مسألة ٥٩٩
التجريدالحنفيةالمسائل ١٩٬٤٦٧ إلى ١٩٬٥٢٤
-
١/٢٤٢٤١/٢٤٢٤
بيع العقار قبل قبضه من بائعه
-
قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يجوز بيع العقار قبل قبضه من بائعه.
-
وقال محمد: لا يجوز بيعه، وبه قال الشافعي.
-
لنا: أنه عقد على معين [لا يخشى فساده بهلاكه، فجاز التصرف فيه، كالمملوك] بالميراث.
-
فإن قيل: إذا كان العقار لا يهلك لم يصح قولكم: إن السبب لا يفسد
-
١/٢٤٢٥١/٢٤٢٥
بهلاكها.
-
قلنا: أحكام النفي إذا علقت/ بالمستحيل كان ذلك أقوى للنفي.
-
فإن قيل: المعنى في المقبوض أنه دخل في ضمان المبتاع، وما لم يقبض لم يدخل في ضمانه، فلم يجز تصرفه فيه.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بمن اشترى طعامًا مكايلة فقبضه بغير كيل فدخل في ضمانه،
-
ولا يجوز تصرفه، وعلة الفرع تبطل بالأثمان يجوز تصرفه فيها وإن لم تدخل في ضمان البائع.
-
فإن قيل: إذا قبض الطعام بغير كيل جاز أن يبيع منه ما يتيقن أنه حقه.
-
قلنا: لا يجوز تصرفه في جميعه، وهو موضع القبض، لم نسلم؛ لأنه لو هلك ثم استحق لم يجب على الوارث ضمانه.
-
ولأن كل حالة يستحق المبيع فيها بالشفعة صح تصرف المبتاع فيها، أصله: ما بعد القبض.
-
فإن قيل: الشفعة لا تستحق إلا بعد القبض؛ لأن الشفيع إذا طالب أُمر البائع بتسليم المبيع،
-
ثم قُضي على المشتري.
-
قلنا: هذا كلام في القضاء في المستحق كيف يقضي، وكلامنا في الاستحقاق، لا خلاف أن للشفيع المطالبة، فدل أن الشفعة ثبتت ووجبت المطالبة قبل القبض.
-
ولأن المقصود بالعقد الملك والتصرف،
-
فإذا جاز أن يستفاد أحدهما في المبيع بالعقد جاز أن يستفاد الآخر.
-
ولأنها حال يجوز رهن المبيع فيها؛ فجاز بيعه كما بعد التخلية.
-
ولأن العقد والقبض كل واحد منهما سبب الضمان؛ ألا ترى: أن العقد يضمن به الثمن والقبض يضمن فيه المبيع،
-
فإذا جاز أن يستفاد التصرف في المبيع
-
١/٢٤٢٦١/٢٤٢٦
بأحد السببين كذلك الآخر.
-
ولأن المبيع أحد بدلي العقد؛ فجاز أن ينقل من ملكه إلى ملك غيره قبل القبض، كالثمن.
-
فإن سلموا صح التصرف في الثمن والأصل إذا أحال البائع رجلًا على المشتري به.
-
احتجوا: بحديث حكيم بن حزام قال: (قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أشتري هذه البيوع، فما يحل لي منها وما يحرم علي،، فقال: إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه) .
-
وقال: (وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدقته عتاب بن أسيد إلى مكة، وقال له: انههم عن بيع ما لم يقبض، أو ربح ما لم يضمن) .
-
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل بيع وسلف،
-
ولا شرطان في بيع،
-
ولا بيع ما ليس عندك،
-
ولا ربح ما لم تضمن) .
-
قلنا: القبض بيع في الحقيقة للتناول، ويعبر به عن التخلية حكمًا، وقد أجمعوا أنه أريد بهذه الأخبار حقيقة القبض فيما يمكن فيه، لم يجز أنه يحمل
-
١/٢٤٢٧١/٢٤٢٧
على القبض الحكمي في الخيار، فيتناول اللفظ أمرين مختلفين.
-
فإن قيل: الاسم يجب حمله على العرف،
-
وإن كان في اللغة
-
بخلاف العرف، [وقبض العقار في العرف التخلية.
-
قلنا: الاسم يحمل على اللغة أو العرف]،
-
فأما أن يحمل على ما في حكمه وحده فلا، وقد ثبت تناول الأخبار للقبض اللغوي الذي هو الحقيقة فلا يحمل على غيره.
-
قالوا: معنى دخل فيه المبيع من ضمان المبتاع؛ فوجب أن يستفيد التصرف، كالقبض فيما ينقل ويحول،
-
فلا يبطل إذا قبض المبيع بغير إذن البائع قبل نقد الثمن،
-
فإن المبيع يدخل في ضمانه [ولا يستفاد به التصرف فيه،
-
وكذلك إذا ابتاع طعامًا مكايلة فقبضه بغير كيل دخل في ضمانه] ، ولم يستفد بذلك جواز التصرف على ما قدمنا.
-
والمعنى في القبض في المنقولات: أن ملك المشتري يستقر بها، ألا ترى: أن بعد القبض لا يعود إلى ملك البائع من غير فعل أحد ولا يبقى في ملك المبتاع له،
-
وإن هلك فينتفض ملكه فيها، فيقع هلاكها على ملك البائع فلم يجز التصرف لعدم استقرار الملك، والعقار قبل القبض قد استقر فيه الملك، لأنه لا يعود إلى ملك البائع بغير فعل حادث.
-
فإن قيل: من مذهب أبي حنيفة أن العبد المقبوض إذا اقتص منه بقتل كان في يد البائع انفسخ البيع فيه، فالملك غير مستقر،
-
وإن جاز التصرف فيه.
-
١/٢٤٢٨١/٢٤٢٨
قلنا: لا يلزمنا أنه لا يعود إلى ملك البائع إلا بفعل حادث وهو استيفاء القصاص،
-
ولو تلف في يده بنفسه لم يعد إلى حكم البائع.
-
فإن قيل: إذا ابتاع طعاماً مكايلة وقبضه بغير كيل، استقر ملكه، ولا يجوز تصرفه.
-
قلنا: ليس كذلك؛ لأن محمداً قال: يجوز بيعه مجازفة قبل إعادة الكيل، وإنما لا يجوز مكايلة، وليس عند أبي حنيفة خلاف ذلك.
-
فإن قيل: لو باع علو بيته جاز التصرف فيه قبل القبض، وملك المشتري لم يستقر؛ إذ قد يحترق فينفسخ ملكه.
-
قلنا: هذه المسألة تكلم فيها أصحابنا، فقول أبي يوسف: أن البيع لا ينفسخ؛ لأن حق الموضع باق، ولهذا قال: إنه يستحق به الشفعة بغير بناء.
-
فإن قيل: علة الفرع تنتقض بالمهر في يد الزوج؛ لأن الملك ينتقض فيه بهلاك من غير فعل أحد، ويجوز تصرفها فيه.
-
قلنا: لا ينتقض من غير أثر؛ لأن القيمة تجب لها،
-
ولو انتقض الملك من غير أثر وجب مهر المثل.
-
قالوا: عين ملكها ببدل، فوجب أن لا يجوز لمالكها بيعها قبل قبضها، أصله: ما ينقل ويحول.
-
قلنا: المعنى فيما ينقل ويحول وجب أن يتعلق بالقبض فيما لا ينقل ولا يحول، كالضمان.
-
قلنا: ينتقض بدخول المبيع في ضمان المشتري لحق الغير، فإنه يتعلق بالقبض فيما ينقل ويحول ولا يتعلق بالقبض في العقار؛ لأن البائع إذا خلّى بينه
-
١/٢٤٢٩١/٢٤٢٩
وبين المشتري فاحترق ثم استحقه مستحق لم يكن له تضمين المشتري؛ لأن الضمان فيما ينقل ويحول تعلق بالقبض بغيره، ألا ترى: أنه لو أعتق العبد دخل في ضمانه، وعلامة جواز التصرف فيما ينقل تتعلق باستقرار الملك لا بالقبض، ولهذا يجوز التصرف في المهر قبل القبض لاستقرار الملك فيه وإن لم يقبض.