مسألة ١٤٩٦
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٨٬٢٥٩ إلى ٤٨٬٣٠٧
-
١/٦١٧٦١/٦١٧٦
قتل الكافر الذي لم تبلغه الدعوة
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا قتل المسلمون كافرًا لم تبلغه الدعوة، لم يضمن.
-
وقال الشافعي رحمه الله في كتاب قتال المشركين: إن كان يهوديًا أو نصرانيًا، وجب ثلث الدية،
-
وإن كان مجوسيًا أو وثنيًا، وجب ثلثا عشر الدية وهو ثمانمائة. وقال المروزي: إن كان على دين، أصله: [حق مثل النصرانية التي نسخت بالإسلام ولم يعلم بالإسلام، فعليه دية مسلم،
-
وإن كان على دين أصله] باطل مثل عبادة الأوثان، فعليه دية كافر. قالوا: وهذا خلاف نص الشافعي.
-
فإن الخلاف لا يخلو أن يكون فيمن لم يؤمن بعيسى أو ممن آمن به،
-
فإذا كان الخلاف فيمن لم يؤمن بعيسى وهو كافر بنبي من الأنبياء،
-
فلا يتقوم دمه كالكافر بنبينا. ولأنه لو آمن بنبينا وكفر بعيسى، لم يتقوم دمه،
-
فإذا كفر به، وما آمن بنبينا أولى.
-
ولأنه كافر ليس له أمان كمن بلغته الدعوة.
-
فإن قيل: له عندنا أمان؛ لأنه لا يجوز قتله.
-
قلنا: نريد ما يطلق عليه اسم الأمان وهو العقد.
-
فإن قيل: الحظر الثابت بالشرع آكد من الحظر الثابت بالعقد.
-
قلنا: الاحتراز إذا وقع بمطلق اللفظ، لا يلزم عليه ما لا يطلق عليه الاسم،
-
وإن كان أولى بالحكم.
-
ولأنه ليس له أمان ولا إيمان، كمن بلغته الدعوة.
-
١/٦١٧٧١/٦١٧٧
فإن قيل: المعنى فيه أن دمه ليس بمحظور،
-
ومن لم تبلغه الدعوة محظور الدم.
-
قلنا: بطل ذلك بنساء أهل الحرب وصبيانهم.
-
ولأن كل من قتله بعد الدعوة لم يتقوم دمه، كذلك قبلها، كالمرتد وإن كان الخلاف في عابد الأوثان، فقد وجب قتله بكفره بالله تعالى،
-
وإن لم يجب عليه الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، [والقتل بالكفر يكفي فيه نوع واحد من الكفر،
-
فأما المؤمن بعيسى إذا لم تبلغه دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -] فهو على دين حق إلا أنه لم يجوز دمه بدار الإسلام، فصار كمن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر، وقد بينا هذه المسألة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} .
-
قلنا: هذا يدل على حظر القتل وهذا مسلم، والخلاف في تقويم الدم.
-
وقوله: {ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا} .
-
المراد به القوم، وذلك غير واجب بالإجماع.
-
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في النفس مائة من الإبل) .
-
عموم مخصوص بما ذكرنا.
-
قالوا: ذكر بالغ محقون الدم كالذمي. واحترزوا بقولهم: (ذكر) . عن نساء أهل الحرب. وبـ: (بالغ) . عن صبيانهم.
-
قلنا: الذكورية والبلوغ تؤثر في سقوط التقويم على الجاني، ألا ترى أن من بلغتهم الدعوة يقتل منهم الرجال ولا يقتل منهم النساء والصبيان؟
-
فإذا كانت دماء النساء والصبيان محظورة بكل حال ثم لم يتقوم، فدم الرجل أولى وهو محظور في حال دون حال، وتبطل العلة بالمجنون الحربي.
-
وأما الذمي فقد حظر دمه بالأمان، فيقوم على قاتله، والحربي لم يحصل له أمان ولا إيمان.
-
فإن قالوا: أما شرعي يحظر قتله، فهو آكد من العقد؛ انتقض بالنساء
-
١/٦١٧٨١/٦١٧٨
والصبيان.
-
وإن قالوا: لم يحظر قتلهم لأنفسهم، لكن لأنهم من المسلمين؛ كان هذا فرقًا بعد النقض.
-
فإن قيل: سقط تقويم دماء الصبيان تبعًا لآبائهم.
-
قلنا: سقوط ضمان النفس لا يتبع فيه الوالد، بدلالة أولاد المرتدين.
-
قالوا: ذكر مكلف محقون الدم.
-
قلنا: التكليف علم لإباحة الدم إذا صاحب الكفر، فكيف على التقويم؟.
-
قالوا: كافر أصلى محقون الدم لحرمته، فوجب أن يكون لدمه قيمة، أصله الذمي والمستأمن.
-
قلنا: لا نسلم أنه محقون الدم لحرمته، وإنما منع من قتله لتجويز إسلامه عند الدعوة،
-
وإن سقط هذا الوصف انتقضت العلة بالصبيان والنساء.
-
قالوا: كافر أصلي محقون الدم من أهل القتال.
-
قلنا: هذه أوصاف مؤثرة في إيجاب القتل،
-
فلا تجعل علمًا على تقويم الدم، والمعنى في أهل الذمة ما ذكرنا.
-
قالوا: الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجب قبل الدعوة،
-
فإذا تركه لم يتوجه عليه فرض الإيمان به، وهو تابع لمن وجه عليه فرضه، فوجب أن يكون قتله مضمونًا، أصله من أسلم ولم يعلم بتحريم الخمر فلم يترك شربها.
-
قلنا: هذا الذي لم يسمع دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كان غير مؤمن بعيسى أو عابد وثن فهو كافر بنوع من الكفر، فيجب سقوط تقويم دمه كذلك الكفر لا لترك الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان على شريعة عيسى فسقوط قيمة دمه ليس للكفر، لكن لأنه لم يحرز دمه بدار الإسلام، كمن بلغته دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم ولم يهاجر على أصلنا.
-
والمعنى فيمن لم يعلم بتحريم الخمر أنه لو علم بتحريمها فشربها، لم يسقط تقويم دمه، كذلك إذا شربها قبل العلم بتحريمها.