هل الإسلام شرط في الإحصان؟
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٥٬٤٨٨ إلى ٤٥٬٥٤٩
-
١/٥٨٧٦١/٥٨٧٦
قال أبو حنيفة ومحمد الإسلام شرط في الإحصان. وقال أبو يوسف: ليس بشرط في إحصان الرجم وبه قال الشافعي.
-
لنا: قوله تعالى: {الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} . وهذا يقتضي وجوب الجلد على كل زان إلا ما خصه دليل ويدل عليه: ما روى الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: من أشرك بالله فليس بمحصن.
-
وروى مسندًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [قاله، وقوله] لا يمنع باسناده. لأن الراوي إذا سمع حكمًا اعتقده فرواه تارة. وأفتى به أخرى.
-
فإن قيل: المراد إحصان القذف. لأن عرض الكافر لا يجب بهكته الحد. فيبين فضيلة الإسلام بالتشديد على القاذف.
-
ولا يجوز أن يكون المراد بإحصان الرجم. لأن في ذلك تشديدًا على المحصن فلا يكون الإسلام سبب التشديد عليه.
-
قلنا: اللفظ عام فيهما. وقولهم إنه تشديد ليس بصحيح. لأن الإحصان إذا حصل بلغ الإنسان أكمل أحواله. وهذه فضيلة. فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الكافر لا يبلغها. ويدل عليه: ما روى أن كعب بن مالك تزوج يهودية؛
-
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقول له إذا زنيت لم ترجم}.
-
١/٥٨٧٧١/٥٨٧٧
قلنا: لا يجوز أن يكون المراد به العقد. لأن كعبًا كان عفيفًا قبل تزوجها وبعده، وإنما المراد أنك لا تبلغ بتزويجها أكمل أحوال المسلمين. لأن المحصن كامل.
-
ولأنه إحصان شرعي فكان الإسلام شرطًا فيه كإحصان القذف.
-
ولأنه إحصان شرط في إقامة حد فكان من شرطه الإسلام كإحصان القذف.
-
ولأنه شرط في إحصان القذف محكوم به، فكان شرطًا في إحصان الرجم كالحرية.
-
ولا تلزم العفة: لأن الحاكم لا يحكم بها.
-
ولأنه معنى يمنع وجوب الحد على القاذف مع اشتباه حاله في الصدق والكذب فمنع من إحصان الرجم كالرق.
-
ولأن إحصان الرجم أكثر شرائط. وإحصان القذف دونه. فلما اعتبر في أضعف الإحصانين إذا تصور وجوده في الإحصان الأقوى واعتباره فيه أولى.
-
ولا تلزم العفة لأنه لا يتصور وجودها في الزاني فلا يصح شرطها في رجمه.
-
[فإن قيل] : لا يتصور وجودها ولا يتصور اعتبار أحد الإحصانين بالآخر. لأن العفة شرط في القذف ثم لم تشترط في إحصان الرجم.
-
قلنا: الشيء إنما يكون شرطًا إذا تصور وجوده. والزاني لا يتصور فيه العفة. فكيف يقال: إنها شرط.
-
والدليل على أنه لا يرجم الآية.
-
فإن قيل: المراد بها المسلمين. لأنه قال في آخرها {مائة جلدة ولا تأخذكم بها رأفة في دين الله} .
-
قلنا: نفى الرأفة مأمور به في الكافر الزاني الذمي كما أمر به في المسلم.
-
فلا يقتضي ذلك التخصيص.
-
ولأنه لا يحد في شرب الخمر فلم يجب عليه بالزنا الرجم كالصبي والمجنون.
-
١/٥٨٧٨١/٥٨٧٨
ولأنه نقص محكوم به يؤثر في الشهادة فمنع من وجوب الرجم كالرق.
-
ولا يلزم الفسق لأنه لا يحكم به.
-
ولا الأنوثية لأنه نقص لا يمنع الشهادة، وإنما يؤثر في نقصان رتبتها.
-
فإن قيل: العبد حده منتصف قد يستوي فيه الحر والعبد كالقطع في السرقة.
-
ولأن قاذفه لا يحد مع اشتباه حاله في الصدق والكذب فلم يجب رجمه كالعبد.
-
احتجوا: بحديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم) .
-
قلنا: قد اتفقنا أن الجلد لا يكون مجتمعًا مع الرجم [في الثيب] ، وإنما المراد به الثيب بالثيب الرجم. ألا ولنا أن نتعلق بالجلد فصار الخبر مشترك الدليل.
-
ولأن الإحصان شرط بالاتفاق فصار كالمشروط في الثيب.
-
ولا نحن لا نسلم إحصان الكافر فلم يصح الاستدلال بالظاهر.
-
احتجوا: بما روي عن عمر أنه قال: (لولا أن يقال زاد ابن الخطاب في كتاب الله إذ كتب في حاشية المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ردًا لأمر الله.
-
قلنا: لا بخلاف الرجم لا يجب لكون الذي يعلم أن الرجم يتعلق بشرط لم يذكر وهو الإحصان.
-
وقد اختلفنا في شروطه. ولأن المراد بهذا المسلمين. لأن الكافر لا يقف النكال به على الزنى لأنه ينكل به بكفره [وإن لم يزن] . والمسلم يقف النكال به على وجود الزنا ولا يجوز قتله.
-
ولأنه روى عن عمر بن الخطاب وعلى أنهما قالا في اليهودي: إذا زنا فإنه يسلم إلى قومه ليقيموا عليه حد الله. فدل أن عمر إنما قال ما قاله في المسلم خاصة.
-
احتجوا: بما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم اليهوديين.
-
١/٥٨٧٩١/٥٨٧٩
قلنا: رجمهما قبل كون الإحصان شرط بدلالة أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن إحصانهما وبدليل أنه روي عن ابن عمر أنه رجمهما أول ما دخل المدينة. ولأن ابن عمر قال: من أشرك بالله فليس بمحصن. فدل أنه عرف بغير هذا الحكم.
-
فإن قيل: روى أبو هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - رحمهما وكانا قد أحصنا.
-
قلنا: الإحصان اسم. ولأن أبا هريرة تأخر إسلامه فلم يشهد القصة. فيجوز أن يكون لما سمع الرجم وعلم من شرطه في الإسلام الإحصان. أعتقد أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرجمهما إلا وقد أحصنا.
-
وجواب آخر: أنه - صلى الله عليه وسلم - رجمهما بحكم التوراة ولم يكن القرآن نزل بحد الزاني.
-
لأن سورة النساء مدنية. والرجم كان قبل دخوله - صلى الله عليه وسلم - المدينة. وقد كان مأمورًا بالعمل بشريعة من تقدمه فرجع إلى ما في التوراة. ولهذا قال: (أنا أحق بإحياء سنة أماتوها) ثم نسخ هذا بما جاء في شريعته [من قوله] {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت} .
-
ثم نسخ ذلك بحديث عبادة بن الصامت، وشرط الإحصان في الرجم فروى ابن عمر القصة الأولى. وقال: (من أشرك بالله فليس بمحصن) . على ما استقر في الشريعة بعد الحكم الأول. يبين ذلك أن الأحكام لو كانت نزلت في شريعته لم يحتج إلى الرجوع إلى التوراة.
-
لأن أحكام القرآن ناسخة لها فلا يجوز الرجوع إلى المنسوخ مع وجود الناسخ.
-
ولا يقال: أراد أن يبين كذبهم فيما ادعوه. لأنه لو كان كذلك لبينه أولاً قبل وجود الزنا من اليهودي.
-
احتجوا: بأن من أهل الجلد ما إذا كان بكرًا فوجب أن يكون من أهل الرجم إذا وطئ في نكاح صحيح كالمسلم.
-
قلنا: الجلد هو أدنى حد الزنا والرجم أعلاه، فلم يستدل بثبوت أدنى الحدين على ثبوت أعلاهما.
-
فإن قيل: الجلد الكامل [على أنواع] فقد اعتبرنا الحد الأعلى بالحد الأدنى.
-
١/٥٨٨٠١/٥٨٨٠
قلنا: كونه على الجلد لا يمنع أن يكون أدنى من الرجم فقد حصل الكمال من وجه والنقصان من وجه فاستدلوا بثبوته على ثبوت الكامل في جميع الوجوه.
-
والمعنى في المسلمين أنه ممن يحد قاذفه. فجاز أن يجب عليه بالزنا الرجم. والكافر لا يحد قاذفه مع اشتباه حاله في الكذب والصدق فلم يجب عليه الرجم.
-
قالوا: أحد الملتين فجاز أن يجب على أهلها الرجم كملة الإسلام.
-
قلنا: لا نمنع أن يختلف حكم الملتين في الحد. بدلالة أن المسلم يحد بشرب الخمر ولا يحد الكافر. ويحد عندهم المسلم إذا تزوج أمه فوطئها ولا يحد الكافر ولأن المسلم يجب عليه الرجم لبلوغه إلى حد الكمال، والكافر لم يبلغ هذا الحال.
-
فصار كالمسلم الذي لم يكمل حاله لوجود الرق أو لعقد النكاح.
-
قالوا: قتل بأمر سابق [فاستوى فيه الكافر والمسلم كالقصاص فاحترزوا بقولهم بأمر سابق] عن القتل بترك الصلاة.
-
قلنا: يبطل بإظهار كلمة الكفر يقتل بها المسلم ولا يقتل بها الكافر،
-
وكذلك ذوات المحارم بالنكاح يقتل عندهم المسلم دون الكافر ولأن الرجم اعتبر فيه من الاحتياط ما لم يعتبر في القصاص.
-
بدلالة شهادة أربعة. والمعنى في القصاص أنه يجوز أن يجب على العبد فجاز أن يجب جنسه على الكافر. ولما لم يجب الرجم على العبد لم يثبت جنسه في حق الكافر.
-
قالوا: أحد موجبي الزنا فجاز أن يجب على الكافر كالجلد.
-
قلنا: الجلد لم يعتبر فيه الإحصان فجاز أن يجب على الكافر. والرجم وجب فيه الإحصان. فلذلك لم يجب على الكافر.
-
قالوا: حد فلا يختلف بالكفر والإسلام كسائر الحدود.
-
قلنا: : يبطل بحد الشرب. ولأن سائر الحدود لم يعتبر فيها الإحصان. وهذا الحد اعتبر فيه الإحصان.
-
قالوا: في امرأة واحدة فكان من أهل الرجم كالمسلم.
-
ومنهم من قال: لأنه وراث حادث فكان من أهل الرجم كالمسلم. فيحترز بقولهم وارث عن العبد وبقولهم حادث عن البكر. والجواب عنه ما قدمناه.