مسألة ٦١٧
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٠٬١٠٧ إلى ٢٠٬٢١٥
-
١/٢٤٨٧١/٢٤٨٧
البيع بشرط البراءة من العيوب لحلها
-
قال أصحابنا: إذا باع بشرط البراءة من العيوب كلها، صح البيع والشرط، ولم يجز له الرد بعيب.
-
وقال الشافعي: كلاماً اختلف أصحابه في معناه، فمنهم من قال: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يبرأ من شيء من العيوب ظاهراً أو باطناً، علم به حال البيع أو لم يعلم، سماه للمبتاع أو لم يسم، وسواء كان المبيع حيواناً أو غيره.
-
والثاني: يبرأ بالشرط من جميع العيوب الظاهرة والباطنة، علم بها أو لم يعلم، في الحيوان وغيره.
-
والثالث: يبرأ من العيب بباطن الحيوان إذا لم يعلمه البائع.
-
فأما إذا كان المبيع غير الحيوان، ففيها قولان: أحدهما: يبرأ بكل حال. والثاني: لا يبرأ من عيب بحال.
-
ولا يجيء القول الثالث؛ لأنه لا باطن لغير الحيوان إلا ويمكن التوصل إلى معرفة عينه والوقوف عليه.
-
ومن أصحابه من قال: فيها قولٌ واحد: أنه لا يبرأ إلا من عيب واحد وهو عيب بباطن الحيوان لم يعلمه،
-
ولا يبرأ من عيب سواه.
-
١/٢٤٨٨١/٢٤٨٨
وإذا شرط في العقد البراءة فهل يصح الشرط، أو هل يفسد العقد؟ اختلفوا فيه،
-
فمن أصحابه من قال: يفسد العقد، ومنهم من قال: لا يفسد.
-
لنا: قوله عليه [الصلاة و] السلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ، ظاهره أن لا خيار يثبت بعد التفرق.
-
وقال [عليه الصلاة والسلام] : (المسلمون عند شروطهم) .
-
ولأن كل جزء تعلق به البيع عند وجوده صح أن لا يثبت به الرد عند عدمه، أصله: العيوب المعلومة إذا وقف عليها.
-
ولأن كل حكم جاز أن يتعلق بالعيوب المعلومة جاز أن يتعلق بالعيوب المجهولة، أصله: الرد.
-
ولأنه إسقاط حق ليس فيه معنى التمليك، فصح مع الجهالة، كالطلاق والعتق.
-
فإن قيل: المعنى في الطلاق: أنه يصح تعلقه بالصفة، وبالبراءة من المجهول فلا يصح أن يتعلق بالصفة.
-
قلنا: لا يمتنع أن يصح في المجهول ما لا يتعلق بالصفة، كالإقرار.
-
١/٢٤٨٩١/٢٤٨٩
فإن قيل: حكم الطلاق والعتاق يفارق البراءة؛ لأنه لو طلق إحدى امرأتيه، أو عتق أحد عبديه: صح،
-
ولو أبرأ أحد عبديه: لم يجز.
-
قلنا: وكذلك البراءة من المجهول يصح من أحد العيبين؛ لأنهم قالوا: أبرأه من عيب واحد، فوجد به عيبين وتعذر الرد يرجع بأرش أيهما شاء.
-
فعلى هذا لو قال: بعتك بشرط البراءة من أحد العيبين إما الجنون أو السرقة جاز.
-
فإن قيل: المعنى في الطلاق: أنه بنى على التغليب.
-
قلنا: الإقرار لم يبن على التغليب، ومع ذلك يصح مع الجهل به.
-
ولأنها جهالة لا تؤثر في التسليم ولا تمنع صحة البيع، كجهالة مقدار الصبرة.
-
فإن قيل: يبطل بمن باع صبرة، إلا قفيزاً منها.
-
قلنا: هذا غير مسلم والبيع جائز،
-
ولو سلمناه: لم تمنع الجهالة البيع وإنما امتنع [العقد] ؛ لأنه عقد على مجازفة ومكايلة، والبيع [يصح] على أحد الجهتين.
-
قالوا: يبطل إذا باع بمثل ما باع فلان.
-
قلنا: هذه الجهالة تؤثر في التسليم؛ لأنهما يختلفان فيما باع به.
-
قالوا: يبطل إذا باع ما في كمه والمشتري لا يعلمه.
-
ولأن البراءة من العيوب توجب جهالة صفة المعقود عليه، وذلك لا يمنع من جواز العقد، كجهالة قدر الصبرة.
-
١/٢٤٩٠١/٢٤٩٠
وهذا مبني على أصلنا: أن البراءة من الحقوق المجهولة جائزة؛ بدلالة: ما روت أم سلمة أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث قد درست، فقال لهما: (اقسما وتوخيا الحق، وليحلل كل واحد منكما صاحبه) ، والموارثة الدارسة لا تكون إلا مجهولة،
-
ولو كان الحكم مختلفاً لبين ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروي (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فاعتصموا بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فقال عليه [الصلاة و] السلام: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وبعث بعلي ومعه مال، ففاداهم حتى ميلغة الكلب، وفضل معه مال، فقال: خذوا هذا [المال احتياطاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -] مما [يعلم ولا تعلمون] من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -] ، فسُرَّ به) .
-
١/٢٤٩١١/٢٤٩١
فإن قيل: السجود ليس بإسلام، وإنما تبرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أعطى احتياطاً.
-
قلنا: قوله: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ، يدل على أن خالداً قتل من لا يستحق القتل، والفداء لا يكون تبرعاً.
-
قالوا: إذا دفع إليهم يبقى ذلك في ذممهم، فصار قصاصاً بما لهم، ووقعت البراءة بذلك لا بالعقد.
-
قلنا: لا يجوز أن يحمل الأمر على أن علياً عقد عقداً فاسداً لم يتعلق به حكم، ولم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وسر به.
-
ولأن إجماع الأمة من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا أن يتحلل الناس عند المعاملات،
-
وإذا حضرهم الموت فلا ينكرون مقدار ما يقع التحليل منهن فدل على جواز البراءة من المجهول.
-
ولأنه إسقاط حق ليس فيه معنى التملك؛ فصح مع الجهالة، كالطلاق والعتاق.
-
ولأنها براءة من مجهول؛ فصار كما لو علم أن له عليه مائة، وليس له مائتين وجهل ما بينهما، فأبرأه من درهم إلى مائتين إذا ثبت هذا،
-
فإذا تعاقدا بشرط البراءة فليس فيه أكثر من إسقاط حقه على عيوب مجهولة.
-
فإن قيل: حق الرد يثبت بعد العقد، فهذا إسقاط حق لم يجب.
-
قلنا: فإذا أبرأه بعد العقد لم يصح عندكم، وهذا إسقاط حق عما وجب.
-
وأما إذا شرط البراءة في العقد،
-
فإن البراءة إنما تتم بالقبول الذي يصح به الإيجاب فتحصل البراءة عند تمام القبول، فيكون براءة من حق ثابت.
-
ولأن كل صفة جاز البراءة عن الحقوق عليها جاز الإبراء عن العيوب منها، كالمعلومة.
-
فدل على أن هذا الشرط لا يبطل العقد، والدليل عليه: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
-
١/٢٤٩٢١/٢٤٩٢
باع من زيد بن ثابت عبداً على أنه بريء من كل عيب، / فأراد زيد أن يرده بالعيب، فامتنع ابن عمر من قبوله واختصما إلى عثمان، فاقل لابن عمر: تحلف أنك ما علمت بالعيب فلم يحلف فقضى برده)، وهذا يدل على أن مذهب الثلاثة: أن الشرط لم يفسد العقد.
-
ولهذا قال الشافعي: والذي أذهب إليه في قضاء عثمان، أنه لو أبرأ نفسه من كل عيب لم يعلمه، لا يبرأ من عيب علمه ولم يسمه له. ونقوله تقليداً ومتابعة في أن البيع، بشرط البراءة من كل عيب بالمبيع ولو لم يكن معلوماً لا يبطل البيع، كالعيب المعلوم.
-
ولأنه أحد نوعي العيب؛ فجاز أن يفسخ العقد مع شرط نفيه من العقد، كالعيوب الظاهرة.
-
فإذا ثبت هذا قلنا: إنه شرط لا يبطل البيع، فيه منفعة أحد المتعاقدين، فوجب أن يلزمه الوفاء به، كصفة الأجل وشرط البراءة من العيوب المعلومة.
-
وأما الدليل على جواز البراءة من العيوب بباطن الحيوان: فإجماع الصحابة؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما اعتقد صحة البراءة، وعثمان جوز البراءة من عيب لم يعلمه، ولا مخالف لهما.
-
١/٢٤٩٣١/٢٤٩٣
فإن قيل: زيد يخالف.
-
قلنا: روى الطحاوي أنه كان يرى جوز البراءة من العيوب كلها فيجوز أن يكون ملك للرد؛ لأنه اعتقد مذهب عثمان.
-
وقد ألزم أبو حنيفة ابن أبي ليلى، فقال: أرأيت إن كان العيب بذكر العبد أو بفرج الجارية، أيضع يد المشتري عليه حتى يراه، أو لا يجد طريقاً إلى الشراء منهن وهذا لا يصح.
-
ولأنه حيوان معيب صح العقد عليه على وجه لا يثبت الرد؛ أصله: الحيوان الذي عيبه ظاهر.
-
وإذا ثبت هذا الحيوان، وهو مذهب الشافعي: قلنا: كل مبيع جازت البراءة من عيوبه مع العلم جازت مع الجهل؛ أصله: الحيوان.
-
ولأن ما جاز استيفاؤه في البيع على حيوان جاز في البيع على غيره، أصله: الأجزاء المعلومة.
-
قال الشافعي في اختلاف العراقيين: إذا باع عبداً أو شيئاً من الحيوان بالبراءة، فالذي ذهب إليه قضاء عثمان [بن عفان] : أنه يبرأ كل عيب لم يعلمه،
-
١/٢٤٩٤١/٢٤٩٤
ولا يبرأ من عيب علمه ولم يسمه له ويعتمد عليه تقليداً،
-
فإن الحيوان يعترى بالصحة والسقم وتحول طبائعه وإن صح في القياس، لولا ما وصفنا من [افتراق الحيوان وغيره] أن لا يبرأ من عيب [كان به] وإن سماه [لاختلافه] وأن يبرأ من كل عيب.
-
والأول أصح، فذكر أنه ترك القياس تقليداً لعثمان، فلما ذكره، وهذا هو القول [الذي] يختص القياس والعدول عن مقتضاه، بدليل هو منكر الاستحسان.
-
فنقول: وإن كان منكر المسمى:
-
فلا معنى بالأسامي، وإن كان يمنع بالمعنى: فقد قال بمناه،
-
ثم قلد معناه وترك القياس، وإلا قلد ابن عمر وأخذ بالقياس.
-
احتجوا: بما روى أبو هريرة، وابن عمر - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر) ، وبيع البراءة بيع غرر؛ لأنه لا يدري قدر العيب، والثمن يختلف باختلافه.
-
والجواب: أن الغرر ما كان يتقوم السلامة، وقد بينا ذلك فيما تقدم فالتسليم ممكن مع شرط البراءة، فلم نسلم أن ذلك غرر.
-
قالوا: روى عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً- فعلم فيه عيباً- وفيه عيب إلا بينه له) .
-
قلنا: إنما منع النبي - صلى الله عليه وسلم - التدليس على المشتري،
-
ومتى باعه على أنه بريء من القروح، والكر، والبياض فقد بين ما علمه من الغرر،
-
فلا يدخل تحت النهي.
-
قالوا: خيار فسخ ثبت بإطلاق العقد؛ فوجب أن لا يسقط الشرط، كخيار الرؤية.
-
١/٢٤٩٥١/٢٤٩٥
قلنا: لا يسقط بالشرط، وإنما يسقط بإبراء المشتري.
-
فإن قالوا: قوله في خيار الرؤية مثله.
-
قلنا: جنس ذلك الخيار لا يسقط بالبراءة، وجنس هذا الخيار يسقط بالبراءة، بدلالة: العيوب المعلومة.
-
ولأن خيار الرؤية بسبب عدم الرؤية،
-
فإذا شرط في العقد البراءة منه فقد أسقط حقاً قبل وجوب سببه.
-
واما خيار العيب فيثبت بنفس العقد،
-
وإذا قبل العقد بشرط البراءة حصلت البراءة عند تمام القبول، وأسقط بها حقاً قد وجب فلذلك صح.
-
ولأن عدم الرؤية جهل فجهل به جميع صفات المبيع، فلم يصح التزام العقد مع هذه الجهالة لحق الله تعالى، كما لا يصح التزام البيع المجهول العين.
-
وأما جهالة العيوب فإنها لجهل بعض صفات البيع، وهذا لا يمنع من التزام العقد، كمن رأى داراً ولم ينظر إلى داخلها، وإلى ما دون الشكل من الجارية، ولهذا إذا شرط البراءة من خيار الرؤية أفسد العقد،
-
وإذا شرط البراءة من العيوب لم يفسد على ما بينا.
-
قالوا: فوات في المبيع لا يثبت إلا بشرط؛ فوجب أن لا يثبت مع الجهالة، أصله: الخيار، والأجل، والرهن، والتضمين.
-
وربما قالوا: [فوات في المبيع لا يثبت إلا بشرط، فوجب أن لا يثبت مع الجهالة إلا لعلة. أصله: الخيار، والأجل، والرهن، والتضمين. ٤١٢٠٥٧ - قالوا: ] معنى يرتفق به أحد المتعاقدين،
-
فلا يثبت مع الجهالة لعلة ما قدمنا.
-
قلنا: الأجل والخيار والرهن إيجاد معاني، والبراءة استيفاء حق، وإثبات الحقوق يؤثر في الجهالة، كما يؤثر في التمليكات، والبراءة من العيوب إسقاط حق
-
١/٢٤٩٦١/٢٤٩٦
فلا تؤثر فيه الجهالة، كالطلاق.
-
ولن جهالة الأجل تؤثر في التسليم؛ لأنه لا يدري متى يسلم الثمن.
-
وكذلك جهالة الخيار تؤثر في التسليم؛ لأن من له الخيار لا يجبر على التسليم.
-
وجهالة الكفالة، والرهن تؤثر في التسليم؛ لأن البائع لم يمنع من تسليم المبيع حتى يسلم إليه الرهن، والجهالة إذا أثرت في التسليم تتعقب العقود، وجهالة العيوب لا تؤثر في التسليم، فلم تؤثر في العقد، كجهالة مقدار الصبرة.
-
قالوا: إبراء عما لم يجب؛
-
فلا يسقط، كما لو سبق الشرط العقد.
-
قلنا: لا نسلم أن البراءة تحصل بتمام القبول، والخيار قد يثبت بالقبول، فتصح البراءة بعد ثبوت الحق ويبطل هذا بعيوب بباطن الحيوان.
-
قالوا: كل عيب يرد به المبيع لم يسقط رده به بشرط البراءة من العيوب التي تحدث بعد العقد والمشروط قبل القبض على ظاهر المسألة.
-
اختلف أبو يوسف، ومحمد فيها، فقال أبو يوسف: تصح البراءة، وقال محمد: لا تصح.
-
فإن قلنا بقول أبي يوسف: لم نسلم الأصل، ولئن سلمنا، فلأن هذه براءة من حق لم يخير من مسألتنا إبراء من حق قد وجب.
-
قالوا: أصاب بالمبيع عيباً كان في يد البائع لم يقف عليه، فوجب أن يثبت له الرد، أصله: إذا شرط البائع البراءة.
-
قلنا: المعنى في الأصل: أنه لم يسقط حقه من الرد، فلذلك يثبت الخيار.
-
وفي مسألتنا: أسقط الحق بعد [وجود] سبب وجوبه، فلم يثبت
-
١/٢٤٩٧١/٢٤٩٧
الرد، كالعيب الظاهر.
-
قالوا: الدليل على أن البراءة من الحقوق المجهولة لا تصح: أنه نوع لا يجوز تعليقه بغبطة، فوجب أن لا يصح في المجهول، كالهبة.
-
قلنا: الهبة تمليك، والجهالة تؤثر في التمليك،
-
ولا تؤثر في إسقاط الحق عن الملك. ألا ترى: أن النكاح لا يصح [في امرأة مجهولة،
-
ويصح الطلاق في واحدة من نسائه،
-
وكذلك تحليل العبد لا يصح] مع الجهالة،
-
ويصح عتق عبد من عبيده.