مسألة ٢٦٦
التجريدالحنفيةالمسائل ٧٬٥٤٤ إلى ٧٬٥٩٣
-
١/١٠٢٤١/١٠٢٤
إذا ترك الصلاة معتقدا لوجوبها، حبس وعزر حتى يصلي
-
قال أصحابنا: إذا ترك الصلاة معتقدا لوجوبها، حبس وعزر حتى يصلي.
-
وقال الشافعي: يقتل. واختلف أصحابه، فمنهم من قال: إذا ترك الأولى وتضيق وقت الثانية قتل. ومنهم قال: إذا ترك ثلاثة وتضيق وقت الرابعة قتل. ونص الشافعي على أنه يقتل بالسيف.
-
وقال ابن سريج يضرب بالعصا وينخس بالسيف حتى يصلي أو يأتي على نفسه.
-
١/١٠٢٥١/١٠٢٥
لنا: قوله - عليه السلام -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس) .
-
ولا يقال: إن قتل تارك الصلاة ثابت بخبر آخر فيضم إليه كما ضم نهيه - عليه السلام - عن كل ذي ناب من السباع إلى قوله: (إلا أن يكون ميتة) ؛ لأن الضم إنما يصح إذا لم يسقط شيء من الخبر،
-
ولو ضممنا في مسألتنا بطل قوله: (إلا بإحدى ثلاث) ، فصار الحكم بتعلق بإحدى أربع.
-
ولا يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب قتل المسلم بكفر يوجد مع الإسلام، وهذا لا يكون إلا في ترك الصلاة؛ لأنه كفر بعد إيمان، وهذا لا يقتضي اجتماعهما. ولأنه إيقاع عبادة شرعية، فتركه لا يوجب القتل، كالحج والصوم والزكاة.
-
ولا يلزم ترك الزنا؛ لأنه ليس بإيقاع عبادة؛ ألا ترى أن الزنا له أضداد، فالنهي عنه لا يكون أمرا بشيء من أضداده.
-
ولا يلزم التصديق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها عبادة عقلية لها وقت يكره فعلها فيه، كالحج. ولأنها عبادة تنتقل بجنسها، كالصوم. أو عبادة لها تحريم
-
١/١٠٢٦١/١٠٢٦
وتحليل. أو عبادة يطرأ عليها الفساد. أو عبادة تؤدى وتقضى، كالحج،
-
ولا يلزم الإيمان؛ لأنه لا يوصف بالفساد.
-
ولا يقال: المعنى في الحج والصوم أنه تقع النيابة فيها بالبدن والمال فلذلك لم يقتل بتركها، والصلاة [لا تقع] النيابة فيها عندهم في ركعتي الطواف إذا حج عن غيره، فلم يصح هذا الفرق. ولأنها عبادة يبطلها الحدث، كالوضوء.
-
ولا يقال: [إن] الوضوء تاركه تارك للصلاة، فيقتل عندنا؛ لأنه يقتل لترك الصلاة، لا لترك الوضوء. ولأنها عبادة شرط فيها تقديم الإيمان، كالصوم.
-
ولا يقال: إن المقصود من الصلاة لا يحصل بغيره؛ وذلك لأن المقصود من الحج والصوم لا يحصل إلا بالنية، وذلك لا يقع بغيره،
-
فإن اقتصروا على ظاهر الفعل فمثله في الصلاة ممكن؛ لأنه يوضأ ويجبر على القيام والركوع والسجود خلف إمام حتى لا يحتاج إلى القراءة. ولأنه لا يخلو أن يقتل بترك الأولى أو الثانية،
-
ولا يجوز أن يقتل بالأولى؛ لأنها فائتة، ووقت فعلها غير متضيق.
-
ولا يجوز أن يقتل بالثانية؛ لأنها لم تفت عن وقتها،
-
فلا يقتل بها، كالأولى.
-
ولا يقال: إنه يضرب عندكم فيلزمكم مثل ما ألزمتمونا؛ لأن العازم على ترك الصلاة يضرب عندنا بالعزم،
-
فلا يلزمنا [ما ألزمناهم] .
-
احتجوا: بقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ، ولم يقتل المشركين، ورفع القتل عنهم بشرط التوبة وإقامة الصلاة.
-
والجواب: أن الآية لا تتناول موضع الخلاف؛ لأن من يسلم ارتفع
-
١/١٠٢٧١/١٠٢٧
القتل المتعلق بالكفر بالإجماع،
-
فإذا ترك الصلاة ابتداء فإنما يجب القتل عليه عندهم: قتل آخر غير ذلك القتل،
-
فلا يصح الاستدلال. فأما [من] فعل الصلاة ثم تركها فلا شبهة أن الآية لا تفيد قتله؛ لأن الصلاة إذا سقطت سقط القتل. ولأن إقامة الصلاة المذكورة [في الآية] المراد بها: اعتقاد وجوبها؛ بدلالة أن قتل الكافر يسقط بالاعتقاد وإن لم ينضم إليه الفعل بالإجماع، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} .
-
ولا يقال: إن حمل الإقامة على الاعتقاد مجاز؛ لأنه مجاز صرنا إليه بدليل مجمع عليه.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة،
-
فمن تركها فقد كفر) .
-
قالوا: وقد علمنا أنه لم يرد به كفر يخرج به عن الإسلام، فثبت أن المراد به بعض أحكام الكفر، وهو القتل؛ وذلك لأن الكفر حقيقة يقتضي الجحود، وهذا
-
١/١٠٢٨١/١٠٢٨
لا يكون إلا في تارك الاعتقاد، وجب حمل اللفظ على حقيقته. ولأنا نحمل الصلاة على الاعتقاد، وهو مجاز، ونحمل الكفر على حقيقته، ويحملون الصلاة على حقيقة الفعل، ويحملون الكفر على مجازه، فتساوينا في الظاهر. على أن الترك حقيقة يقتضي تركا من جميع الجهات، وهذا لا يكون إلا في ترك الاعتقاد والفعل معا.
-
ولا يقال: إن حمله على الاعتقاد يسقط فائدة تخصيص الصلاة، وحمله على الفعل لا يسقط فائدة التخصيص؛ وذلك لأنه يجوز أن يخص الصلاة؛ لأنها أشرف العبادة، فيخصها بالوعيد. ولأنها تجب على كل واحد [وإن كانت العبادة يختلف وجوبها. ولأنها ما يستدل بها على الإسلام، وذلك لا يوجد] في غيرها.
-
ولأنهم إذا حملوا الخبر على ثبوت بعض أحكام الكفر فكذلك نقول؛ لأن الضرب والحبس من أحكام الكفر في المرتدة عندنا.
-
قالوا: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (نهيت عن قتل المصلين) ، فدليله أنه لم ينه عن قتل غيره،
-
فإذا لم ينه عن قتله ثبت وجوبه، أي: وجوب قتله بالإجماع.
-
قلنا: نحن لا نقول بدليل الخطاب؛ لأن المراد: نهيت عن قتل من هو من أهل الصلاة؛ بدلالة أن المعتقد للفعل لا يقتل بإجماع قبل فوات الوقت، فدليله أنه يقتل من لم يكن من أهل الصلاة، وكذلك نقول.
-
قالوا: الصلاة عبادة محضة تجب لا بفعله، لا يدخلها النيابة ببدن ولا مال فجاز أن يقتل بتركها، كالإيمان. أو لأنها أحد الأركان الخمس لا يدخلها النيابة مقصودة بوجه.
-
والجواب: أن هذه الأوصاف كلها موجودة في الفائتة.
-
ولا يقال: إنه كان يقتل لأجلها قبل فواتها؛ لأن الصلاة الأولى لا يقتل
-
١/١٠٢٩١/١٠٢٩
لأجلها في الوقت ولا بعده.
-
ولا يقال: إن التعليل لجملة الصلاة؛ لا نعكس كلامهم من طريق المعنى. ولأن المعنى في الإيمان أنه عبادة مقصودة لا تفتقر إلى شرائط تتقدم عليها، فلهذا جاز أن يقتل بتركها، ولما كانت الصلاة لا تصح إلا بتقديم الإيمان عليها صارت كسائر الشرعيات.
-
قالوا: صلاة مشبهة بالإيمان؛ لأنها لا تفعل إلا خالصة لله تعالى، وسائر العبادات [يفعل مثلها] لغير الله تعالى؛ لأنه يتطهر تبردا، ويمسك عن الأكل تداويا، ويدفع تلطفا، ويحج لتجارة، والإيمان والصلاة لا يفعلان إلا لله، وقد قال الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} ، أي: صلاتكم.
-
والجواب: أن الصلاة قد تفعل نفاقا ومراءاة،
-
فلا يقصد بها الله تعالى، والحج إذا فعل للتجارة فهو مفعول لله تعالى وإن انبعث للتجارة في سفره.
-
قالوا: تسمية الصلاة إيمانا.
-
فلا حجة فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الإيمان بضع وسبعون خصلة، أدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، فسمى ذلك إيمانا.
-
١/١٠٣٠١/١٠٣٠
قالوا: أحكام الشرع التابعة للإيمان ضربان: مأمور به، ومنهي عنه، قم في المنهي عنه: ما يقتل بفعله مع اعتقاد وجوبه، وهو الزنا والقتل، كذلك يجب في المأمور ما يجب القتل بتركه مع اعتقاد وجوبه.
-
قلنا: عندنا المأمور به من طريق الشرع يجوز أن يقتل بتركه، وهو ترك التزام الجزية وترك التعظيم للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
ولأن المنع من الزنا لا يقتل [بتركه وإنما يقتل بإيقاع] فعل آخر، وهو جحود الصلاة لغير الله تعالى.
-
١/١٠٤٣١/١٠٤٣
مسائل الجنائز [٢٦٧ - ٢٩٥]