حكم اللواط
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٥٬٨٥٥ إلى ٤٥٬٩١٨
-
١/٥٩١٠١/٥٩١٠
قال أبو حنيفة: اللواط لا يجب فيه الحد.
-
وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يقتل بكرًا كان أو ثيبا.
-
والقول الآخر: أنه كالزنى يجلد إن كان بكرًا، ويرجم إن كان ثيبًا والكلام في هذه المسألة في فصول أولها: في تفسير المسألة. وثانيها: في أن هذا الوطء لا يسمى زنى. والثالث: في أن البكر لا يقتل.
-
فأما الدليل في تفسير المسألة: فقوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} . فأوجب على الرجلين الفاعلين الفاحشة الأذى وهذا ينفي وجوب الحد.
-
فإن قيل: الآية منسوخة بحديث عبادة
-
قلنا: النسخ رواه الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة ونسخ القرآن لا يثبت بخبر الواحد.
-
ولأن الله تعالى قال: {والآتي يأتين الفاحشة} ثم قال {أو
-
١/٥٩١١١/٥٩١١
يجعل الله لهن سبيلاً} ولم يذكر ذلك في قوله تعالى {والذان يأتيانها منكم} فلم ينصرف إليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا) . ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان.
-
وزنى بعد إحصان. وقتل نفس بغير نفس) . وهذا ينفي القتل بوجه رابع.
-
فإن قيل: هذا زنى.
-
قلنا: قد اختلف في كونه زنى. فلم يجز أن نوجب الحد بالشك.
-
ولا يدخل في الظاهر بالتجويز لأنه وطء لا يستباح بعقد فلم يجب به حد كوطء الزوجة في الموضع المكروه.
-
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه مختلف في إباحته. وهذا وطء متفق على تحريمه.
-
قلنا: الاختلاف في الإباحة لا يسقط الحد عندهم. بدلالة شرب النبيذ. وعلة الفرع تبطل بوطء الحائض والجارية المشتركة وجارية الابن. ولأنه وطء لا يؤدي إلى اختلاط النسب كما لو وطئ فيما دون الفرج.
-
[فإن قيل: الوطء فيما دون الفرج] لا يتعلق به حد في الأجنبية،
-
وإن وجب الحد بوطئها في الفرج كذلك في مسألتنا لا يساغ الحد في الوطء فيما دون الفرج. لا يدل على سقوطه في السبيل.
-
قلنا: هذا هو الصحيح لعلتنا. لأن وطء الأجنبية في الفرج يؤدي إلى اختلاط النسب فجاز أن يجب به الحد. ووطئها فيما دون الفرج لا يؤدي إلى هذا فلم يتعلق به حد. ووطء الرجل في السبيل وفيما دونه لا يؤدي إلى اختلاط النسب فاستويا في سقوط الحد ولأنه وطء لا يتعلق به وجوب مال بحال كما لو وطء فيما دون الفرج.
-
ولأن حد الزنا يختص بالوطء. والأحكام المختصة بالوطء لا تتعلق بهذا الوطء أصله الإحصان، والإباحة للزوج الأول، ولأن عقد النكاح لا يبيح هذا الوطء من الزوجة، وما لا يملك بالنكاح فاستيفاؤه من الزوجة كاستيفائه من الأجنبية [بدلالة قطع
-
١/٥٩١٢١/٥٩١٢
يدها فلما يجب الحد إذا استوى هذا الوطء من الزوجة كذلك الأجنبية].
-
فإن قيل: يبطل بوطء الحائض.
-
فإن النكاح ما أباحه، واستيفاؤه من الزوجة لا يوجب الحد.
-
قلنا: النكاح يملك به وطء الزوجة الحلال والحرام. إذا وطئها في حال الحيض حلت للزوج الأول واستقر المهر عند مخالفنا.
-
وأما الدليل على أنه لا يسمى زنى: فلأن أهل اللغة أفردوه باسم، وسموا الوطء في الفرج زنى. والطريق في تمييز الأسماء هذا الطريق. فإنه يطول عليهم أن يقولوا: هذا لا يسمى كذا ولا كذا. فكل مفرد باسم لا يتناوله باسم غيره إلا أن يدل على ذلك دليل.
-
لأنه وجد في زوجته لم يسم زنى مع تحريمه وقبحه. ولأنه لم يحلل بالنكاح.
-
فلو سمي زنى في غير الزوجة [كان زنى فيها لوجود] التحريم وعدم الملك فيه.
-
فإن قيل: إن الله تعالى سماه فاحشة، والفاحشة الزنى.
-
قلنا: الفاحشة اسم لكل كبيرة. فكل زنى فاحشة، وليس كل فاحشة زنى. قوله تعالى:
-
{ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقال: {قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منا وما بطن} .
-
وإذا ثبت أنه ليس بزنى، والله تعالى أوجب الحد في الزنى فلم يجز أن يلحق به إيجاب ذلك الحد [في غير نوعه] ولأنه وطء ليس بزنى كالوطء فيما دون الفرج.
-
والدليل على أن البكر لا يقتل: أنه إذا وطئ في الفرج لم يجب عليه القتل.
-
فإذا وطئ في السبيل الآخر لم يجب عليه القتل كالمكره. ولأن الزنى متفق على وجوب الحد فيه [وهذا مختلف في حكمه] فإذا لم يسووا الزنى البكر والثيب فهذا أولى.
-
ولأنه واطئ لم يتقدم وطؤه بنكاح فلا يجب عليه القتل كالزاني.
-
فإن قيل: الوطء في الفرج يستباح بحال يخف حكمه، وهذا لا يستباح بحال فيغلظ حكمه.
-
١/٥٩١٣١/٥٩١٣
قلنا: وطء المرأة فيما دون الفرج محال، ووطء الرجل فيما دون الفرج لا يستباح. وقد تساويا في وجوب التعزيز فيهما. ووطء الأم لا يستباح بحال. وقد ساوى وطء الأجنبية في وجوب الحد فيهما على وجه واحد.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {والآتي يأتين الفاحشة من نسائكم} يعنى الزنى.
-
ثم قال: {أتأتون الفاحشة} . فسمى هذا فاحشة فدخل في الآية. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) .
-
قلنا: أما الآية فقد بينا أنها حجة لنا،
-
وأن نسخها بخبر الواحد لا يجوز، وبينا أن الفاحشة اسم لكل كبيرة.
-
فإذا سمى الله تعالى هذا [الفعل] فاحشة لم يجب أن يكون زنى.
-
قالوا: روى أبو موسى الأشعري أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان) .
-
قلنا: هذا خبر لا يعرف ولا وجدناه في كتاب يرجع إلى مثله،
-
ولا عرف إسناده فنتكلم عليه.
-
ولو ثبت لم يدل لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمنا الأسماء اللغوية وإنما يعلمنا الأسماء الشرعية والأحكام. ولم يقل أحد: إن هذا اسم منقول فلم يبق إلا أن يكون معناه فحكمهما حكم الزانيين. واحتمل وجوب الحد واحتمل في باب الإثم، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر،
-
ولا يجوز حمله عليهما لأن العموم يعتبر في الألفاظ دون المعاني. يبين ذلك أنهم رووا في هذا الخبر: (إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) وقد أجمعنا على أنه لم يرد بذلك أن حكمهما حكم الزانيين في باب الحد.
-
قالوا: فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل من غير إنزال فصار كفرج المرأة.
-
قلنا: يجب الغسل للاحتياط، والحد يسقط بالاحتياط فلم يجز أن
-
١/٥٩١٤١/٥٩١٤
يستدل بوجوب الغسل على وجوب الحد. والمعنى في الفرج أن المال يجب بالوطء فيه.
-
فإذا لم يجب جاز أن يجب الحد. وهذا السبيل لا يجب المال بالوطء فيه. فلم يجز إيجاب الحد.
-
فإن قيل: المال والحد عندكم يتنافيان ولا يجتمعان. فكيف نستدل بأحدهما على الآخر.
-
قلنا: يتنافيان إلا أنهما يتعاقبان ويخلف أحدهما الآخر [ولا يجوز] أن يثبت فيه أحدهما،
-
ولا يجوز أن يثبت للآخر.
-
احتجوا في وجوب القتل بكل حال: بما روى عبد الله بن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أنه قال: (لعن الله من عمل عمل قوم لوط. فاقتلوا الفاعل والمفعول به) . قالوا: روى أبو هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (ارجموا الأعلى والأسفل) .
-
قلنا: حديث ابن عباس هو المعروف في هذا الباب، وهو خبر واحد مداره على عمرو عن عكرمة. وحديث أبي هريرة رواه عاصم عن عمرو عن سهيل بن أبي صالح. قال الطحاوى: وكل واحد منهما لا تقوم بروايته حجة عند أهل الحديث وهذا الحكم لا يثبت بخبر الواحد القوي فكيف بالضعيف، فيمن ضعفه أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تكلموا في هذا اختلفوا في عقوبته، وقال كل واحد منهم غير
-
١/٥٩١٥١/٥٩١٥
ما قال الآخر، وهي قصة مشهورة، فلم يرو واحد منهم شيئًا في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان صحيحًا لروى عند الحاجة إليه.
-
ولو ثبت لم يدل. لأن الذي يعمل عمل قوم لوط هو المستحيل لهذا الفعل،
-
ومن فعل ذلك مستحلا ارتد، ووجب قتله بالردة تارة رجما، وتارة غير رجم. كما يجوز أن يمثل بالمرتد. وعلى هذا الخبر لا يعارض به قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) لأنه خبر مشهور متفق على استعماله والرجوع إليه.
-
وهذا الخبر يقتضي إثبات القتل بمعنى تابع لأن على هذه الطريقة لا يجعلونه زنى، وإنما يوجبون فيه حد الزنى،
-
وكذا بين البكر والثيب. والخبر الظاهر المتفق عليه لا يجوز معارضته إلا بمثله.
-
قالوا: روي عن أبي بكر وعلي وابن عباس وابن الزبير. وخالد بن الوليد أن اللوطي يقتل. واختلفوا في كيفية القتل. قال علي: يحرق أو يرجم وقال ابن عباس: يرجم. وقال علي: يرمى من شاهق.
-
قلنا: هذا الاختلاف يدل على أنهم لم يعرفوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا. على ما روي في خبر يحتمل أن يكون من فعل ذلك مستحلا فلهذا مثلوا به. والمثلة إنما [تكون في المرتدين] .
-
قالوا: هذا الفعل أغلظ من الزنى. لأنه لم يبح ذلك [فلذلك يغلظ] حكمه بقتل فاعله بكل حال.
-
قلنا: الزنى لم يبح بحال، وإنما أبيح مثله إذا وقع في نكاح أو ملك يمين. فقد تساوى الزنا واللواط. ولأن هذا الفعل [لم يبح من الزوجة] بحال،
-
ولا يجب به الحد. ولأن وطء ذات المحارم لم يبح في الجملة. وهذا الوطء لا تدخله إباحة بحال.
-
١/٥٩١٦١/٥٩١٦
قلنا: [العبرة هي] الحظر في حق الفاعل أو الإباحة فأما في حق غيره فلا معنى لاعتباره.