مسألة ٥٣
التجريدالحنفيةالمسائل ١٬٧٩٨ إلى ١٬٨٤٢
-
١/٢٧٧١/٢٧٧
سؤر سباع البهائم نجس
-
قال أصحابنا: سؤر سباع البهائم نجس.
-
وقال الشافعي: طاهر.
-
لنا: حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء يكون في الفلاة ينوبه السباع والدواب، فقال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يَحمل خبثًا) ). فلولا أن أسآرها نجسة؛ لم يصح الجواب بذكر الخبث.
-
قالوا: روي في الخبر: تردها السباع والكلاب.
-
قلنا: هذا غير خبرنا، ولأن الخبث يرجع في الظاهر إلى كل واحد من المذكور.
-
قالوا: الغالب أنها إذا وردت الماء راثت فيه، والخبث يرجع إلى
-
١/٢٧٨١/٢٧٨
الروث.
-
وقد روي في بعض الأخبار أنه سئل عن الماء تنوبه السباع وتروث فيه.
-
قلنا: السؤال وقع عن الورود، وذلك لا ينبئ عن الروث، فالظاهر أن الخبث يرجع إلى ما ذكر في الخبر دون ما لم يكن.
-
وما رووه في ذكر الروث فليس في خبر ابن عمر،
-
فلا يلزمنا، ولأنه سبع يمكن الاحتراز منه، فكان نجس السؤر، كالكلب، ولأنه سبع محكوم بنجاسة لبنه، كالخنزير.
-
قالوا: المعنى في الأصل أنه متفق على نجاسته، والسباع مختلف في نجاستها.
-
قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الكلب والخنزير مختلف في نجاستهما، كالسباع سواء.
-
قالوا: المعنى في الكلب أن الشرع ورد بتعفيره، والسباع بخلافه.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بالهر؛ لأن الدارقطني روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يغسل الإناء من ولوغ الهر كما يغسل من ولوغ الكلب) )، وهذا يقتضي التغفير، وعلة الفرع تبطل بالخنزير؛ لأن الشرع لم يرد تعفيره، وهو نجس.
-
قالوا: المعنى في الخنزير بين أهل الذمة يباع.
-
ثم يبطل بحشرات الأرض والحر. ولأن كل حكم ثبت للكلب في الشرع ثبت مثله للذئب، أصله: إباحة قتله حال الإحرام.
-
واحتج المخالف بحديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع، فقال - عليه السلام -: ((لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو
-
١/٢٧٩١/٢٧٩
لنا شراب وطهور)).
-
قالوا: روى جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: ((نعم! وبما أفضلت السباع) ).
-
والجواب: أن الخبر الأول يرويه داود بن الحصين عن جابر، وبينهما رجل. ولأنه ورد في المياة الكثيرة.
-
وعند الشافعي: لا يؤثر فيها النجاسة، فلم يكن في الخبر دلالة على الجواز بطهارتها، بل يجوز أن تكون نجسة، وجواز الوضوء بأسآرها؛ لأن النجاسة عندهم لا تؤثر في الماء الكثير.
-
فأما الخبر الثاني: فيحمل على أن يكون المراد بالحمر: حمر الوحش، والسباع، ولأن هذا الخبر يحتمل أن يكون في حال إباحة لحمها، ويحتمل أن يكون في حال حظرها،
-
وإذا احتمل سقط التعلق به.
-
١/٢٨٠١/٢٨٠
ولا معنى لقولهم: إن السباع لم يبح لحمها في الشرع؛ وذلك لأن الأصل كان الإباحة حتى نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحم كل ذي ناب من السباع.
-
ومعلوم أن هذا الخبر لم يكن في حال إباحتها، وإنما هو بعدها،
-
وأما بين البعثة وهذا الخبر كانت مباحة.
-
ولا يقال: إذا سلمتم أن أسآرها كانت طاهرة ثم ادعيتم النسخ لم تقبل الدعوى إلا بنقل؛ لأنا سلمنا طهارة سؤرها لأجل إباحة لحمها،
-
فإذا زالت علة الحكم سقطت من غير نسخ.
-
ولا يقال: ثبوت تحريمها لا يدل على نجاسة سؤرها؛ لأن سباع الطير محرمة وأسآرها طاهرة، والآدمي محرم وسؤره طاهر، وذلك لما حرم لحمه من غير حرمة وأمكن الاحتراز عنه فهو نجس السؤر.
-
وقد ثبت تحريم سباع البهائم ولم يوجد فيها معنى الاستثناء، فثبت تحريم أسآرها.
-
قالوا: روي أن عمر بن الخطاب وعَمْر بن العاص رضي الله عنهما أتيا ماءً، فقال عمرو للراعي: يا راعي، أترد ماءكم السباع، فقال عمر: يا راعي،
-
١/٢٨١١/٢٨١
لا تخبرنا بشيء، قالوا:
-
ولو كانت نجسة لاحتاط في المسألة.
-
قلنا: هذا الخبر دلالة لنا؛ لأن عمر منع الراعي من الإخبار،
-
ولو كانت طاهرة لم يمنعه ولم يلزمه الاحتياط؛ لأنه لا ظاهر للنجاسة، فلم يرد يلزم بالخبر فرضًا لم يكن لازمًا.
-
قالوا: نوع بهيمة بجوز بيعه، فكان سؤره طاهرًا، كالشاة.
-
قلنا: جواز البيع لا يدل على الطهارة؛ لجواز بيع الأعيان النجسة، وامتناع البيع لا يدل على النجاسة؛ لأن الحشرات لا يجوز بيعها وأسآرها طاهرة.
-
ولأن المعنى في الشاة طهارة لبنها، فكان سؤرها طاهرًا، ولم يحكم بنجاسة لبن السباع، كذلك آسارها. ولأن السؤر ينفصل من اللحم فيمكن الاتراز منه، فصار كما لو قع فيه لحم سبع، وسؤر الشاة ينفصل من لحمها كما لو وقع فيه لحم شاة.
-
قالوا: حيوان يجوز اقتناؤه على الإطلاق، كالإبل.
-
قلنا: الوسف غير مسلم؛ لأن اقتناء السبع كاقتناء الكلب: إن كان لغرض جاز،
-
وإن كان لغير غرض لم يجز، والمعنى في الأصل ما قدمناه.
-
قالوا: حيوان يطهر جلده بالدباغ، كالشاة.
-
قلنا: يبطل على أصلنا بالكلب، ولأن طهارة العين بما يؤثر في الطهارة لا يدل على طهارتها، وإنما يدل على النجاسة؛ لأن الأعيان النجسة تحتاج إلى التطهير، والمعنى في الأصل ما قدمناه.