مسألة ١٣٠٤
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٢٬٧٥٥ إلى ٤٢٬٨٥٥
-
١/٥٥٠٢١/٥٥٠٢
القتل شبه العمد
-
قال أبو حنيفة [- رضي الله عنه -] : شبه العمد (القتل) بما ليس بسلاح ولا يجري مجراه في تفريق الأجزاء.
-
وقالا: هو أن يتعمد الضرب بما لا يقتل غالبًا،
-
فأما إذا اعتمد الضرب بما يقتل في الغالب فهو عمد.
-
(وبه قال) الشافعي رحمه الله
-
١/٥٥٠٣١/٥٥٠٣
لنا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم فتح مكة، فقال في خطبته: ((ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل) ) وذكرى الطحاوي: ((ألا قتيل الخطأ العمد بالسوط فيه مائة من الإبل) ) فوجه الدلالة: أنه
-
١/٥٥٠٤١/٥٥٠٤
(جعل) قتيل العصا خطأ العمد، ولم يفصل بين العصا الكبير.
-
فإن قيل: المراد به (الصغير) ، فلهذا قرنه بالسوط.
-
قلنا: لو أراد الصغير لاقتصر على السوط. فلما ذكر السوط الذي لا يقتل في الغالب ثم ذكر العصا الذي يختلف دل على أنه أراد العصا الكبير، حتى يكون (الجمع) بينها وبين السوط معنى. بيان ذلك: أنه جعل [القتل] بهذه الآلة عمد الخطأ، ولم يفصل بين أن [يكرر] بها الضرب أو لا [يكرر] .
-
(فدل) أن من كرر الضرب بالسوط حتى قتل فهو عمد.
-
فإن قيل: معنى خطأ العمد أن يكون اعتمد الضرب (وأخطأ) في الآلة. وهذا لا يكون في الآلة التي لا تقتل في الغالب،
-
فأما إذا كانت مما تقتل في الغالب فلم يوجد معنى الخطأ.
-
قلنا: هذا اسم شرعي لا تعرفه أهل اللغة، وإنما تعرف العرب العمد والخطأ،
-
فأما اجتماع الأمرين في فعل واحد ما (يقع منه) .
-
فلا يجوز أن يرجع في تفسيره [إلا] إلى قول [صاحب] الشرع.
-
فإن قيل: قوله: ألا إن (قتيل) خطأ العمد (قتيل) السوط
-
١/٥٥٠٥١/٥٥٠٥
(يدلان) أن من جملته (القتيل) بالسوط والعصا (خطأ) عمد. وليس في اللفظ ما يدل على أن كل قتيل بالسوط فهو عمد خطأ. (ومخالفكم) لا يمنع أن يكون من جملة القتل بالسوط عمد الخطأ.
-
قلنا: هذا خبر روى (ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا بفتح اللام. وهذا بدل، والبدل إما أن يكون هو المبدل) نفسه، كقولك: رأيت زيداً أبا عبد الله، أو يكون بعضه، كقولك: رأيت (زيدًا وجهه، وهذا يفيد أنه مثل الأول أو أخص منه.
-
ولو صح ما قالوه) لكان البدل أعم من المبدل.
-
وهذا لا يصح ولأن البدل يفيد الإضراب عن الأول تقول:
-
١/٥٥٠٦١/٥٥٠٦
رأيت زيدًا وجهه. وكأنك قلت: وجهه. فيصير تقدير الخبر: إلا أن (قتيل) السوط. قلنا: هذا لم ينقل ولا روي (ولا يصح) . وأيضاً إن قوله: «فيه مائة من الإبل» جملة مبتدأ وخبر (وهي) خبر المبتدأ الأول.
-
والراجع منها (الهاء التي في الخبر، وهو قوله: «فيه» ،
-
ولا يصح أن يكون الرواية «قتيل السوط» ، لأن هذا كأن يكون خبر المبتدأ والراجع منه) غيرهما.
-
والراجع من الخبر الثاني في قوله: «فيه مائة من الإبل» .
-
ولا يصح أن يكون (للمبتدأ) خبران الراجع من أحدهما ظاهر من الأمر عين الظاهر.
-
لأن القياس يمنع ذلك. وإنما جاء عن العرب: هذا (حلو حامض) ، والراجع من الخبرين غير ظاهر.
-
فلا يجوز أن يثبت ما يخالف القياس غير ما جاء عنهم.
-
فإن قيل: قوله: «قتيل السوط» نكرة مضافة إلى معرفة. والنكرة إذا أضيفت إلى معرفة صارت معرفة، فتتناول قتيلًا (واحدًا) ولا تقبل الاستغراق.
-
قلنا: هذا (إذا) أضيف إلى اسم (علم) مثل قولهم: قتيل زيد.
-
فأما إذا لم (يضف) إلى اسم علم، فإنه لا يصير (معرفة) ويفيد
-
١/٥٥٠٧١/٥٥٠٧
الاستغراق
-
وبدل عليه الحديث النعمان بن بشير [- رضي الله عنه -] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل شيء خطأ إلا السيف وفي كل خطأ أرش» .
-
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « (لا قود) إلا بحديده».
-
١/٥٥٠٨١/٥٥٠٨
وروي عن علي (- رضي الله عنه -) أنه قال في شبه العمد: « (الحد فيه) بالعصا والقذفة بالحجر» وهذا اسم لا تعرفه العرب، وإنما (يثبت) بالشرع. فالظاهر أن تفسيره عن صاحب الشريعة.
-
ولأنه قتيل بما ليس بسلاح ولا يجرى مجرى السلاح في تفريق الأجزاء، فصار (كالقتيل) بالعصا الصغير.
-
ولا يلزم إذا أحرقه بالنار، لأنها تفرق (الأجزاء) كالحديد. ألا ترى أن المحدود يفرق التأليف بلطافته، والنار ألطف من المحدود وهي تفرق الأجزاء.
-
ولا يلزم إذ قتله بحديد مثقل، لأن الطحاوي روى [عنه] في شروطه: أنه لا
-
١/٥٥٠٩١/٥٥٠٩
قصاص فيه كالجر. على الرواية الأخرى: الحديد نفس السلاح (بدلالة قوله) تعالى:} وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديٌد {.
-
ولأن القتل حصل، فما لا (يقع) به (الذكاة) فأشبه (السوط) الصغير.
-
ولا يلزم [النار] لأن الذكاة (بها) عندنا إذا وضع النار على مذبح الحيوان حتى ينشق.
-
ولأن القصاص [لو] (وجب) [بهذه الآلة] لم يجز [التأديب بها] كالسيف. فلما (جاز) [التأديب] بالسوط والعصا دل (على) أن القصاص لا يتعلق به.
-
ولأن القصاص لو جاز بهذه الآلة استوي صغيرها وكبيرها كالحديد.
-
ولأنه قتل تتعلق الكفارة، فلم يجب به القصاص كالقتل بالسوط.
-
ولأنه قتل يملك الولي المطالبة بالمال من غير رضي القاتل، فلا يتعلق به
-
١/٥٥١٠١/٥٥١٠
القصاص لقلة القتل بالسوط.
-
ولأنه إذا كرر الضرب مات.
-
ولو خرجت الروح بالضرب الأول لم يجب القصاص،
-
فإذا كرر الضرب فقد خرجت الروح من فعلين يتعلق القصاص بأحدهما ولا يتعلق بالآخر، فصار كجراحة الخطأ العمد.
-
فإن قيل: المعنى في [السوط] أن الآلة لا يتعلق به القتل في قاطع الطريق. فلم نسلم ذلك.
-
فإن قالوا: المعنى في السوط إباحة (التأديب) وهذا لا يوجد في القتل.
-
قلنا: عند مخالفنا لا يسقط القصاص، وإنما يسقط القتل.
-
وإن الآلة التي أبيح (بها التأديب) إذا كرر بها الضرب وجب القصاص،
-
فلا معنى للتفريق [بين الآلتين] .
-
ولأن القصاص يعتبر فيه (الفعل) والآلة، ولهذا لو قتل بالسيف لم يجز أن يقتص بغيره بمكان.
-
القصاص يجوز أن يسقط بمعنى يعود إلى الفعل، كذلك يجوز أن يسقط بمعنى يعود إلى الآلة.
-
احتجوا: بقوله تعالى:} ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه
-
١/٥٥١١١/٥٥١١
سلطانًا {وهو عام، وقوله تعالى: } كتب عليكم القصاص في القتلى {} ولكم في القصاص الحياة {
-
قلنا: قد (أجمعوا) أن المراد بذلك قتل العمد المحض الذي لا [شبهة] فيه، وما أجمعوا عليه كالمنطوق به،
-
ولا نسلم أن هذا القتل عمد محض،
-
فلا يصح التعلق بالظواهر.
-
احتجوا: بما روي أن يهوديًا (رضخ) رأس جارية من الأنصار بين حجرين، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرضخ رأسه.
-
قلنا: يحتمل أن يكون رضخ رأسها بحجر له حد، وهذا يوجب
-
١/٥٥١٢١/٥٥١٢
القصاص عندنا، ويحتمل أن يكون قتل اليهودي حدًا لا قصاصًا كما قتل العُربيين. وقد روى معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس [- رضي الله عنه -] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ذلك اليهودي. [و] الرجم لا يكون إلا على وجه الحد.
-
١/٥٥١٣١/٥٥١٣
وقد روى أبو قلابة عن أنس [- رضي الله عنه -] أن اليهودي قتل الجارية وألقتها في (قليب) ثم رضخ رأسها. فيحتمل أن يكون الفعل الأول بآلة يقتص بها (فبلغ) بها حدًا لا [تعيش] من مثله ثم رضخ رأسها.
-
احتجوا: بما روي في حديث حمل بن مالك [- رضي الله عنه -] قال: كنت بين جاريتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح خيمة، فألقت جنينا ميتًا وماتت فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص على القاتلة وبالغرة على العاقة.
-
قلنا: قد اختلفت الرواية في هذه القصة، فروى إبراهيم عن
-
١/٥٥١٤١/٥٥١٤
عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن امرأتين اقتتلتا، فرمت إحداهما صاحبتها بعمود فسطاط فأصاب بطنها فألقت جنينًا وماتت، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة الجنين ودية المقتولة على عصبة القاتلة.
-
وروى يونس (عن) ابن شهاب عن سعيد بن المسيب
-
١/٥٥١٥١/٥٥١٥
وأبي (سلمة) عن أبي هريرة
-
رضي الله عنه - هذا الحديث بعينه, وروى شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن (حمل) بن مالك ابن النابغة الهذلي أنه قال: كنت بين امرأتين فاقتتلتا، فرمت إحداهما صاحبتها بحجر فألق جنيناً ميتًا (وماتت) ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة الجنين ودية المقتولة على عصبة القاتل.
-
وإذا (اختلفت) الأخبار لم يصح الاحتجاج بهذه القصة
-
وقولهم: إن خبر حمل بن مالك أولى بالقبول لأنه (زوج
-
١/٥٥١٦١/٥٥١٦
المرأتين)، فقد روينا عنه مثل قولنا. وعلى أن الخبر إن كان إيجاب الدية فهو دلالة لنا، (لأن) عمود الخيمة (يقتل) غالبًا.
-
وقد أوجب (- صلى الله عليه وسلم -) فيه الدية.
-
وإن كان أصل الخبر إيجاب القصاص،
-
فلا دلالة فيه لمخالفنا. لأنه يحتمل أن يكون محدودًا أو يكون على رأسه حديد، وحكاية الفعل إذا احتملت وجهين سقط التعلق بها.
-
قالوا: الآلة لو قتل بها قاطع الطريق وجب (عليه) القتل بها، في غير قطع الطريق جاز أن يجب عليه القتل بها، أصله الحديد.
-
قلنا: القتل في قاطع الطريق (لا) يثبت على وجه القصاص. وإنما (يثبت) حدًا بدلالة أن الإمام يستوفيه وإن (لم) يطالب الولي، (فذلك) لم تعتبر فيه الآلة.
-
ولأن الحكم المتعلق بقطع الطريق مغلظ، بدلالة أن أخذ المال في غير قاطع الطريق أكثر [عقوبته] قطع طرف واحد، وأخذ المال في قطع الطريق يقطع به طرفان، كذلك لا يمنع أن يغلظ القتل فيجب في قاطع الطريق القتل مع اختلاف [الآلات] ،
-
ولا يجب في غير قاطع الطريق إلا إذا قتل بآلة مخصوصة، والمعنى في الحديد أن القصاص لما وجب بجرحها استوي صغيرها وكبيرها، ولما لم يجب القصاص إذا قتل بصغير الآلة فيما سوى الحديد، كذلك بكبيرها.
-
وإن شئت قلت: الحديد [آلة] يقع بها [الذكاة] ، فجاز أن يجب بالقتل بها القصاص. وغير المحدود لا يقع به الذكاة،
-
فلا يجب القتل (به) القصاص.
-
١/٥٥١٧١/٥٥١٧
و (قالوا) : الحجر آلة يتعلق بها (قتل) في حق الله وهو الرجم، فجاز أن يتعلق بها القصاص كالسيف.
-
قلنا: الحجر قد يتعلق بها القصاص عندنا (إذا) كان له حد،
-
ولا يتعلق إذا لم يكن له حد، قد شرع الرجم بهما، (كما أن) عند مخالفنا قد شرع القتل بصغير الحجر وكبيره، والقصاص يجب في كبيره ولا يجب في صغيره، والمعنى في السيف أن الجرح يقع بمجموع أجزاء حده، وكل (حرف) منها لو انفرد القتل به تعلق به القصاص، كذلك إذا قتل بجملته، والحجر يقع به الضرب بمجموع (أجزائه) لو حصل القتل بقليلها لم يجب به القصاص، فلم يجب به القصاص (لذلك، والحجر يقع في كلها.
-
بيان ذلك: أن القاتلين إذا اشتركوا، كل واحد لو انفرد وجب عليه القصاص، وجب) على جماعتهم القصاص.
-
ولو اشتركوا وفيهم من لو انفرد بالقتل لم يجب عليه القصاص، لم يجب على جماعتهم قصاص كالخاطئ والعامد.
-
قالوا: آلة يقصد بها القتل، فجاز أن يجب بها القصاص كالمحدود.
-
قلنا: المعتبر في وجوب القصاص القصد إلى الضرب،
-
فلا معنى لاعتبار القصد إلى القتل.
-
ولأن الذي يقصد به القتل هو المحدود،
-
ومتى لم يقصد تعجيل القتل عدل عن المحدود إلى غيره. ولأن المحدود يعمل في الظاهر والباطن، ولهذا لو جرحه به جراحة لا تقتل في الغالب وجب القصاص،
-
وأما الحجر فيعمل في الظاهر دون الباطن، ولهذا لا يجب القصاص بصغيره.
-
١/٥٥١٨١/٥٥١٨
قالوا: كما لو قتل وجب القصاص إذا قتل (بثقله) ، وجب القصاص كالحديد.
-
قلنا: قد دل الطحاوي أن القتل بالحديد لا يجب به القصاص، وهذا هو الصحيح من قول أبي حنيفة [رحمه الله] .
-
ويبطل هذا بالسوط المحدد لو قتل بحده وجب القصاص،
-
ولو ضرب (بغير) حده لم يجب القصاص، والمعنى في الحديد ما قدمنا.
-
قالوا: أحد نوعي القصاص [فاستوي فيه] القتل (بالمحدد) وغيره كما دون النفس.
-
قلنا: [إفاتة] البعض بالمحدد والمثقل يحصل على وجه واحد، فوجب القصاص فيها، والقتل بالسيف يخالف القتل بالحجر. ولأن السيف يقطع ظاهرًا وباطنًا، والحجر يكسر ويهشم، فيعمل في الظاهر دون الباطن. (فلذلك) اختلفا.
-
قالوا: القصاص صيانة الدماء، فيجب أن يتعلق بجميع الآلات التي يقصد بها القتل.
-
١/٥٥١٩١/٥٥١٩
قلنا: لما كان القتل يحصل (بالمحدد) في الغالب وضع (القصاص فيه) دون ما لا يحصل به القتل غالبًا.