مسألة ٥٢٩
التجريدالحنفيةالمسائل ١٦٬٣٠٨ إلى ١٦٬٣٩٥
-
١/٢٠٧٢١/٢٠٧٢
حكم المحرم الدال على صيد فقتل
-
قال أصحابنا: إذا دل المحرم حلالا، أو محرما على صيد فقتله، فعلى الدال المحرم الجزاء.
-
وقال الشافعي: لا شيء عليه.
-
وإن دل الحلال في الحرم،
-
فمن أصحابنا من قال: المسألة اختلف فيها أبو يوسف وزفر، فقال أبو يوسف: لا ضمان فيه.
-
وأما أبو حنيفة، فليس عنه رواية.
-
وقد ذكر أبو الحسن أنه لا ضمان على الدال الحلال في الحرام عند أبي
-
١/٢٠٧٣١/٢٠٧٣
حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد.
-
لنا: إجماع الصحابة. وروى محمد بن الحسن، عن يعقوب بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: (أتى عمر بن الخطاب، قال: إني أشرت إلى ظبي، [وأنا محرم] ، فقتله رجل، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ما ترى؟، قال: شاة، فقال: أنا أرى ذلك) .
-
وعن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن محرمًا أشار إلى حلال ببيض نعام، فجعل عليه علي بن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهما جزاء. وعن أبي عبيدة بن الجراح مثله.
-
وعن عطاء قال: أجمع الناس على أن على الدال الجزاء. قال الطحاوي: ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار إجماعًا.
-
ويمكن أن يستدل به من وجه آخر، وهو: أن القياس لا يدل عليه،
-
فإذا قاله الصحابي فالظاهر: أنه قاله توقيفًا.
-
قالوا: روي عن ابن عمر: أنه قال: ليس على الدال جزاء.
-
قلنا: لو صح هذا لم يخف على الطحاوي على أنه محمول على دلالة لم يتصل بها التلف حتى لا يحمل قوله على خلاف الجماعة.
-
على أنه قال ما يوافق القياس، والصحابي إذا قال ما يخالف القياس لا
-
١/٢٠٧٤١/٢٠٧٤
بقوله إلا توفيقًا.
-
ولأنه فعل حظره الإحرام بمنع أكل الصيد، فجاز أن يجب بجنسه الجزاء، [كالقتل.
-
ولأنه سبب يختص بتحريم أكل الصيد، فجاز أن يجب بجنسه الجزاء]، كالرمي ونصب الشبكة.
-
فبين ذلك: أن الدلالة تحرم الصيد مع كونه مذكى.
-
ولا يلزم إذا مات الصيد حتف أنفه؛ لأن هذا لا يختص بتحريم الصيد.
-
ولا يلزم إذا صال عليه صيد وقتله؛ لأن هذا السبب يجوز أن يتعلق به الضمان؛ لأنه مباشرة.
-
ولا يلزم إذا ذبح شاته فلم يستوف شرائط الذكاة؛ لأن هذا/ سبب تحريم لا يختص بالصيد.
-
ولا يلزم الأمر؛ لأن من قاله: لا يحرم الأكل، وعلى أنه من جنس الدلالة، ونحن طلبنا وجوب الجزاء بالجنس.
-
فإن قيل: ذبح المحرم الصيد يتعلق به التحريم على جميع الناس،
-
ولا يتعلق به الجزاء.
-
قلنا: تحريمه على جميع الناس؛ لأنه ليس بمذكى، وهذا حكم لا يختص بالصيد.
-
ولأنا نعني بالسبب: أن يوجد من الإنسان سبب يختص بالتحريم، وسائر الناس لم يوجد منهم سبب.
-
ولأنه معنى لا يتوصل إلى إتلاف الصيد إلا به، فجاز أن يتعلق به الجزاء، كالإمساك.
-
١/٢٠٧٥١/٢٠٧٥
فإن قيل: المعنى في الناسى: أنه يضمن به الآدمي، والدلالة لا يضمن بها الآدمي، فلم يضمن بها الصيد.
-
قلنا: قد يضمن الصيد بما لا يضمن به الآدمي؛ بدلالة: أن من حبس حرًا حتى مات: لم يضمنه،
-
ولو حبس صيدًا حتى مات: ضمنه،
-
وكذلك يضمن بما لا يضمن به المال، بدلالة: أن من غصب طائرًا فتلفت فراخه، ضمنها عند الشافعي،
-
ولا يضمن الصيد بالإمساك،
-
ولا يضمن الآدمي بالإمساك.
-
فإن قيل: المعنى في الأصل وهو القتل: أنه مهلك متلف، فلهذا وجب به الجزاء، والدلالة لا تفضي إلى التلف، [فلما لم يتعقبها الضمان، لم يتعلق بها الضمان.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بما إذا صال عليه،
-
وأما علة الفرع؛ فلا نسلم أن الدلالة لا تفضي إلى التلف؛ لأن فعل المدلول ينضم إليها، فيتعلق التلف بفعل المباشر صادرًا عن الدلالة، كحفر البئر الذي يقع التلف بوقوع الواقع في البئر.
-
ثم الضمان لا يتعقب الحفر، ويتعلق بسببه عند الوقوع فيه، كذلك نصب الشبكة. ولأنه عقد على نفسه عقدًا خاصًا التزم به صيانة الصيد عن الإتلاف،
-
فإذا دل عليه جاز أن يضمنه بالدلالة؛ أصله: المودع إذا دل على الوديعة من أتلفها.
-
فإن قيل: المودع لزمه الحفظ بصنعه، وبالدلالة عليه ترك الحفظ فلذلك ضمنه، والمحرم لم يلزمه الحفظ، فلم يضمن بالدلالة.
-
قلنا المحرم لزمه الحفظ للصيد من أفعاله المؤدية إلى تلفه،
-
فإذا دل عليه، لم يحفظه الحفظ الذي لزمه، فهو كالمودع الذي لزمه الحفظ من فعله وفعل سائر الناس.
-
ولأنه فعل محظور في الإحرام لم يتوصل إلى أخذ الصيد إلا به، فجاز أن يتعلق بسببه الضمان، كنصب الشبكة.
-
١/٢٠٧٦١/٢٠٧٦
احتجوا بقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} ؛ دليله: أن من لم يقتل فلا جزاء عليه. وهذا غلط؛ لأن دليل الخطاب هو الحكم إذا علق بوصف دل على نفي ما عداه، فيقضي: أن من فعله خطأ وجب عليه الجزاء،
-
فأما الذي قالوه وهو الحكم المتعلق بالآدمي فلا يدل على نفي ما عداه على قول محتمل، ألا ترى: أنا إذا قلنا: زيد عدل، لم يدل ذلك على أن غير زيد ليس بعدل.
-
قالوا: بأنه صفة توالت عليه دلالة وجناية، فوجب أن يتعلق الضمان بالجناية، لا بالدلالة، كما لو دل حلال حلالا على صيد في الحرم.
-
قلنا: لا يمنع أن يستوي تحريم الدلالة في الحرم وفي حق المحرم، ويتعلق الضمان بأحدهما دون الآخر، كما أن تحريم الطيب يستوي فيه الإحرام والعدة، ويتعلق الضمان باستعمال الطيب في حال الإحرام،
-
ولا يتعلق به في العدة، على أن الدلالة في الحرم قد بينا أن من أصحابنا من التزم بها، وقال: لا نعرف الرواية فيها.
-
ولأن ضمان الحرم يجب بالأفعال المجردة عن الإتلاف، بدلالة: استعمال الطيب، ولبس المخيط. والدلالة فعل مجرد عن الإتلاف، وليس استمتاعًا، فهي أضعف من هذه الأفعال وأولى أن لا يتعلق بها ضمان، وليس كذلك الضمان الواجب في الإحرام، فيجوز أن يجب بأفعال تتجرد عن إتلاف، فيجوز أن يجب بالدلالة أيضًا.
-
ولأن من أصلنا: أن ضمان الحرم يجري مجرى ضمان الأموال؛ لأنه يجب لا لمعنى في الفاعل، والأموال لا تضمن بالدلالة.
-
قالوا: ولأنه سبب لا يضمن به الآدمي بحال، فلم يضمن به الصيد، كالدلالة الظاهرة.
-
وربما قالوا: سبب لا يضمن به صيد الحرام، فكذلك الصيد في حق المحرم.
-
١/٢٠٧٧١/٢٠٧٧
قلنا: ضمان الصيد آكد من ضمان الآدمي؛ بدلالة: أن من فزع عبدًا حتى أبق؛ لم يضمنه،
-
فلو نفر صيدًا فخرج من الحرم أو تلف، يضمنه. فكذلك لا يمتنع أن يجب ضمان الصيد بالدلالة وإن لم يضمن الآدمي بالدلالة.
-
والمعنى في الدلالة الظاهرة: أنها لا تختص بالإتلاف، بدلالة: أن من دل رجلا على ما يعلم به المدلول ويستفيد بالدلالة فائدة، ويتوصل بها إلى الإتلاف،
-
[بخلاف من دل على ما لا يعلم به المدلول ولم يستفد بالدلالة فائدة؛ فالدلالة توصل إلى الإتلاف] في موضع دون موضع، فلهذا ضمن في أحد الموضعين دون الآخر.
-
ولأن الدلالة الظاهرة لا يضمن بها المودع الوديعة، والدلالة الخفية يضمن بها المودع الوديعة، فجاز أن يضمن بها الصيد.
-
قالوا: سبب يفضي إلى التلف،
-
فإذا لم يتعقبه ضمان لم يجب به الجزاء، كالدلالة الظاهرة.
-
قلنا: يبطل بدلالة المودع على الوديعة، فإنه سبب لا يفضي إلى التلف،
-
ولا يتعقبه ضمان. ويتعلق به الضمان إذا انضم إلى الدلالة الإتلاف، والمعنى في الدلالة الظاهرة ما ذكرنا.
-
قالوا: نفس مضمونة؛ فوجب أن لا يضمن بالدلالة، كالآدمي.
-
ولأن الآدمي أعظم حرمة، بدلالة: أنه يضمن بالقود وبمائة من الإبل، والصيد يضمن بالقيمة أو بمثله،
-
ثم يثبت أن الآدمي لا يضمن بالدلالة، فلأن لا يضمن الصيد بها أولى.
-
قلنا: قد بينا أن الصيد آكد في باب الضمان من نفس الآدمي؟، بدلالة: أنه لا يضمن بالتنفير الآدمي، ويضمن الصيد بالتنفير.
-
وكذلك إذا حفر بئرًا
-
١/٢٠٧٨١/٢٠٧٨
في ملك نفسه فوقع فيها صيد، ضمن.
-
ولو وقع فيها آدمي لم يضمن.
-
وقولهم: إن من أصحابنا من قال لا يضمن الصيد إذا حفر له في ملكه لا يلتفت إليه؛ لأن ابن القاص قال في التلخيص: نص الشافعي في هذا على وجوب الضمان، وليس إذا كان ما يضمن به الآدمي أكثر مما يضمن به الصيد، دل على أن ضمانه آكد، ألا ترى: أن العبد عندهم يضمن بأضعاف ما يضمن به الحر، ولم يدل ذلك على تأكد حرمة العبد وضمانه على الحر.
-
[ثم الدلالة على قتل الآدمي لم يتعلق بالمال، فيها حكم المتلفين، فلم يجب عليه ضمان] ، وقد تعلق على الدال على الصيد، بدلالة حكم المتلفين، فلذلك تعلق به وجوب الضمان.
-
قالوا: موضوع الأصول: أنه متى اجتمع مباشرة وسبب غير ملجئ،
-
فإذا تعلق الضمان بالمباشرة لم يتعلق بالسبب، كالحافر، والدافع، والممسك، والذابح.
-
قلنا: هذا فرض نسلمه في محرم دل محرمًا على صيد،
-
فأما إذا دل حلالا، فلم يتعلق بالمباشرة ضمان،
-
فلا يتعلق بالسبب عندهم، وكان الواجب إذا لم يجب ضمان على المباشر أن يضمن فاعل السبب عندهم، كالمحرم إذا أمسك صيد الحلال فقتله.
-
قالوا: الضمان على الممسك؛ لأن المباشر لم يضمن، فكذلك كان يجب في مسألتنا إذا دل حلالا، فالضمان لم يتعلق بالمباشر، فيجب أن يتعلق بالسبب.
-
وقد قالوا: لو أمسك المحرم صيدًا فقتله محرم، فالصحيح من المذهب: أن الضمان عليهما، فقد اجتمع هاهنا سبب غير ملجئ ومباشرة، فتعلق الضمان
-
١/٢٠٧٩١/٢٠٧٩
بالمباشرة والسبب.
-
وقولهم: إن الضمان يتعلق بهما، فكذلك نقول في مسألة الدال المحرم إذا دل محرمًا،
-
ويبطل ما قالوه [بالمودع إذا دل سارقًا على الوديعة فأتلفها، ضمن مع وجودها] .
-
ثم السبب والمباشرة إذا اجتمعا فتعلق الضمان بالمباشرة لم يتعلق ضمان الإتلاف بالسبب. وعندنا في مسألة الصيد لا يجب على الدال ضمان الإتلاف، وإنما يجب ذلك على المتلف، ولزم الدال ضمان آخر يسند إلى الدلالة، ليس هو ضمان الإتلاف.
-
ولأن الأنفس والأموال لا تضمن من وجهين،
-
فإذا ضمنت بالمباشرة، لم تضمن بالدلالة، والصيد يجوز أن يضمن من وجهين، فلذلك جاز أن يجب على المتلف ضمان وعلى الدال ضمان آخر.
-
قالوا: دلالة مضمونة على محظور إحرامه، فلم يتعلق بها ضمان على الدال، كمن دل محرما على طيب فتطيب به، أو مخيط فلبسه.
-
قلنا: الكفارة في الطيب واللبس لا تجب إلا باستمتاع، والدلالة غير مستمتع بها، والصيد يضمن بالإتلاف وبالأسباب المؤدية إليه، والدلالة سبب يفضي إلى الإتلاف. ولأن الدال في مسألة الطيب والمخيط لا يتعلق به حكم يختص باستعماله، فلم يلزمه الكفارة، والدال في مسألة الصيد/ قد عاد إليه حكم يختص بالإتلاف، وهو تحريم الأكل، فلذلك تعلق به الضمان،
-
فإن قاسوا على إعارة السكين، قلنا: إن كان لا يتوصل إلى إتلاف الصيد إلا بها ضمنه،
-
وإن كان يقدر على إتلافه بغيرها، فهذا السبب يختص بالإتلاف؛ لأنه لا يتوصل إلى إتلاف الصيد إلا به، فلذلك تعلق به الضمان.