مسألة ٧٢٢
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٤٬٠٨٨ إلى ٢٤٬١٦٠
-
١/٢٩٢٩١/٢٩٢٩
الحجر عليه بعد بلوغه رشيدًا وطروء السفه والتبذير عليه
-
قال أبو حنيفة: إذا بلغ رشيدًا، دفع إليه ماله،
-
فإن طرأ عليه السفه والتبذير لم يحجر عليه.
-
وقال الشافعي: يحجر الحاكم عليه، وتصرفه قبل الحجر جائز.
-
لنا: قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا} بعد ذكر المداينة، فأجاز مداينة السفيه ولم يفصل.
-
يدل عليه ما روي: (أن حبان بن منقد أصابته آمة في رأسه وأثرت في عينيه، فكان يغبن في البيع، فجاء أهله رسول - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: احجر عليه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تبع، فقال: لا أصبر عن البيع، فقال: إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا) ،
-
فلو كان الحجر واجبًا للسفيه لم يمنع - صلى الله عليه وسلم - منه، لأنه
-
١/٢٩٣٠١/٢٩٣٠
لا يصبر عن التصرف
-
فإن قيل: سؤالهم الحجر عليه يدل على أنهم عرفوا ذلك من الشرع.
-
قلنا: قد عرفوا الحجر للمجنون، فظنوا أن ما أصابه بلغ به حد الجنون الموجب للحجر.
-
فإن قيل: إنما لم يحجر عليه لأنه لما قال: (لا أصبر عن البيع) دل على أنه يقصد التجارة،
-
ولا يقصد تضييع المال.
-
قلنا: من قصد التجارة وهو غير عارف بها، ويتلف ماله فيها، فيحجر عليه وإن لم يقصد تضييع المال.
-
قالوا: فلم قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبع) ؟.
-
قلنا: إن المبذر نهاه الحاكم عن البيع طلبا لمصلحة لا على وجه الحجر.
-
ولأنه مكلف؛ فلا يحجر الحاكم عليه في ملكه، كالمصلح.
-
ولأنه لم يستفد التصرف من جهة غيره؛
-
فلا يجوز الحجر عليه في ماله، كسائر الناس.
-
ولأن من جاز إقراره فتصرفه في ماله، كالمصلح.
-
ولأنه إذا جاز تصرفه في نفسه وحرمة المال تابعة لحرمة النفس فجواز تصرفه في المال أولى.
-
فإن قيل: العاقل [لا يتهم في الإقرار بما يهلك نفسه، ويهتم في تضييع المال.
-
١/٢٩٣١١/٢٩٣١
قلنا: إنما يتهم العاقل] في صرف المال في الشهوات،
-
فأما أن يتهم في أن يقر بماله فيتلفه بغير عوض فلا.
-
وإن جاز أن يقر في ماله بغير حق فيتلفه جاز أن يقر على نفسه بما لا أصل له فيتلفها.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل فليمدل وليه بالعدل} ، فأثبت للسفيه وليا، فدل على جواز الحجر عليه.
-
الجواب: أن الله تعالى قد ذكر في أول الآية: المداينة،
-
ثم ذكر السفيه المديون فدل على جواز مداينته، وهذا ينفي الحجر.
-
وأما ذكر الولي فقد قيل: إن المراد به: ولي الدين؛ لأن السفيه إذا عجز أن يمل أملى ولي الدين لقدرته على الإملاء،
-
فإذا سمع السفيه فاعترف بما عليه لزمه، ويحتمل: أن تكون الكناية راجعة إلى السفيه، فأثبت عليه الولاية، ويحتمل أن يكون المراد به: ولي الدين، وهو الذي تولى العقد بأمره.
-
وإذا احتملت الولاية هذه الوجوه، لم يكن ما ادعوه من أن المراد بها ولي السفيه بأولى مما ذكرنا. بل ما قلنا أولى؛ لأنه ذكر السفيه، والضعيف،
-
ومن لا يستطيع الإملاء،
-
ثم ذكر الولاية، ولا يجوز أن يكون المراد فيمن لا يقدر على الإملاء ولاية الحجر، فلم يبق إلا أن يكون المراد بها ما ذكرناه؛ يبين
-
١/٢٩٣٢١/٢٩٣٢
ذلك: أن السفيه يعبر عن خفة العقل، وعن السفه باللسان والتبذير والفساد،
-
فإذا حملنا الولاية على ما ذكرناه كان ذلك عامًا في وجوه السفه كلها،
-
وإذا حملوه على ما قالوا خصوه بنوع من السفه دون بقية أنواعه، وفيما ذكرناه ... أولى.
-
ويبين ذلك: أن إقرار السفيه عليه لا يقبل إلا فيما وليه من العقود عندهم، والآية تقتضي الإملاء بكل حال،
-
فإذا حملناها على ما قدمنا جوزنا الإقرار ولم نخصص، فكان ذلك أولى من حمله على ما يؤدي إلى التخصيص.
-
فإن قيل: ذكر الله تعالى المدين الذي عليه الحق ووصفه، فالكناية ترجع إليه لا إلى صفته.
-
قلنا: قال الفراء: إن شئت جعلت الهاء راجعة إلى الحق،
-
وإن شئت إلى المديون، فدل ذلك على جواز الرجوع إلى كل واحد منهما.
-
احتجوا: بما روي (أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضًا بستين ألف درهم، فغبن فيها، فقال علي - رضي الله عنه -: لآتين أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - أن يحجر عليك، فذكر ابن جعفر ذلك للزبير، أنا شريك فيها، فجاء علي - رضي الله عنه - إلى عثمان - رضي الله عنه - فذكر ذلك له، فقال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟) .
-
١/٢٩٣٣١/٢٩٣٣
قالوا: وقال ابن الزبير: (لئن لم تنته عائشة لأحجرن عليها) .
-
الجواب: أن توصل ابن جعفر إلى إسقاط الحجر يدل على أنه لا يرى ذلك واجبًا، وما عده الزبير له يدل على أنه يراه جائزًا؛ إذا لو كان حكمًا واجبًا لم يجز له التوصل إلى إسقاطه، ولوجب أن يحجر أن عثمان على الزبير أيضًا؛
-
لأنه تساوى مع ابن جعفر في تضييع المال.
-
فإن قيل: إنما لم يحجر لأن الزبير كان مشهورًا بحفظ ماله وبمعرفة التجارات، فعلم أنه لم يغبن فيما شاركه فيه الزبير.
-
قلنا: روي أن عثمان - رضي الله عنه - قال: (ما يسرني أن تكون لي هذه الأرض بنعلين) .
-
فهذا يدل على أنه تحقق الغبن، إلا أنه استعظم أن يحكم على مثل الزبير بخلافه.
-
وأما خبر عائشة - رضي الله عنه - فقد روي: أنها حلفت أن لا تكلم ابن الزبير، وهذا إنكار منها لقوله،
-
ولو كان ما قاله حكمًا ثابتًا لم يجز أن تنكره.
-
١٦٦/أ ١٤٤٦١ - فإن قيل: إنما أنكرت أن يكون ما فعلته/ موجب الحجر.
-
١/٢٩٣٤١/٢٩٣٤
قلنا: لو كان كذلك ثبت، فلما لم يبين دل على أن إنكارها انصرف إلى جميع الكلام.
-
قالوا: قال الله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} ، ولم يمكن المنع من ذلك إلا بالحجر.
-
قلنا: بل يمكن المنع منه بالنهي والإنكار، كما يفعل في المعاصي.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله كره لكم ثلاثًا: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ، وبالحجر يتوصل إلى المنع من ذلك.
-
قلنا: الخبر يقتضي النهي،
-
وكذلك تقول، والقاضي يزجر عنها وينكر على فاعلها،
-
ولا يحجر عليهم فإنه منع الحجر بها.
-
قالوا: لأنه معنى إذا قارن البلوغ منع دفع المال إليه،
-
فإذا طرأ بعده أوجب انتزاعه من يده، كالجنون.
-
قلنا: يبطل بالشك في حاله، هل هو رشيد أم لا؟
-
ولو قارن البلوغ منع من تسليم المال،
-
ولو تجدد الشك لم ينزع ماله من يده.
-
ولأن الجنون لما تعلق الحجر به لم يقف على حكم الحاكم، ولما لم يثبت الحجر على المبذر من غير حكم، لم يثبت بالحكم.
-
قالوا: كل من كان في الحجر عليه نظر له، صح الحجر عليه، كالمراهق.
-
١/٢٩٣٥١/٢٩٣٥
قالوا: ولأن المراهق كالسفيه في تضييع المال ولا إثم عليه، فلأن يحجر على من يبذر ويأثم أولى.
-
قالوا: ولأن المراهق يحجر عليه خوف التأذي، فلأن يحجر ينفس التبذير أولى.
-
١٤٤٧٣ - الجواب: أن المراهق لا يجوز تصرفه في نفسه فلا يجوز في ماله، والمبذر يجوز تصرفه في نفسه حتى يجوز إقراره بالقصاص والحدود، ولذلك يجوز تصرفه في ماله.
-
ولأن الغالب من أمر الصبيان أنهم يضيعون المال ولا يهتدون إلى المصالح، فأجرى حكم الأغلب على الجميع، فحجر على من لا يبذر منهم، والغالب من حال الباغين أنهم يهتدون إلى حفظ المال ويحفظونه، فالتبذير نادر فيهم، فأجرى حكم الأغلب على النادر ولم يحجر عليه.
-
قالوا: شهوات البالغ أعظم من شهوات المراهق، فهو أشد لتضييعه، فالحجر عليه أولى.
-
قلنا: الأمر وإن كان كما ذكرتم إلا أن المراهق في الغالب لا يهتدي إلى المصالح فيحفظ ماله عليه؛ والبالغ يهتدي إلى مصالح ويقدر على حفظ ماله،
-
فإذا أحب أن يضيعه لم يحجر عليه؛ ألا ترى: أن الصبي يولى عليه لحفظ ماله وإصلاحه، لأن ماله لو كان محظوظًا بنفسه كالعقار،
-
فإن الحاكم يولي من يحفظه ويعمره ويستغله لعجزه عن القيام بذلك،
-
ثم البالغ الذي ليس بمبذر إذا لم يثمر ماله لم يل الحاكم من يثمر ماله، لأنه قادر على ذلك بنفسه، كذلك في الحفظ مثله.