فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ١٤

التجريدالحنفيةالمسائل ٣٩٦ إلى ٤٧٣

  1. ١/١٠٨١/١٠٨

    المضمضة والاستنشاق واجبتان في الجنابة

  2. قال أصحابنا: المضمضة والاستنشاق واجبتان في الجنابة.

  3. خلافًا للشافعي.

  4. والدليل عليه قوله تعالى:

  5. {وإن كنتم جنبا فاطهروا} والبدن مراد بالاتفاق، فكأنه قال: طهروا أبدانكم، فيفيد كل ما أمكن غسله من البدن. لا يقال: إن الأمر بإيقاع الفعل يقتضي ما يتناوله الاسم، كما قال: صوموا، صلوا، والغسل من غير مضمضة يتناوله اسم التطهير؛ وذلك لأن هذا يقتضي جواز غسل بعض البدن؛

  6. لأن الاسم يتناوله، ولم يقل أحد إن الآية تناولت بعض البدن،

  7. ولو ثبت هذا كان دليلنا؛ لأنه يقتضي أن ينوي فعل ما يسمى طهرًا من المضمضة والاستنشاق، فقد فعل ما وجب بالآية، وهذا خلاف قولهم.

  8. ويدل عليه قوله: ((تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة) ).

  9. وقولهم: إن البشرة: الجلد الظاهر، والباطن يسمى: أدمة، ليس بصحيح؛

  10. ١/١٠٩١/١٠٩

    لأن المبرد حكى عن ثعلب أن البشرة الجلدة التي تقي اللحم من الأذى.

  11. ويدل عليه ما روي عن علي عليه السلام: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من ترك شعرة من الجنابة لم يُصِبْهَا الماء؛ فعل به كذا من النار) )، وفي داخل الأنف شعر، وروت عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المضمضة والاستنشاق واجبتان فريضتان في الجنابة.

  12. قلنا: وقولهم: إنه يرويه بركة الحلبي وهو ضعيف، ليس بصحيح؛ لأن ابن معين أثنى عليه في كتبه الأخيرة وقد روي الخبر من غير طريقه مرسلًا،

  13. ولا يقال إن المراد بالفرض التقدير، يقال فرض الحاكم النفقة بمعنى

  14. ١/١١٠١/١١٠

    قدرها؛ وذلك لأن إطلاق الفرض يقتضي الوجوب، لاسيما وقد قرنه بالإيجاب.

  15. فلو كان المراد به التقدير لم يكن لتخصيصه بالجنابة معنى، ولأن ما أمكن غَسْلُهُ من البدن من غير مشقة يجب في الجنابة، كالمغابن، ولأنه عضو سُنَّ إيصال الماء إليه في الوضوء؛ فكان واجبًا في الجنابة، كالأذنين،

  16. ولا يلزم التكرَار؛ لأن غسل العضو قد وجب، والتكرار صفة، والتعليل لم يقع لصفة،

  17. ولا يلزم المبالغة في الاستنشاق؛ لأن ما أمكن فيه من غير مشقة فهو واجب، وقولهم: إنه يناقض بمنع الصائم منه ليس بصحيح؛ لأن الصائم يمنع من المبالغة في الوضوء لأنه ليس بواجب،

  18. ولا يفعله إذا لم يأمن الإفطار،

  19. ولا يمنع منه في الجنابة؛ لأنه واجب،

  20. فلا يترك احتياطًا لواجب آخر.

  21. ومن أصحابنا من قال: إن المبالغة تجب في غير الصوم، وتسقط في الصوم للعذر، وعلتنا تقتضي إيجاب ما كان مسنونًا في الوضوء،

  22. ولا تقتضي أحوال الوجوب.

  23. وقولهم: قد يُسَنُّ في الوضوء ما لا يجب في الجنابة عندكم، كالنية والترتيب والتكرار غير صحيح؛ لأنا جعلنا سُنة الاتصال دلالة على الوجوب في الجنابة؛ لأنه مما سُنَّ غسله،

  24. ولا مشقة فيه، والتكرار، والنية، والترتيب صفات في الغسل،

  25. فلا مدخل لها في الإمكان والتعذر.

  26. قالوا: المعنى في الأذن أنه ظاهر في أصل الخلقة، والفم عضو باطن، كالعين.

  27. قلنا علة الأصل تبطل بالعين؛ لأن ظهورهما أعم من ظهور الأذن،

  28. ولا يجب غسلهما، وعلة الفرع تبطل بمغابن البدن، ولأنه عضو يلحقه حكم التطهير من النجاسة، فوجب غَسْلَه في الجنابة، كسائر الأعضاء، ولا يلزم

  29. ١/١١١١/١١١

    داخل العينين، لأنه لا يجب غسلهما من النجاسة.

  30. وقولهم: إنه لا يجب عندكم لأنه أقل من قدر الدرهم، ليس بصحيح؛ لأنه لا يُكَمَّل بنجاسة أخرى من البدن،

  31. وإن زاد على قدر الدرهم؛ ولأنه عضو يتعلق به فرض فعل في الصلاة، كاليدين والرجلين.

  32. احتجوا بحديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني امرأة أشد ضفر رأسي، فما أصنع في الجنابة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أما أنا فأحثو على رأسي وسائر بدني ثلاث حثيات من ماء) ) ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.

  33. والجواب: أن السؤال وقع عن صفات الغسل ومسنونة، ولهذا بين عليه السلام أدنى المسنون،

  34. فإذا كان البيان للصفات والمسنون لم يلزمه بيان الأصل،

  35. ولا يقال: إنه قال: ((إذا فعلت ذلك فقد طهرت) )؛ لأنه يحتمل الطهر المسنون،

  36. ولا يقال: كيف يسأل عن الصفات والسنة دون الفرض؛ لأن علمها بالفرض قد سبق، ألا ترى أنها يظن بها أنها لم تعرف الغسل من الجنابة عند وجوبها مع

  37. ١/١١٢١/١١٢

    قربها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الخبر قد يُضَمَّن المضمضة، ولأن الفم من جملة الجسد، وقد قال: أما أنا فأحثو على رأسي وسائر جسدي. وقولهم: إن الجسد اسم لما ظهر؛ غلط؛ لأن الفم يقال: إنه من الجسد.

  38. وقولهم: إنه لا يقال: حثا على فمه، بل يقال: في فمه، غلط؛ لأنه يصح إذا ضم إلى الجملة شيئًا أن مما يعبر عنها به، كما يقال: متقلدا سيفًا ورمحًا،

  39. وإن كان الرمح لا يقلد.

  40. وقولهم: يعني في الخبر - أنه قال: ((إما أنا فأفيض الماء على رأسي وسائر جسدي) ).

  41. فالجواب عنه: كالجواب عن الأول -وإن كان غير معروف- ألا ترى أنه لم يقل: أفاض على فمه، فيجوز أن يدخل مع الجملة في اللفظ.

  42. قالوا: طهارة من حدث، كالوضوء.

  43. قلنا: الوضوء سقط منه أكثر ظواهر البدن، فسقوط الباطن أولى، والجنابة تعلقت بالظاهر والباطن الذي لا مشقة في غسله، فجاز أن يتعلق بهذا الباطن،

  44. ولا يلزم على علة الفرع غُسْل الميت؛ لأنا عللنا بجواز تعلق الغَسْل بالفم، فلا يَلْزَم الأحوال.

  45. قالوا: ما شرع غسله في الطهارتين استوى فيهما، كالوجه.

  46. ١/١١٣١/١١٣

    قلنا: اعتبار إحدى الطهارتين بالأخرى مع اختلافهما في الوجوب ضد الأصول، ولأن قولهم: استوى حكمهما: يُراد به في الفرع خلاف ما يُراد به في عليه: سائر الأبدان،

  47. ثم يعكس، فيقول: فكان واجبًا في الجنابة، كالوجه.

  48. قالوا: كل غسل لا يجب في غسل الميت لا يجب في غسل الحي، كداخل العينين.

  49. قلنا: سقوط الفرض في غُسْل الميت لا يدل على سقوطه في غسل الحي، لأن الميت لا خطاب عليه، والحي يخاطب، ولأن الميت لا يمكن فيه المضمضة، فسقطت لتعذرها، ووجبت في غَسْل الحي لإمكانها.

  50. وقولهم: لو سقط للعذر لوجب غَسْل ما يمكن منها ليس بصحيح؛ لأن موضع الفرض إذا تعذر جاز أن يسقط الوجوب فيه إن أمكن فعل بعضه، كمن وجد بعض الماء على أصولنا،

  51. ومن قدر على بعض العتق في الكفارة، وفي المحدور لا يلزمه غَسْل ما بين الحدرتين،

  52. ثم المعنى في العين أنه يلحق المشقة بإيصال الماء إليها، والفم لا يلحق إيصال الماء مشقة، فوجب في الجنابة،

  53. ثم المعنى في العين أنها في محل الوضوء لم يُسَن إيصال الماء إليها، فلم يجب في الجنابة، والفم بخلافه.

  54. قالوا: غسل واجب، كغسل الميت.

  55. قلنا: ينتقض بغسل النجاسة، والمعنى في غَسْل الميت ما قدمناه.

  56. ولأن في صب الماء في فمه وأنفه مثلة، وذلك بالخرقة مسح وليس بغسل، ففرض غسله لا يثبت فيه المسح.

  57. ثم المعنى في غسل الميت أنه لا يوجب بها صلاة، وإنما يجب علينا، فلم تتعلق بالباطن، كطهارة المكان، وفي مسألتنا: طهارة

  58. ١/١١٤١/١١٤

    تؤدي بها الصلاة، فجاز أن يتعلق بالباطن الذي لا مشقة في غسله،

  59. ولا يلزم الوضوء؛ لأن التعليل لجملة الأحداث.

  60. قالوا: عضو باطن في الوجه، كالعين.

  61. قلنا: الفم وإن كان باطنًا خلقة فهو في حكم الظاهر من البشرة إذا انتقل إلى ما سترها، يعني: فيما لاقى المفروض، كمسح الخف.

  62. وقولهم: إن مسح الخف بدل، فاختص بمحل الأصل، واللحية ليست ببدل، لا يصح؛ لأن كل واحد منهما قائم مقام الأصل على وجه البدل عندنا،

  63. ولا محل البدل يجوز أن يخالف محل الأصل، ألا ترى أن الهدي عندهم في المتعة مختص بالحرم، وصوم السبعة بدل عنه ولا يختص بالحرم؟ وتبطل علة الفرع بمسح الرأس؛

  64. فإن الشعر ليس ببدل، ويختص المسح بمحل الفرض.

  65. احتجوا: بأنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه، فوجب إفاضة الماء عليه مع الوجه، قياسًا على ما لاقى البشرة، وشعر الحاجب.

  66. قلنا: الأصل غير مُسَلَّم؛ لأن الرواية اختلفت فيه، فروي أن غَسْله غير واجب، وروي أنه يجوز فيه الربع،

  67. ثم المعنى في الأصل وفي شعر الحاجب أنه يلاقي ما لو ظهر وجب غسله، وهذا يلاقي ما لو ظهر لم يجب غسله.

  68. قالوا: كل شعر لو لم يزل عن محله وجب إيصال الماء إليه

  69. ١/١١٥١/١١٥

    وجب وإن ترك، قياسًا على شَعْر الرأس في الجنابة.

  70. قلنا: الوصف غير مُسَلَّم على ما بيَّنا،

  71. ثم المعنى في الجنابة أن الغُسْل يجب في جميع البدن، والوضوء يختص بمكان دون مكان، فاعتبر ما لاقى المكان الذي تعلق به الحدث، ولم يعتبر في الجنابة أوصاف الشعر؛ لأن الغسل يتعلق بكل حال.

  72. قالوا: شعر اللحية قد صار أصلًا في طهارة؛ بدلالة أنها إذا حلقت بعد الوضوء، لم يُعَد الوضوء، فصارت كالوجه، فوجب غسل ما خرجت منه.

  73. قلنا: لا نُسَلِّم ما ذكرتموه؛ لأنه إذا أفاض الماء على ما يلاقي البشرة ثم حلقه، وجب عليه غسل ما تحته؛ لأن فرض اللحية عندنا المسح،

  74. فإذا ظهرت البشرة وجب الغسل، كنزع الخف،

  75. ولو سلمنا أنه أصل لم يصح ما قالوه؛ لأن الشعر ما قام مقام الأصل من الوجه والأعضاء؛ بدلالة أن ما يصل إليه لا يُفْطِر الصائم، فوجب غسله من غير مشقة، والمعتبر ما هو ظاهر حكمًا لا خلقة، ألا ترى أن العين ظاهرة في الخلقة وهي في حكم الباطن؛

  76. للمشقة التي تلحق فيها،

  77. ولا يلزم الجراحة التي لا تنفذ؛ لأن غسلها يسقط بالمشقة وإن لم يشق،

  78. ولا يلزم المناسبة؛ لأن ما يصل إليها يفطر في إحدى الروايتين.