض، ولأن الطهارة تراد للصلاة، فهي أخص بها، فما يبطلها في غير الصلاة أولى أن يبطلها فيها.