مسألة ٢١٢
التجريدالحنفيةالمسائل ٦٬٤٥٢ إلى ٦٬٥٣٠
-
١/٨٧٤١/٨٧٤
فرض المسافر ركعتان
-
قال أصحابنا: فرض المسافر ركعتان.
-
وقال الشافعي: هو مخير: إن شاء صلى صلاة السفر فكانت رخصة،
-
وإن شاء صلى صلاة الإقامة.
-
لنا: ما رواه مسروق عن عائشة قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب- فإنها وتر النهار- وصلاة الصبح أقرها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى).
-
وهذا ينفي أن تكون رخصة، وروي أنها قالت: فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت عليه.
-
١/٨٧٥١/٨٧٥
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله تعالى على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين.
-
ولا يقال: هذا يدل على أن فرض السفر ركعتان ولا ينفي الزيادة، وعندنا أنه إذا صلى أربعا فلم يصل فرض السفر؛ وذلك لأن الخبر يقتضي كون الركعتين فرضا، وعندهم أنه رخصة، وهذا يدل على أنه لا يجوز الزيادة عليه؛ لأن الفرائض المعدودة لا يجوز الزيادة عليها.
-
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: صلاة الأضحى ركعتان، والجمعة ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم. وعن ابن عمر أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر. وهذا نص من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛
-
لولا ذلك لم يذكر الوعيد. ويدل عليه ما روي أن فتى سأل عمران بن الحصين عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر، فقال: إن هذا الفتى سألني عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر، فاحفظوها علي: ما سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، فإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة يصلي ركعتين ثم يقول: (يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا
-
١/٨٧٦١/٨٧٦
قوم سفر)، ثم غزا حنين والطائف فصلى ركعتين ركعتين،
-
ثم رجع إلى الجعرانة فاعتمر منها في ذي القعدة فصلى ركعتين،
-
ثم غزوت مع أبي بكر واعتمرت مع عمر فصلى ركعتين، [ومع عثمان صدرا من إمارته فصلى ركعتين] ،
-
ثم إن عثمان صلى [بعد ذلك] أربعا بمنى،
-
فلو كان يخير في حال السفر لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كل واحد من الأمرين.
-
ولأنه قال: (أتموا فإنا قوم سفر) ولم يقل فإنا لا نريد الإتمام. ويدل عليه إجماع الصحابة، وهو ما روي أن عثمان - رضي الله عنه - صلى بمنى أربعا فأنكروا عليه، وقالوا: صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ركعتين ركعتين.
-
وروي عن الزهري أنه قال: إنما أتم عثمان لأنه كان نوى الإقامة بمكة بعد الحج وعنه أنه قال: إنما أتم لأنه قال: إنما يقصر من حمل الزاد والمزاد ورحل وارتحل. ولم ينقل أن عثمان قال: إنما أتممت لأني لم أنو القصر، أو: إني مخير بين الأمرين.
-
١/٨٧٧١/٨٧٧
ولا يجوز أن يقال: كيف يظن بعثمان أنه يصلي أربعا والفرض ركعتان لئلا يظن الناس أن الفصل ركعتان؛ وذلك لأنه يجوز أن يكون لما خاف ذلك نوى الإقامة ليجوز له فعل الأربعة على طريق البيان.
-
ولا يقال: روي أن ابن مسعود أنكر عليه،
-
ثم قام فصلى بهم أربعا، فقيل له في ذلك؛ فقال: الخلاف شر؛ وذلك لأن ابن مسعود من جملة الجند، فحمل أمر عثمان على أنه نوى الإقامة بمكة كما قال الزهري، فصار مقيما بإقامة إمامه، وهذا معنى قوله: الخلاف شر، أي: لا يجوز مخالفة الإمام في النية.
-
ولا يقال: إنما أنكروا عليه ترك المستحب؛ لأن ترك الفضيلة لا يستحق به الإنكار. وروي أن سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانوا في سفر فكان سعد يقصر ويفطر وكانا يتمان، فقيل لسعد: نراك تقصر الصلاة ويتمان، فقال سعد: نحن أعلم.
-
وروي أن سلمان خرج في ثلاثة عشر من أصحا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان سلمان أسنهم، فحضرت الصلاة، فقالوا: تقدم، فقال: ما أنا بالذي أتقدم، أنتم العرب، ومنكم النبي، فليتقدم بعضكم، فتقدم بعض القوم، فصلى أربعا، فلما قضى الصلاة قال سلمان: ما لنا وما للمربعة، إنما يكفينا نصفها، قال الطحاوي:
-
ولا يجوز أن يعترض على
-
١/٨٧٨١/٨٧٨
الإجماع بفعل هذا الإمام،
-
ولا بما روي عن مسور وعبد الرحمن؛ لأن من روى عنه الإنكار يدل قوله على أن الإتمام لا يجوز،
-
ومن روى عنه الإتمام بفعله يحتمل إما أن يكون يعتقد أن القصر لا يجوز إلا في سفره القربة، وقد حكي ذلك عن ابن مسعود، أو يعتقد أن المسافة لا يقصر في مثلها، أو يعتقد أن المسافر إذا دخل بلدا أتم، كما روي عن عثمان أنه قال: إنما يقصر من رحل وارتحل.
-
ولا يعترض على ذلك بما روي أن عائشة كانت تتم في السفر؛ لأنه روي عنها أنها قالت: أنا أم المؤمنين فأين حللت فهو داري. ولأنه عدد من الركعات يجوز له تركه منفردا فلم يكن واجبا، كعدد النفل.
-
ولا يلزم العبد والمرأة إذا حضرا؛ لأنه لا يجوز لهم ترك عدد الظهر مع الانفراد. ولأنه عدد يجوز أن يقتصر عليه المنفرد، كصلاة الفجر.
-
ولا يقال: المعنى في صلاة الفجر أنه لا يتغير عددها بنية الإقامة [ولا بالاقتداء] بالمقيم، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن عددها لما جاز أن يتغير بالنية والاقتداء [لم يكن أصل فرضه؛ لأن معارضة الأصل تبطل على أصلنا بالجمعة؛ لأنها لا تتعين بالاقتداء] وليست أصل الفرض عندهم.
-
ولأن من لا يخير في صلاة الفجر لم يخير في عدد الظهر، كالمقيم.
-
ولأنها إحدى حالتي المصلي، فلم يخير فيها بين أعداد الركعات، كحال الإقامة ولا نقلب العلة؛ لأنهم إن قالوا: فجاز أن يصلي أربعا، قلنا بموجبه إذا
-
١/٨٧٩١/٨٧٩
اقتدى بمقيم، فإن قالوا: فوجب أن يصلي أربعا، انتقض بالصبي.
-
ولأن ما يكره الزيادة عليه من الأعداد لا يكون الزيادة عليه فرضا، كالفجر والجمعة. ولأنها صلاة شفع فجاز أن يجب إسقاط فرضها بركعتين، كالظهر في يوم الجمعة والفجر.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ، ورفع الجناح في الشيء يدل على إباحته، لا على وجوبه.
-
والجواب: أن هذه الآية لا تتضمن صلاة السفر، إنما تتضمن صلاة الخوف، والقصر إنما عني به القصر في أفعالها بالإيماء وترك بعض الشرائط، الدليل على ذلك أنه شرط فيه الخوف، وفعل الركعتين لا يشترط فيه الخوف.
-
ولا يقال إنه شرط فيه الضرب في الأرض، وصلاة الخوف لا يشترط فيها السفر؛ لأن الغالب أن الخوف يكون مع السفر، فخرج الكلام على الغالب.
-
ولا يقال: إن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ذكر الله تعالى القصر في الخوف فأين القصر في غير الخوف، فقال: عجبت ما عجبت منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) .
-
ففهما جميعا أن المراد بالآية السفر؛ وذلك أن يعلى بن أمية يجوز أن يكون اشتبه عليه فعل الصلاة على الراحلة نفلا في غير حالة الخوف فسأل عمر عن ذلك وقال: لم يجوز في غير الخلاف؟.
-
ويجوز أنه اعتقد أن القصر في الصفات إذا وقف على
-
١/٨٨٠١/٨٨٠
شرط الخوف فقصر الركعات مثله، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما يختلفان.
-
وقد روي أن أمية بن خالد قال لابن عمر: إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، فأين صلاة السفر؟ فقال ابن عمر: إنا نفعل كما رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل، فهذا يدل على أنهما لم يفهما من الآية صلاة السفر، فعارض ذلك ما رووه.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ، وقبول الصدقة في الشرع ليس بواجب، وإنما المتصدق عليه بالخيار.
-
قلنا: (فاقبلوا صدقته) أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وقولهم: إن قبول الصدقة ليس بواجب، ليس بصحيح؛ لأنه لا يمتنع أن لا يجب عليه قبول الصدقة من الآدمي؛ لأن طاعتهم لا تجب،
-
ويجب عليه قبول صدقة الله تعالى؛ لأن طاعته واجبة. ولأن الصدقة إنما يجب قبولها إذا كان فيها تمليك للمتصدق عليه،
-
فإن لم يكن فيها تمليك وجبت ولم يحتج إلى القبول، كالعفو عن دم العمد والعتق والبراءة من مال الكتابة.
-
قالوا: روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر يصوم ويفطر ويتم ويقصر.
-
١/٨٨١١/٨٨١
[والجواب: أن هذا الخبر لا يصح، وقد أنكره أحمد وغيره] .
-
وقد روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة وخرج إلى منى يوم التروية وكان يقصر الصلاة، فهذه إقامة أكثر من أربعة أيام.
-
ولا يقال: يجوز أن يكون لم ينو الإقامة؛ لأن من دخل مكة للحج فلابد أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه.
-
وروى أبو حنيفة عن عمر بن ذر عن مجاهد عن ابن عباس وابن عمر أنهم قالوا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر وفي نيتك أن تقيم بها خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة،
-
وإن كنت لا تدري متى تخرج صلى ركعتين، والمقادير لا تعلم إلا من جهة التوقيف، فكأنهما رويا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
قالوا: روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: ثلاثة عشر يوما، وروى عن علي وابن عباس - رضي الله عنهم -: عشرة أيام. وعن عثمان - رضي الله عنه - من أربعا صلى أربعا.
-
١/٨٨٢١/٨٨٢
قلنا: نحمل أقوالهم على التوقيف، فكأنها أخبار رويت، فالزائد منها أولى. ولأنه معنى يؤثر في الصلاة والصوم،
-
فلا يقدر أقله بأربعة أيام، كالطهر. ولأن ما لا يجعل مدة للفصل بين الحيضتين لا يكون مدة للإقامة، أصله: ما دون أربعة أيام.
-
ولا معنى لقولهم: إن الطهر عندنا قد يكون أربعة أيام؛ لأن الحامل تحيض وتطهر [من حيضتها] وتلد بعد أربعة أيام، فيكون الأربعة طهرا صحيحا،
-
وكذلك إذا طهرت بعد النفاس أربعة أيام ثم رأت الدم كان حيضا؛ لأنهم لا يقدرون ذلك بأربعة أيام،
-
ولو كان يوما واحدا كان طهرا عندهم. ولأنها مدة يتكرر فيها رخصة مسح المسافر، كما دون الأربعة. ولأنها مدة يجوز الحيض فيها فلم يتقدر بها الإقامة، كما دون الأربعة.
-
احتجوا: بما روي أن عمر بن عبد العزيز سأل جلساءه: ماذا سمعتم في مقام المهاجر بمكة؟ فقال السائب بن يزيد: حدثني العلاء بن الحضرمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا) ، فحرم عليهم المقام بمكة، وقدر لهم ثلاثة أيام،
-
فلو كانت المدة خمسة عشر لم يقدر لهم الثلاثة؛ لأنه أراد التخفيف عليهم، فكان زيادة المدة أخف.
-
والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منعهم من المقام لئلا يتذكروا ديارهم فيتركوا
-
١/٨٨٣١/٨٨٣
المدينة، لا المعنى يعود إلى الإقامة والسفر؛ ألا ترى أنه لو أراد ذلك لقدر بأربعة أيام؛ لأن يوم الخروج عندهم لا يعتد به. وفائدة تقديره بالثلاث أنه علم أن حاجتهم في التأهب للسفر يكتفى فيها بهذا القدر، فلم يزد عليه.
-
قالوا: روي أن عمر - رضي الله عنه - أجلى أهل الذمة من الحجاز ثم ضرب لمن دخل منهم تاجرا مقام ثلاثة أيام.
-
ولو كانت الخمسة عشر هي المدة لما حد الثلاث.
-
والجواب: أنه يجوز أن يكون فعل ذلك لأن هذه المدة أدنى المدد التي يتمكن فيها من التصرف، وما زاد عليها يحتج إليه فقدرها تضييقا عليهم؛ ألا ترى أنه لم يقدر ذلك بأربعة وإن لم تكن مدة للإقامة عندهم.
-
قالوا: قال الله تعالى:
-
ثم قال: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} ، فدل ذلك على أن الثلاث قريب.
-
ولا يدل على أن الأربع ليس بقريب.
-
ويجوز أن يكون كل واحد منهما قريبا وإن كان أحدهما أقرب.
-
قالوا: كل مدة زادت على مدة المسح في السفر وجب أن تقطع القصر، كمدة خمسة عشر يوما.
-
قلنا: هذا يبطل بمن نوى أربعة أيام مع يوم الخروج،
-
ومن نوى ثلاثة أيام وبعض اليوم الرابع. ولأن هذا إثبات مدة بقياس، والمقادير لا تثبت قياسا، والمعنى في
-
١/٨٨٤١/٨٨٤
الخمسة عشر أنها يجوز أن تفصل بين دمي الحيض، وليس كذلك ما دونها؛ لأنه لا يفصل بين دمي الحيض، فلم يكن مدة للإقامة.
-
قالوا: المدة التي تغير الفرض إلى القصر ابتداء لا تقدر بخمسة عشر.
-
وكذلك المدة التي تغير الفرض إلى الانتهاء لا تقدر بخمسة عشر.
-
قلنا: اعتبار إحدى المدتين يتقدر بيومين، والأخرى بستة،
-
وكذلك على قولنا لا يمتنع أن يختلفا.
-
قالوا: الإتمام إنما يوجب بطول المقام، والثلاث في حد القليل، ولذلك قدر بها مدة الخيار، فوجب أن يعتبر ما زاد عليها.
-
قلنا: الثلاث وإن كانت في حكم القليل في حكم فقد جعلت في حكم الكثير في حكم آخر؛ بدلالة أنها أقصى مدة الخيار وأكثر مدة المسح، فدل على أن ما جعل قليلا في حكم لا يكون كذلك في كل حكم.