مسألة ٧٣٨
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٤٬٦٩٧ إلى ٢٤٬٧٦٣
-
١/٢٩٩٦١/٢٩٩٦
الضمان بالمجهول
-
قال أصحابنا: يجوز الضمان بالمجهول، مثل أن يقول: تكلفت بمالك على فلان، وبما يخرج في حسابك عليه،
-
ويجوز تعليق الضمان بخطر، مثل أن يقول: ما قضى لك على فلان وما بايعته.
-
وقال الشافعي: لا يجوز ضمان المجهول،
-
ولا ضمان ما لم يجب.
-
قال ابن سريج: وفيها قول آخر: إن ضمان المجهول جائز، ونص الشافعي على جواز ضمان الدرك، وخرج ابن سريج فيه.
-
لنا: قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} ، فجوز ضمان المجهول، لأن ما يحمله البعير يزيد وينقص، وجوز تعليق الضمان بشرط المجيء.
-
١/٢٩٩٧١/٢٩٩٧
فإن قيل: كان حمل البعير معلومًا، وهو الوسق.
-
قلنا: حمل البعير ما يحمله، وهذا يزيد تارة وينقص أخرى.
-
قالوا: كيف تحل هذه الكفالة مع جهالة المكفول؟.
-
قلنا: عندنا يصح الضمان إذا كان المضمون له يصير معلوما عند وجوب المال، كما لو خاطب رجل جماعة فقال: من خاط منكم هذا الثوب فله درهم، وقال آخر: أنا كفيل به.
-
قالوا: قوله {وأنا به زعيم} يحتمل: أن يكون المؤذن ضمن عن اْلمَلِكِ، ويحتمل: أن يكون حكى قول الملك، كأنه قال: شرط لمن جاء به حمل بعير وأنا له ضامن.
-
قلنا: ظاهر قوله: (زعيم) أنه ضمن ما يجب على غيره،
-
فأما من شرط الضمان على نفسه فعقده،
-
فلا يقال: إنه زعيم، وإنما يقال ذلك فيمن خاطب عن غيره، ولهذا يقال: فلان زعيم القوم، بمعنى أنه يتكلم عنهم، ويدل عليه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الزعيم غارم) ، ولم يفصل.
-
ولأن المال تارة يجب معلومًا بالعقود، وتارة مجهولًا بالإتلاف، فلما جاز ضمان أحدهما جاز ضمان الآخر. وتحريره: كل ما يجب ضمانه جازت
-
١/٢٩٩٨١/٢٩٩٨
الكفالة به، كالمعلوم.
-
ولأنه نوع ضمان، فجاز تعليقه بشرط يوجد في الثاني، كضمان الدرك،
-
وإن شئت قلت: فجاز في المجهول، أصله: ضمان الدرك.
-
فإن قيل: إذا استحقت الدار ثبت إن كان ضمن ما كان موجودًا.
-
قلنا: إلا أنه عند العقد يجوز أن يكون هناك استحقاق،
-
ويجوز أن لا يكون، فلولا أن الضمان يتعلق بالأخطار لم يصح مع التجويز، كما لا يصح البيع مع التجويز إذا قال: بعتك هذا العبد إن كنتُ ورثتهُ لم يصح البيع وإن ثبت أنه كان ورثه.
-
ولأن ضمان الدرك قد يكون فيما ليس بمستحق عند الضمان، ألا ترى: أنه يشترى دارًا فتجب الشفعة ثم يبيعها المشتري، فيضمن ضامن الدرك،
-
فإذا أخذها الشفيع وجب على الضامن الثمن،
-
وإن لم يبين البائع، حتى لا يختص بما لا يستحقه.
-
فإن قيل: في ضمان الدرك إما أن تُستحق جميع الدار أو بعضها، فالضمان يتعلق بما هو مستحق منها، وذلك معلوم.
-
قلنا: فيجب أن يقولوا ففي الفرع مثله، إذا قال: ضمنت لك ما يخرج في حسابك عليه،
-
فإن ذلك معلوم في نفسه وإن لم يكن معلومًا عنده، ومع ذلك لا يجوز ضمانه.
-
فإن قالوا: في ضمان الدرك قولان.
-
قلنا: ضمان الدرك نص الشافعي عليه، وأجمع المسلمون أيضا على جوازه، حتى قال ابن سريج تخريجًا لقول آخر،
-
فلا تضرنا المنازعة فيما ثبت بإجماع.
-
١/٢٩٩٩١/٢٩٩٩
فإن قالوا: ضمان الدرك جاز للضرورة في التوثق بالأيمان، لأن البيع لا يؤنس أن يستحق،
-
ولا يجوز أخذ الرهن به،
-
ولا تنفع الشهادة، لأنه ربما استحق المبيع، وقد أفلس البائع، فلذلك جوزنا التوثق بالضمان، لأن الجهالة والخطر يسامح فيهما بقدر الحاجة،
-
فإذا كان له عليه مالًا يقفان على مبلغه،
-
فلا يمكن أخذ الرهن به،
-
ولا يقع التوثق بالشهادة، فيجب أن تجوز الكفالة قبل أجل الحاجة على قولكم.
-
ولأن كل دين لو ذكر مبلغه صح الضمان،
-
[فإذا لم يذكر صح الضمان] ، أصله: إذا قال للزوجة: ضمنت لك نفقتك اليوم، جاز بالاتفاق، لأن عندهم: أن النفقة مقدرة.
-
ولأنه عقد على ما ليس في مقابلته مال مشروط، فجاز أن يتعلق بخطر، كالوصية.
-
ولا يلزم: الهبة، لأنه يجوز تعليقها بالخطر إذا قال: وهبت لك الدين الذي في ذمة فلان، صح العقد ووقف على قبض الدين فيه.
-
ولأنه سبب لضمان ما ليس في مقابلته بدل مشروط، فصح في المجهول، كالإقرار.
-
احتجوا: بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر.
-
قلنا: روى (أنه نهى عن بيع الغرر) ، وهذا مقيد، وخبر كم مطلق،
-
ومن أصلكم: بناء المطلق على المقيد، وقد عارضه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الزعيم غارم) .
-
١/٣٠٠٠١/٣٠٠٠
فإن قيل: ذلك عام.
-
قلنا: هو عام من وجه خاص في الكفالة، وخبركم خاص من وجه عام من وجه.
-
فإن قيل: قوله: (الزعيم غارم) يقضي أن يكون غارمًا في الحال الذي يسمى زعيمًا،
-
ومتى علق الكفالة بشرط لم يكن غارمًا حتى يسمى كفيلًا.
-
قلنا: قوله: (الزعيم غارم) ، معناه ما يجب على المكفول عنه،
-
فإذا علق الكفالة بالشرط فإن لزم المكفول عنه مال، فهو غارم عنه.
-
قالوا: يثبت مال في الذمة بعقد، فوجب أن لا يصح مجهولًا، كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة.
-
قالوا: ولا يلزم المهر، لأنه ثبوت مال بعقد ليس يثبت (بدلًا عن مال آخر) .
-
قلنا: الثمن والأجرة كل واحد منهما بدل في عقد الإبدال، لا يثبت في المعاوضات مع الجهالة.
-
وفي مسألتنا: المال لا يثبت بدلًا، وإنما الكفالة سبب من أسببا الضمان، وأسباب الضمان مبنية في الأصول على الغرر والخطر والجهالة، ألا ترى: أنه لو وكل إنسانًا بشراء شيء فإن الموكل يضمن مثل ما يلزم الوكيل،
-
ويجوز أن يشتري، ويجوز أن لا يشتري،
-
ولا يعلم مقدار ما يباع به، (والكفيل) بالوديعة يضمن مثل ما يلحق المودَع من الضمان، وذلك خطر ومجهول، كذلك الكفالة
-
١/٣٠٠١١/٣٠٠١
لما كانت من أسباب الضمان.
-
قالوا: ضمان مجهولِ، فلم يصح، كما لو قال: ضمنت لك بعض مالك على فلان.
-
قلنا: هذا يصح عندنا، والخيار فيه إلى الضامن يبين أي مقدار منها، كالراهن.
-
قالوا: وثيقة بالحق، فلم يصح بالمجهول.
-
قلنا: يبطل بضمان الدرك،
-
ثم قد يجوز الضمان بما لا يصح الرهن باتفاق، بدلالة: لو ضمنه (أي الدرك) جاز،
-
ولو أعطى به رهنًا لم يجز.
-
قالوا: وثيقة بالمال قبل وجوبه، فصار كما لو قال: إن دخلت الدار.
-
قلنا: هناك لم يضف الضمان إلى سبب الوجوب،
-
ولا إلى سبب يتمكن من المطالبة به، ولما أضاف الضمان في مسألتنا إلى سبب وجوب الحق، جاز كضمان الدرك.