مسألة ٥٧٦
التجريدالحنفيةالمسائل ١٨٬٢٦٢ إلى ١٨٬٥٠٩
-
١/٢٢٨٧١/٢٢٨٧
السبب في فساد العقد عند وجود التفاضل
-
قال أصحابنا: العلة في فساد العقد عند وجود التفاضل: زيادة كيل في جنس المكيلات، أو زيادة وزن في جنس الموزونات، هذه عبارة شيخنا أبي بكر الرازي.
-
وقد اختار غيره من شيوخنا أن العلة: الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس، وهذا تعليل لكون النوع فيه ربا، والأول لفساد العقد.
-
واختار أبو طاهر التقدير الشرعي مع الجنس، فعلل الأشياء الستة بعلة واحدة.
-
ومن أصحابنا [من قال] : عدم العلم بالمساواة من طريق الكيل في المكيلات مع الجنس، وعدم العلم بالمساواة من طريق الوزن مع الجنس.
-
وقال الشافعي في القديم: العلة: الجنس، والكيل، والأكل أو الجنس
-
١/٢٢٨٨١/٢٢٨٨
والأكل والوزن.
-
وقال في الجديد: العلة في الأشياء الأربعة: مطعوم جنس، وفي الذهب والفضة: جنس الأثمان وهو قيمة المتلفات.
-
وأصحابه يقولون: أثمان جنس، ومنهم من قال: جنس ما يقدر به المتلف.
-
والكلام يترتب في هذه المسألة في فصول سبعة، فأولها: أن يدل على صحة علتنا وترجيحها، والثاني: فساد علتهم، والثالث: أن يدل على ثبوت حكمنا، وهو ثبوت الربا في المكيلات التي لا تؤكل، والرابع: أن يبطل حكمهم،
-
١/٢٢٨٩١/٢٢٨٩
وهو أن نبين، أن لا ربا في المأكولات التي لا تكال ولا توزن، والخامس: أن يدل، على صحة علتنا في الموزونات، والسادس: إبطال علتهم، والسابع: أن يبين، إباحة باطنه بالجنس، والتمرة بالتمرتين.
-
أما، الدليل على صحة علتنا: فما روي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل كيلًا بكيل، والذهب بالذهب مثلًا بمثل، وزنًا بوزن) .
-
فنص على اعتبار الكيل في الأشياء الأربعة، والوزن في الذهب والفضة، أما أن يكون ذكر الكيل؛ فلأنه سبب في الحكم أو العلة والاهتمام بالتنبيه على العلة أشد، والظاهر: أن الكيل/ والوزن علة الحكم.
-
يبين، ذلك أنه: روي: (أنه [عليه الصلاة والسلام] نهى عن بيع الطعام [بالطعام إلا مثلًا بمثل، وعن بيع الذهب بالذهب] إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن) ،
-
فلو علق الإباحة بالمماثلة في المقدارين، دل أن ما زاد عن قدرها على الحظر، ألا
-
١/٢٢٩٠١/٢٢٩٠
ترى، أنه عليه الصلاة والسلام [إذا نهى] عن الصلاة إلا بطهارة، دل على فقدها علة الحظر؟.
-
فإن قيل: فهذا يقتضي أن تكون العلة منصوصة، وقد أجمعوا على أنها مستخرجة.
-
قلنا: هذا تنبيه، وليس بتعليل؛ لأن لفظ التعليل: (لأنه كذا) ، وهذا، الضرب يعلم بنظر واستدلال فليس بمنصوص.
-
فإن قيل: وجوب التساوي بالكيل هو الحكم والمطلوب تعليله.
-
قلنا: الحكم فساد البيع أو جوازه، والتساوي في الكيل والتفاضل فيه علته؛ ألا ترى: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة إلا بطهور) ؟ بيان العلة وليس بيان الحكم وإن كان قد نص عليه، والحكم هو فساد الصلاة وصحتها.
-
فإن قيل: فقد ذكر في الخبر عينا بعين ولم يدل ذلك على كونه علة.
-
قلنا: منع منه الإجماع، ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (والفضل ربا) ، وهذا نص على أن علة الحكم: زيادة الكيل والوزن.
-
وروى أبو بكر بن عياش، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن
-
١/٢٢٩١١/٢٢٩١
عبادة، وأنس بن مالك، - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك،
-
فإذا اختلف النوعان فلا بأس به) . فلما حصل اعتبار المماثلة بما كيل ووزن دل على أن العلة النقدية.
-
قال الدارقطني: (لم يروه عن الربيع غير أبي بكر، وخالفه جماعة فرووه بغير هذا اللفظ، وهذا طعن لا يلتفت إليه؛ لأن الإسناد، صحيح، واختلاف الرواة في اللفظ على الربيع لا يقدح فيه، ونسي الدارقطني خبر خيار المجلس، واختلاف الرواة على نافع حتى لم يتفق منهم اثنان بواد، ولم يقدح هناك بكثرة الاختلاف.
-
ويدل عليه: أن العلة، نقضت لتأثيرها في الأحكام، والحكم المطلوب فساد العقد وصحته، ولوجه، التفاضل في القدر، والتساوي [تأثير في العقد، لم يوجد مثله في الاختلاف في الطعم، والتساوي] فيه، ألا يرى، أنه يجوز لا بيع قفيز جيد بقفيزين عسين، لاختلافهما في الكيل وإن تساويا في الطعم،
-
وإذا كان التأثير في فساد العقد وصحته لما ذكرناه، كان اعتبار، علة الحكم أولى.
-
قالوا: العلة عندنا كونه مطعومًا، وهذا معنى لا يتزايد.
-
قلنا: وكذلك العلة عندنا كونه مكيلًا أو موزونًا، وهذا معنى لا يتزايد، لكن، لما كان ما ذكرناه علة أثر الكيل الذي صار به مكيلًا، ثم وجدنا
-
١/٢٢٩٢١/٢٢٩٢
الطعم الذي به صار مطعومًا لا يؤثر، دل على أن كونه مطعومًا ليس بعلة.
-
فإن قيل: قد يؤثر اختلاف الطعم؛ لأن من ابتاع طعامًا فوجده عفنًا رده لنقصان طعمه.
-
قلنا: هذا تأثير في إثبات الخيار، ونحن نطلب تأثيرًا في صحة العقد وفساده، وهذا هو الحكم المعلل.
-
ولأن الحكم المعلل يوجد بوجود علتنا وهو التساوي في الكيل، ويعدم بعدمها، مع وجود الطعم في الحالتين على وجه واحد، فدل على أنها هي العلة.
-
فإن قيل: الحكم يوجد بوجودها ولا يعدم بعدمها؛ لأن من باع صبرة بصبرة لا يعلم قدرهما، فالبيع فاسد، فلم تعدم العلة.
-
قلنا: غلط، علة الجواز: العلم بالتساوي من طريق الكيل، وقد زال ذلك؛ لأن معنى قولنا؛ وجود التساوي في الكيل والتفاضل فيه، وما ذكروه من الطعم الجمع على اعتباره، فكان تعليق الحكم فيما أجمع على تعلقه به، واعتباره فيه أولى.
-
ولأنا إذا اعتبرنا النقدية جعلنا المضموم إليه أكثر الجنس في الأشياء الستة معنى واحدًا، فهو أولى من التعليل بعلتين كل واحدة منهما لا تعم الأصل.
-
فإن قيل: اعتبار النقدية يبطل بالمذروعات والمعدودات.
-
قلنا: إنما يعتبر النقدية في المدعى الذي علقته الشرعية، وهو جواز البيع أو فساده.
-
وأما الدليل على إبطال علتهم: فلأنها تبطل ببيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا، يجوز مع كونه مطعومًا.
-
فإن قالوا: ليس بمطعوم؛ لأنه محرم قبل الذبح.
-
١/٢٢٩٣١/٢٢٩٣
قلنا: يلزمكم السمك، والجراد، وهو مطعوم مباح يجوز التفاضل فيه.
-
فإن قيل: ليس بمطعوم.
-
قلنا: غلط؛ لأن أكله ممكن ومباح، لكن لا يعتاد، إلا أنه يصلح، فهو كاللحم بالحيوان،
-
ولا يجوز التفاضل فيه وليس بمطعوم في الحال حتى يستصلح.
-
وتبطل علتهم بالعرايا؛ لأنه بيع مطعوم من غير مماثلة.
-
فإن قيل: لا يجوز عندنا إلا بعد أن يعلم تماثلهما في حال الادخار.
-
قلنا: المماثلة المأخوذة من علتنا في الشرعية هي المماثلة كيلًا، وذلك لم يوجد.
-
وتبطل علتهم بالطين الخراساني.
-
فإن قيل: أكله سنة.
-
قلنا: هو مأكول مشتهى وإن كان فيه ضرر، وهذا موجود في كثير من المطعومات. ولأن الطعم ليس بعلم المقدار فلا يكون علة، كاللون، والاسم.
-
ولأن الطعم لا يضم إلى الجنس، فيكون علة في الموزونات،
-
وكذلك لا يضم إلى الجنس فيكون علة على المكيلات، كاللون والرائحة،
-
ولا يلزم؛ لأنه مقدار، وذلك مضموم إلى الجنس في الموزونات عندنا.
-
ولأن زيادة الطعم ليس لها تأثير في فساد البيع،
-
فلا يكون علة له مع الجنس، كالاقتيات.
-
١/٢٢٩٤١/٢٢٩٤
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على الأشياء الستة، وبين فيها حكمًا، وهو جواز بيع بعضها ببعض بصفة، وامتناعها بصفة، فلم يقصد فساد بعضها ببعض في حال، [وعلة مخالفنا تؤدي إلى ثبوت الربا في أجناس محرم بيع بعضها ببعض في حال] ، مثل: البطيخ، والرمان، وهذا إثبات الحكم في الفرع
-
بخلاف ما يثبت في الأصل.
-
فإن قيل: يجوز بيع البطيخ والرمان بجنسه وزنًا.
-
قلنا: فالأصل المعلل حكمه اعتبار المماثلة من طريق الكيل، والعلة تؤدي إلى خلاف حكم الأصل من هذا الوجه.
-
وأما الدليل على حكمنا: وهو ثبوت الربا في المكيلات المطعومة وغير المطعومة: فما قدمناه من خبر الربيع بن صبيح، وما روي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين،
-
ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الربا) ، ومعلوم أنه لم ينه عن بيع الذي هو في المكيال، فدل على أنه نهى عن بيع مال بالصاع، وهذا علة في كل مكيل.
-
فإن قيل: ما يدخل تحت الصاع مضمر في الخبر، فكيف يعتبر عموم المضمر؟.
-
قلنا: اسم الصاع يتناول في الحقيقة المكيل، ويتناول في الحقيقة الكيل المقدر.
-
الدليل عليه: ما روي: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير) .
-
١/٢٢٩٥١/٢٢٩٥
ويقول القائل: هذا قفيز، وبعتك قفيزًا من هذا الطعام،
-
وإذا تناولها الاسم حقيقة،
-
ثم دل الدليل على أن أحدهما لم يرد، بقي الآخر. ويدل عليه حديث سعيد بن المسيب، قال: سمعت أبا سعيد الخدري وأبا هريرة رضي الله عنهما [يحدثان: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل سواد بن غزية أخا بني عدي بن النجار، على خيبر، فقدم عليه بتمر جنيب، يعني جيد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أكل تمر خيبر هكذا، (قال لا، وإنما اشتريت الصاع من هذا بالصاعين من الجمع، والصاعين بالثلاثة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تفعلوا، ولكن بيعوا تمركم بثمن، واشتروا به هذا،
-
وكذلك الميزان) ، وهذا عام في كل موزون.
-
فإن قيل: حقيقة الميزان اسم لما يوزن به، وذلك غير مراد والموزون لا يسمى ميزانًا حقيقة،
-
فلا نعلم أن أهل اللغة تجوزت بتسميته بذلك، فلم يصح الاحتجاج به.
-
١/٢٢٩٦١/٢٢٩٦
قلنا: (ثبت أن أهل اللغة تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه. فقوله:
-
(وكذلك الميزان) ، يعني به ذي الميزان، والاسم إذا بطل حمله على حقيقته لم يكن بد من حمله على التوسع. والبطلان أيضًا لا يجوز في كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم يبق إلا أن يحمل على ما ذكرنا.
-
ولأنه زيادة في كيل، كالحنطة بالحنطة.
-
فإن قيل: المعنى فيها أنها مطعومة.
-
قلنا: من الحكم.
-
فإن قيل: فلا يظن التفاضل فيها لينقض بالمتساويين في الكيل إذا تفاضلا في الوزن،
-
وإن فاته فلا يجوز التفاضل فيها كيلًا؛ فقد عللت كما ذكرناه، وضممت إليها وصفًا آخر، وهذا لا يجوز.
-
فإن قيل: الرماد/ مكيل جنس ولا ربا فيه، والسنبل فيه ربا، وليس بمكيل.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن الرماد فيه ربا عندنا إذا اعتيد بيعه كيلًا.
-
فأما السنبل فهو مكيل، لكن يقف على صفة، وهو أن يفارق الوعاء، ونرى الطعام في جوالق.
-
وأما الدليل على بطلان حكمهم في المطعوم الذي ليس بمكيل: فلأن ما يضمن بقيمته [في جميع الأحوال لا ربا فيه كالثياب.
-
ولا يلزم الحلي؛ لأنه يضمن بقيمته إذا كان لصناعته قيمة،
-
وإذا لم تكن ضمن بالنقد؛ ولأنه جنس الذهب وذلك لا يضمن بقيمته] بكل حال.
-
١/٢٢٩٧١/٢٢٩٧
أو نقول: جنس يجب على مستهلكه القيمة، فيجرى الربا في نقده.
-
ولأن البطيخ والرمان يباع في العادة عددًا،
-
فلا يثبت فيه الربا، كالثياب.
-
ولأنهما عينان باقيتان عل أصل خلقتهما، لا يجوز بيع كل واحد منهما على الانفراد ... بالأحرى، كسائر الأعيان.
-
ولأن كل جنس جاز بيعه؛ جاز بيع بعضه ببعض، أصله: الطعام والثمن.
-
فإن قالوا: يجوز بيع ذلك وزنًا، فقد تكلمنا،
-
وإن كان تركا للمعروف في المذهب.
-
ولأنا أجمعنا على ثبوت الربا في المطعومات الموزونة،
-
فلا يخلو إما أن يكون [ذلك] فرعًا للأشياء الأربعة؛ لأن الحكم فيها وجود المماثلة كيلًا، فلم يبق إلا أن يكون فرعا للذهب والفضة والحكم [بوجود المماثلة وزنًا] .
-
وأما الدليل على صحة علتنا من الموزونات: فقوله عليه الصلاة والسلام: (وكذلك الميزان) .
-
وحديث عبادة وأنس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا) .
-
ولأنها زيادة وزن في جنس فتعلق بها التحريم، كالأثمان.
-
ولأن زيادة الوزن تؤثر في الفساد، والمساواة فيه تؤثر في الصحة، فدل أنه العلة. ولأن للوزن تأثيرا في الحكم بإجماع؛ فتعليق الحكم به أولى.
-
وأما الدليل على إبطال علتهم: فلأنها غير متعدية، والعلة إذا لم يدل عليها إلا الطرد فإذا لم ينعقد: لم تصح.
-
١/٢٢٩٨١/٢٢٩٨
فإن قيل: (لا يمتنع أن يعلل الأصل بعلة لا تتعداه كما عللتم الخمر.
-
قلنا: عندنا يجوز ذلك إذا دلت الدلالة على صحة العلة، واستفيد من الدليل المنع من التعدي إلى الفروع، ويستفاد معنى الحكم، وإلا منعنا أن تعلل علة لا دليل عليها إلا الطرد، وهي غير متعدية.
-
ولو سلمنا أنها علة صحيحة كان تعليل الأصل بعلة متعدية أولى؛ لأنها تفيد حكم الفروع، والعلة العامة أولى، وما يتعدى أولى مما لا يتعدى.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الأشياء الستة وجعلها أصولًا لغيرها،
-
وإذا كانت الأشياء الأربعة معللة فيما يتعدى إلى الفروع؛ فالظاهر أن البقية تتعدى أيضًا ليكون حكم الجميع حكمًا واحدًا.
-
ولأن علتهم تبطل بالفلوس؛ لأنها- إذا نفقت- أثمان فلا ربا فيها؛ لأنها لا يعرف بها القدر لكونه ذهبًا.
-
وأما الدليل على جواز بيع التمرة بالتمرتين والحبة بالحبتين: أن ذلك يباع في العادة عددًا، كالثياب.
-
ولأنه ليس بمكيل ولا موزون، فصار كالجوز، والبيض.
-
ولا يلزم الماء؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز بيعه متفاضلًا.
-
ولا يقال إنها تكال بآلة صغيرة كقشر الفستقة، وتعجيل لا يسع تمرة واحدة؛ لأن الكيل عبارة عما وضع لمعرفة المقادير في العادة، وهذا لا يوجد فيما قالوا.
-
١/٢٢٩٩١/٢٢٩٩
ولأن الوعاء إذا علمت لتمرة واحدة؛ لم يعلم زيادتها ونقصانها،
-
فلا يكون ذلك كيلًا؛ ألا ترى: أن العقد به لا يجوز عند مخالفنا، فدل أنه ليس بكيل.
-
ولأن ما جاز بيع كثيره بالكثير جاز بيع قليله بالقليل، كالذهب، والفضة.
-
ولأن مستهلكه يلزمه قيمة؛
-
فلا يدخل الربا في نقده، كالثياب.
-
احتجوا: بما روي عن معمر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل) .
-
قالوا وهذا يدل على أن ثبوت الربا في كل مطعوم؛ لأن اسم الطعام يقع على كل مطعم لعينه شرعًا؛ قال الله تعالى:
-
{ومن لم يطعمه فإنه منى} الآية (٧) ، وقال تعالى: {كل الطعام كان حلًا لبنى إسرائيل} ، وقال تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ، وأراد به الذبائح.
-
وقالت عائشة رضي الله عنها: (عشنا زمانًا ما كان لنا طعام إلا الأسودان: التمر، والماء) ، وهذا دليل على ثبوت الربا فيما لا يكال من المطعومات ولا يوزن.
-
١/٢٣٠٠١/٢٣٠٠
والثاني: أنه نهى عن بيعه إلا مثلًا بمثل، ولم يفرق بين قليله وكثيره، وهذا يبطل قولكم في الحبة بالحبتين: إن ذكر الصفة في الحكم تعليل، كقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ، وكقوله عليه الصلاة والسلام: (في سائمة الغنم زكاة) ، وكقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا} ، وقوله: {جزاء المحسنين} {إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينًا} .
-
والجواب: أن إطلاق الطعام يتناول بعض المطعومات دون بعض، بدلالة قولهم: سوق الطعام، لا يتناول ذلك سوق الصيادلة.
-
ولا يقال: إن أكل الإهليلج أنه أكل الطعام، أو يجوز العموم في كل المطعومات، لا نسلم.
-
وقولهم: إن تسمية الطعام يعني في معرفة العرب، غلط؛ لأن الكوفة والبصرة مصرتا والقوم عرب تثبت الحجة بقولهم، وسموا هذه الأسواق بلغتهم،
-
ثم راوي الخبر قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير.
-
ولو سلمنا لهم الحقيقة لم يكن بد من حمل قول معمر على العرف،
-
ومتى وجد معنى الاسم في المعرف كان حمل الكلام عليه أولى من حمله على معناه اللغوي، فسقط اعتبار العموم من الخبر.
-
ولأن الخبر لو حمل على كل ما يطعم، اقتضى وجوب اعتبار المماثلة في الجنسين،
-
١/٢٣٠١١/٢٣٠١
وهذا خلاف النص والإجماع، فعلم أن المراد به ما ذكرناه.
-
وأما قولهم: إنه لم يفصل بين القليل والكثير، وقد أجمعوا أن المماثلة التي ذكرها في الخبر كيلًا، فاقتضى ذلك ما يتأتى فيه الكيل دون ما لا يتأتى.
-
فأما قولهم: إن ذكر الطعام كالتعليل،
-
فلا يصح؛ لأن تعليق الحكم بالاسم لا يجعله علة؛ الدليل عليه قوله عليه [الصلاة] والسلام: (لا بأس ببيع الحيوان بالحيوان اثنين بواحد يدًا بيد) .
-
ولم يدل ذلك على اختصاص الحكم بالحيوان،
-
وكذلك) نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان)، ونهيه عن بيع الطعام قبل القبض).
-
وأما قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا} ، و {الزانية والزاني فاجلدوا} ، فهذه أسماء الفاعل فذكرها ذكر الفاعل، وكأن لا فرق بين من سرق فاقطعوه، وقوله: {والسارق} ، {فاقطعوا} ، وليس هذا من مسألتنا في شيء.
-
على أن من أهل الأصول من يقول: (إن قوله: {والسارق والسارقة} يدل على
-
١/٢٣٠٢١/٢٣٠٢
وجوب القطع فلا يدل اللفظ على أن السرقة علة، وإنما يعلم ذلك بدليل منفصل، وهو أن السرقة فعل منكر والقطع نكال، فيستدل بذلك على النكال لأجل ذلك الفعل، وهذه المعاني كلها معدومة في قوله: (الطعام بالطعام) .
-
فإن قيل: خص الطعام بالذكر دون غيره،
-
ولو كان الجص والنورة مثله، لم يكن للتخصيص معنى.
-
قلنا: كما خص النهي عن بيع الطعام قبل القبض،
-
وإن كان الطعام بعده سواء.
-
احتجوا بقوله تعالى: {الذين يأكلون الربوا} ،
-
ولا يجوز أن ينهي عن أكل ما لا يتأتى فيه الأكل.
-
قلنا: نهى عن أكل الربا، واقتضى ذلك ثبوت الربا في المأكول، وغيره موقوف على الدليل.
-
ولأن الأكل يفيد التناول، بدلالة: قوله تعالى:
-
{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ، وقال تعالى:
-
{ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ، والمراد بذلك الأخذ والتناول.
-
ولأنه نهى عن أكل الربا وعن أخذه بقوله تعالى: {وما آتيتم من ربًا ليربوا في أموال الناس} ، فاقتضى مجموع الأمرين النهي عن القطع والأخذ والأكل.
-
احتجوا بحديث عبادة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب،
-
ولا الورق بالورق، ولا الشعير بالشعير،
-
ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء) .
-
١/٢٣٠٣١/٢٣٠٣
قالوا: وهذا عام في التمرة الواحدة والحبة الواحدة، فاقتضى أنه لا يجوز بيعها بتمرتين وحيتين.
-
قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الأشياء الستة لينبه بها على غيرها، والعلة التي يحفظ أصلها ويلحق غيره به أولى من العلة التي تخص أصلها.
-
ولأن العموم يخص بما يعارضه وينافيه ولا يخص بما يوافقه، والعلة/ المستنبطة من الأصل توافقه في حكمه ولا تخالفه؛ فبطل أن يقع بها تخصيص أصلها.
-
والجواب: أنا تتبعنا الأخبار فلم نجد هذا اللفظ في شيء منها، وإنما الخبر المروي: (الذهب بالذهب) ، وروي: (أنه نهى عن الذهب [بالذهب] إلا مثلًا بمثل) ،
-
فأما: (لا تبيعوا إلا مثلًا بمثل) فما وجدناه في كتاب يرجع إليه.
-
ولأن الخبر لم يتناول إلا ما فيه الكيل والوزن؛ بدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الجواز بشرط، وهو التساوي من طريق الكيل والوزن؛ فدل [على] أن فساده لعدم ذلك الشرط، كما قال: (لا تصل إلا طاهرًا) ، لما علق جواز الصلاة بالطهارة كان فسادها متعلقًا بعدمها، وهذا إنما يكون فيما يتأتى فيه الكيل،
-
فأما الحبة والحبتان؛ فعندهم لا يجوز بيع بعضها ببعض متساويًا ومتفاوتًا، وعندنا يجوز بيعها على الوجهين جميعًا، فعلم أن الخبر لم يتناول ذلك، وإنا لم نخصه.
-
فإن قيل: نهيه عليه [الصلاة و] السلام عن [بيع] البر بالبر عام في
-
١/٢٣٠٤١/٢٣٠٤
القليل والكثير، ثم استثنى منه بيعًا بصفة، وهو ما وجدت فيه المساواة، فما لم يوجد فيه المساواة على أصل النهي.
-
قلنا: لما جعل العلة المجوزة للبيع التساوي في الكيل، فالفساد متعلق بالتفاضل فيه، وذلك لا يكون إلا فيما يمكن كيله،
-
فأما [ما] لا يمكن فلا يجوز أن يتعلق جواز العقد به، ويتساوى الكيل فيه، وجوازه لعدمه.
-
فإذا ثبت هذا، فعلتنا قد حفظت أصلها وعمت جميع ما تضمنه الخبر.
-
ثم لو سلمنا ما قالوه لم تكن علتنا هي المخصصة للأصل، وإنما يخصه علة أخرى منتزعة من المعدودات،
-
فلا يصح قولهم: خصصت أصلها، وبطل أيضًا قولهم: إن التخصيص يقع بما ينافي الشيء ويخالفه لا بما يوافقه؛ لأنا لم نخصص بالعلة المستخرجة، وإنما خصصنا الأصل من العلة الأخرى.
-
قالوا: روي في خبر عبادة - رضي الله عنه -: (حتى الملح) ، والغاية إنما تكون بالأعلى والأدنى، والملح أدنى المأكولات، فصح أن يكون غاية، وهو وغيره في الأكل سواء،
-
فلو كانت العلة الكيل: لم يجز أن يكون الملح غاية.
-
قلنا: الملح أدنى المكيلات المذكورة جعل غاية لذلك، كما أن عندهم لما كان أدنى المأكولات المذكورة جعله غاية.
-
لذلك قالوا: يجوز ذكر الأشياء الأربعة، وهي تكال على وجه واحد لينبه بها على العلة،
-
فلو كانت العلة الكيل اكتفى بأحدهما، وإنما ذكرها لاختلاف حالها في الأكل؛ لأن البر فوق حالة الاختيار، والشعير فوق حالة الاضطرار، والتمر إدام
-
١/٢٣٠٥١/٢٣٠٥
والملح يصلح به المأكولات، فخالف بين حالها ليبين أن العلة هي الأكل.
-
قلنا: الملح ليس بمأكول، وإنما يتبع العلة،
-
فلو كانت العلة لم يذكر الملح.
-
ولأنه ذكر الأشياء الأربعة،
-
ولو كانت تكال على وجه واحد لبين أنها مكيل أبدًا وإن اختلف العادة فيها وما سواه يقف على العادة.
-
ثم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الذهب والفضة وكل واحد منهما مكان الآخر، فالعلة عندهم كونه ثمنًا ثم لم يقتصر على ذكر أحدهما، [كذلك] في المكيلات لا يمنع أن يكون مثله.
-
قالوا: ما دخل الربا في كثيره دخل في قليله، كالأثمان.
-
قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأن قليل الذهب إذ بلغ حدًا لا يتأتى فيه الوزن سقط الربا فيه، [كما أن قليل البر إذا بلغ إلى حد لا يتأتى فيه الكيل سقط الربا فيه] ،
-
فأما إذا كان قليل الذهب موزونًا فهو كقليل البر المكيل، فيثبت فيه الربا.
-
قالوا: الوزن عندكم علة،
-
ثم ثبت الربا عندكم فيما لا يوزن منه، وهو حلي السيوف والخواتم.
-
قلنا: مال كله موزون يتأتى فيه الوزن، وإنما منحه اتصالها بغيرها، فلهذا يعتبر الوزن فيها إذا بيعت بجنسها، وإنما الذهب الذي لا يوزن هو وزن الذهب الذي لا يصح وزن الواحد منه.
-
قالوا: علة الربا بحكم علة الحظر، فالبيع والكيل، علم على الإباحة، فلم يجز أن يكون علة للتحريم والحظر،
-
فإن العلة الواحدة لا تجلب حكمين متضادين في شيء واحد.
-
١/٢٣٠٦١/٢٣٠٦
قلنا: العلة في فساد العقد عندنا زيادة الكيل، وفي جواز التساوي في الكيل، فعلة كل واحد من الأمرين غير علة الآخر.
-
قالوا: فالكيل أحد الوصفين، [وقد صار وصفًا في علة الحظر، ووصفا في علة الإباحة.
-
قلنا: الوصف يتعين] بانضمام غيره إليه. ألا ترى: أن عندهم الجنس أحد وصفي علة الإباحة،
-
ثم العلة الواحدة توجب تحريم شيء وإباحة غيره، كما أن الحيض يحرم الوطء والصلاة ويبيح الفطر، كذلك الكيل في مسألتنا يحرم الزيادة ويبيح التساوي، وهما أمران مختلفان.
-
وإن قلنا: إن العلة الكيل: لم يلزم ما قالوه؛ لأن ذلك علة لتحريم التفاضل في الجنس وإباحة التساوي فيه، وهما أمران مختلفان.
-
قالوا: الأعيان توزن في بلد ولا توزن في غيره، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشيء الواحد فيه الربا في بعض البلاد دون بعض.
-
قلنا: هذا لا يمتنع؛ لأن العلة إن كانت الكيل تعلق الحكم بها في الموضع الذي وجدت فيه، واختلفت المصلحة باختلاف حال أهل البلد في اعتبارهم الكيل والوزن.
-
وهذا كما أن الشمس تغيب في بعض البلاد فيباح الفطر، وهي باقية في غيره فيحرم الفطر، وتزول الشمس في بلد لم تزل فيه الشمس في بلد آخر، فاختلف أهل البلاد باختلاف مطالعهم، ولوجود سبب العبادة فيهم.
-
قالوا: الأكل علة ذاتية والكيل فعلية، والذاتية أشبه بالفعلية، والفعلية أشبه بالشرعية،
-
ولو اجتمعت علة عقلية وشرعية كانت العقلية أولى، كذلك
-
١/٢٣٠٧١/٢٣٠٧
ما أشبه العقلية.
-
قلنا: والأكل يختلف؛ ألا ترى: أن الهبيد تأكله العرب ولا يأكله غيرهم، ولم يمنع اختلاف العادة في الأكل أن يكون علة عندهم.
-
ولأن الأكل اعتياد الناس لفعل الشيء، وفعلهم [له، والكيل اعتياد الناس بيعه كيلًا، وفعلهم] لأحدهما كالآخر.
-
قالوا: علتنا يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وعلتكم يوجد بوجودها ولا يزول بزوالها؛ لأن الحنطة إذا زرعت لا ربا فيها؛ لأنها ليست مأكولة،
-
فإذا نبتت وسنبلت ففيها الربا عندنا وعندكم؛ لأنها مطعومة وليست مكلية،
-
فإذا أحرقت وصارت رمادًا فلا ربا فيها وهي مكيلة.
-
قلنا: السنبل فيه الربا؛ لأنه مكيل،
-
وإن تعذر كيله ما لم ينفصل من وعائه؛ فهو كالحنطة في الوعاء،
-
فأما الرماد إذا بيع كيلًا ففيه الربا لوجود العلة،
-
فإن لم يعتد كيله فلا ربا فيه؛ لأنه لا يعتاد بيعه كيلًا.
-
قالوا: الحنطة فيها ربا مطعومة،
-
وكذلك إذا طحنت وإذا خبزت،
-
فإن قلتم: لا ربا فيه؛ خالفتم الإجماع،
-
وإن قلتم: الربا فيه وزنًا؛ جعلتم الجنس الواحد معللا بعلتين.
-
وتحرير هذا: أنه [جنس واحد؛ فوجب أن يجرى فيه الربا بعلتين، كالأثمان.
-
١/٢٣٠٨١/٢٣٠٨
قلنا: الخبز بالصنعة قد صار في حكم] جنس آخر عندنا، وقد قال أصحابنا: إنه يجوز بيعه بالحنطة متفاضلًا،
-
فلا نسلم أنها عين واحدة عللت بعلتين، بل كل واحدة غير العين الأخرى.
-
قلنا: علة تخالف علة أخرى.
-
قالوا: الكيل والوزن موضوع لمعرفة المقدار، كالعد والذرع؛
-
فلا يكون علة في وصف الربا.
-
قلنا: العد والذرع كل واحد منهما لم يجعل علما للتخلص من الربا، فلم تكن علته فيه، ولما كان الكيل والوزن مقدارًا جعل علمًا للتخلص منه، جاز أن يكون علة فيه.
-
ولأن المذروعات لا ربا فيها،
-
ولا معنى لطلب العلة فيها.
-
ولأن الذرع في المذروع صفة؛ بدلالة: أن من باع ثوبًا على أنه عشرة أذرع فوجده أحد عشر: لم يلزمه رد الزيادة،
-
ولو وجد كون المذروع تسعة أذرع: ثبت له الخيار، كما ثبت لو وجده معيبًا.
-
والربا لا يثبت بالتفاضل في الصفات، بدلالة: جواز بيع قفيز جيد بقفيز رديء.
-
وأما الكيل فليس يجري مجرى الصفات، بدلالة: أن من اشترى طعامًا على أنه عشرة أقفزة، فوجده أحد عشر: رد الزيادة،
-
ولو وجده تسعة: رجع بقسط القفيز من الثمن. فعلم أن الكيل مقدار لإدراك السبب بصفته، والربا يثبت في المقدار.
-
١/٢٣٠٩١/٢٣٠٩
قالوا: الكيل معنى يتخلص به من الربا، فوجب أن لا يكون علة في التحريم، أصله: القبض في المجلس.
-
قلنا: التساوي عندنا في الكيل يتخلص به من الربا، فأما الكيل فلا.
-
ولأن القبض دليلنا؛ لأنه لما كان سببًا للتخلص من الربا كان فقده مؤديًا لوجود الربا كذلك التساوي في الكيل لما كان علمًا على الخلاص كان فقده مؤديًا لوجود الربا.
-
ولأن القبض ليس سببًا للتخلص من الربا؛ لأن الربا هو التفاضل والنساء، والقبض لا يتخلص فيه في النساء بسبب يمنع فساد العقد ويوجب استقراره،
-
فأما أن يتخلص به من الربا فلا.
-
قالوا: زيادة الكيل لا يجوز أن تكون علة؛ لأن التحريم يثبت في الصبرة بالصبرة مع فقد العلم بالزيادة.
-
قلنا: إذا قلنا إن زيادة الكيل علة في فساد العقد لم يخرج منه أن العقد
-
لا/ يفسد بعلة أخرى، ففي الصبرة بالصبرة فسد العقد لمعنى آخر؛ لأن علة الإباحة العلم بالتساوي من طريق الكيل، وقد عدمت فثبت التحريم بفقد علة الإباحة.
-
ولأن زيادة الكيل إذا حرمت العقد والتساوي يبيحه، ففي الصبرة يجوز وجود التفاضل فوجب الحكم،
-
ومتى أثرت العلة عند وجودها وأثرت إذا جوز وجودها لم يتحقق، دل ذلك على تأكدها.
-
احتجوا في علة الأثمان: بأنها علة ولا تنتقض،
-
ولا تخالف نصار ولا إجماعًا.
-
قلنا: هذه الطريقة لا تدل على الصحة؛ لأن المختلفين في المذهب يعلل كل واحد منهما مذهبه بعلة على هذه الصفة،
-
ثم أحدهما بالجملة، فعلم أن
-
١/٢٣١٠١/٢٣١٠
هذا ليس بدليل.
-
قالوا: ما لا يدخل الربا في معموله، لا يدخل في غير معموله، كالطين، وعكسه: الذهب والفضة.
-
قلنا: لا نسلم أن الربا لا يدخل في معمول الحديد والصفر؛ لأن الناس إذا تبايعوا ذلك وزنًا دخل فيه الربا عندنا،
-
فإن تبايعوها عددًا فالمعنى فيه: أنه خرج من حد الوزن، والفضة والذهب لا يخرج من الوزن وإن عمل،
-
فإن كلًا منه ما لا يوزن ولا ربا فيه.
-
وقولهم: السكاكين المحلاة والخواتيم لا توزن، غلط؛ لأنها موزونة وإنما يتعذر الوزن، ولهذا تباع بمقدار ما نظر فيها من الوزن وزيد ثمنها بزيادته.
-
فإن قيل: فالحديد مثله.
-
قلنا: آنية الحديد الذي لا ربا فيه هي التي لا توزن مع إمكان وزنها، وذلك لا يعتبر بالوزن فيها.
-
قالوا: لو كان الوزن مع الجنس علة لكان الوزن بانفراده يحرم النساء كالطعم عندنا، والكيل عندكم، فلما جاز أن تسلم الدراهم في الزعفران، دل أن الوزن ليس بعلة، وظهر بهذا أن كل عينين جاز أن يسلم أحدهما في الآخر لم يجمعهما في الربا علة واحدة، كالدراهم، والثياب، وعكسه الذهب والفضة.
-
قلنا: المعنى المضموم إلى الجنس هو الكيل، وذلك يوجد في شيئين متفقين؛ لأن المكيل مثمن أبدًا، فلما اتفقت الأعيان التي جمعتها العلة في هذه الصفة حرم النساء فيها.
-
فأما الوزن فيوجد في أشياء متفقة كلها مثمنة، كالزعفران، والحديد، والرصاص؛ فوجب تحريم النساء فيها لاتفاقها، كما يوجد في المكيلات، ويوجد في أشياء مختلفة بعضها ثمن وبعضها مثمن، فلما اختلف معناه صار ذلك كاختلاف العلة،
-
١/٢٣١١١/٢٣١١
فجاز أن يسلم بعضها في بعض.
-
يبين ذلك أن المكيلات كلها تكال على صفة واحدة، والموزونات تختلف، فمنها: ما يوزن بالقبان ولا يقع فيها المسامحة اليسيرة، وهو الذهب والفضة، ومنها: ما يوزن بالقبان ويسامح فيه وهو الحديد والرصاص، فدل ذلك على افترق الحكمين.
-
فإن قيل: فيجب أن لا يجوز إسلام التبر والحلي في الزعفران؛ لأن كل واحد منهما مثمن.
-
قلنا: من أصحابنا من قال ذلك. قال قاضي الحرمين: وجدت الرواية عن أبي حنيفة: أن ذلك لا يجوز. ومنهم من قال: إنه من جنس الأثمان وحكمه حكمها، كما أنه يساويهما في تحريم التفاضل ووجود التقابض، وقد ذكر السمناني في الآحاد: أن ذلك يجوز.