مسألة ٥٨٦
التجريدالحنفيةالمسائل ١٨٬٨٣٤ إلى ١٨٬٩٣٩
-
١/٢٣٥١١/٢٣٥١
الدراهم والدنانير عند تعينها بالعقد
-
[قال أصحابنا] : الدراهم والدنانير إذا تعينت بالعقد: لم تتعين، ووقع العقد على مثلها في الذمة.
-
وكان أبو الحسن يقول: تتعين ويتعلق العقد بها وعلى مثلها في الذمة، لكن للمشتري أن يعطي غيرها؛ لأنها لم تملك، كالبدل المشروط فيه الخيار.
-
وقال الشافعي: تتعين ولا يملك غيرها.
-
وفائدة الخلاف: أن عندنا يجوز التصرف فيها، وللمشتري دفع غيرها،
-
وإن هلكت لم ينفسخ العقد.
-
لنا: قوله تعالى {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} ، وقال
-
١/٢٣٥٢١/٢٣٥٢
الفراء: الثمن ما كان في الذمة فتسمية الله تعالى لها ثمنًا يقتضي أن تكون ثمنًا أبدًا، وقول الفراء يقتضي أن كل ثمن في الذمة، فاقتضى مجموع الأمرين أن الدراهم وإن عينت فالبيع يثبت في الذمة.
-
فإن قيل: من أين لكم أن الثمن كان معينًا،.
-
قلنا: بقوله تعالى {دراهم معدودة} ، والعد لا يكون إلا من عين.
-
قالوا: قول الفراء يقبل في اللغة،
-
فأما في الأحكام: فلا.
-
قلنا: لم يرجع إليه لأمر اسم؛ لأن الآية دلت أن الدراهم ثمن، وكلام الفراء دل على أن الثمن في الذمة، وهو حجة في بيان الأسماء.
-
ويدل عليه: ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه قال لرسول الله [صلى لله عليه وسلم] : أترى أبيع الإبل في البقيع بالدراهم فآخذ بها الدنانير، وربما أبيعها بالدنانير وآخذ بها الدراهم؟، فقال عليه [الصلاة و] السلام: لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما شيء) ، ولم يفصل بين أن يقع العقد بها معينة أو في الذمة.
-
ويدل عليه: إجماع الأمة عملا في الاستدلال؛ وذلك لأنهم يبيعون بالدراهم المعينة فيجدون فيها الزيوف فيبدلونها،
-
ولا يعدون ذلك فسخًا.
-
فإن جوز مخالفنا ذلك لم يصح أصله؛ لأن ما تعين إذا رد بالعيب انفسخ فيه،
-
وإن لم يجوزه خالف إجماع الأمة.
-
ولأنه ثمن؛ فكان محله الذمة؛ أصله: المطلق.
-
١/٢٣٥٣١/٢٣٥٣
ولأنها دراهم جعلت تبعًا في البيع؛ فكان محلها الذمة، أصله: إذا أطلقها.
-
ولا يلزم الدراهم الأجبية وما أشبهها؛ لأنها تثبت في الذمة، فله أن يعطي مثلها من غير تعيين ولا صفة، وما صح العقد عليه إذا أطلقه ولم يعينه ولم يصفه، ولم يتعين بالبيع وإن عينه، كالميزان، والمكيال.
-
فإن قيل: العقد على قفيز من صبرة يصح من غير تعيين، ولو عينه تعين.
-
قلنا: إذا أشار إلى صبرة فقد عين المبيع ضربًا من التعيين؛ ألا ترى: أنه لو [لم] يضف العقد إلى الصبرة لم يجز، ونحن قلنا: ما صح العقد إن لم يقيده ولم يصفه.
-
قالوا: النكاح عندكم يجوز على عبد مطلق، ولو عينه لتعين.
-
قلنا: نحن قيدنا الحكم بالبيع،
-
فلا يلزم النكاح. ومن طريق المعنى لا يلزم؛ لأنا قلنا: ما صح العقد عليه إن لم يعينه، والنكاح لا يصح في العقد إلا بالتعيين،
-
فإن أطلقه وقع العقد عليه أو على قيمته.
-
ولا يلزم الوصية واليمين؛ لأن كل واحد منهما ينعقد على المطلق من الدراهم والأعيان،
-
فإن عينه تعين؛ لأنا قيدنا [المسألة] ، فقلنا: بيع.
-
ومن طريق المعنى لا يلزم؛ لأن الوصية موضوعها أن تتعلق بالأعيان، ألا ترى: أنها لا تثبت في الذمة، وإنما تتعلق بالتركة فإذا تعلقت عند إطلاقها بالأعيان فأولى بها إذا عينها.
-
ولأن معنى قولنا: إن ما صح العقد مع إطلاقه لم يتعين بالبيع وإن عين؛ لأن الجهالة تؤثر في بدل البيع والإطلاق سواء صح الإطلاق أو لم يصح.
-
١/٢٣٥٤١/٢٣٥٤
وهذا المعنى لا يوجد في الوصية والنكاح؛ لأن الجهالة لا تؤثر في بدل النكاح،
-
ولا فيما يقع الوصية به،
-
فإن عين تعين، وإن أطلق صح مع جهالته؛ لأن الجهالة غير مؤثرة فيهما.
-
وعلى هذا اليمين لا تؤثر الجهالة فيها، فلذلك تعين المحلوف عليه، إن قدر اليمين على مطلقه وإن شئت قلت: لو تعينت الأثمان بالبيع لم ينعقد عليها مطلقًا، كالعروض.
-
فإن قيل: إنما يصح العقد عليها مطلقًا للعرف في نقد البلد، ولذلك لو كانت النقود لم يصح إطلاقها،
-
ولو كان في بلد عرف لنوع من العروض فعقد عليها؛ جاز إطلاق العقد عليها.
-
قلنا: الأصح الإطلاق لعدم [اختلافها، ولهذه العلة لا تتعين إذا عرض تعيينها،
-
فأما العروض: إذا حصل فيها عرف يجوز معه العقد عليها] مطلقًا لم تتعين عندنا.
-
ولأن الأثمان من نوع واحد،
-
فلا فائدة في تعيينها؛ لأن الأغراض فيها لا تختلف، وكل تعيين لا فائدة فيه، فإنه لا يتعين بالعقد، كمن استأجر أرضًا ليزرع فيها حنطة جاز أن يزرع الشعير،
-
ومن استأجر دابة ليحمل عليها هذه الحنطة جاز أن يحمل عليها مثلها،
-
ومن ابتاع بهذا الميزان/ جاز أن يزن بغيره.
-
فإن قيل: في تعيينها فائدة وهو أن يكون حلالًا.
-
قلنا: إذا أخذ من جملة دراهم درهمًا ابتاع به؛ تعين عندكم، ولم يجز دفع غيره منها وإن ساواه في الحل وفي كل صفاته.
-
فإن قيل: إذا تعين فسد العقد بهلاكه.
-
١/٢٣٥٥١/٢٣٥٥
قلنا: الفائدة تطلب لتصحيح العقود لا لإفسادها.
-
فإن قيل: الفائدة أن يكون البائع أحق بها عند فلس المشتري.
-
قلنا: هذه الفائدة لا تعود إلى العقود وإنما تطلب لأمر بعده، وفوائد العقود تطلب حال العقد.
-
ولأن هذا التوثق حاصل للبيع ما دام المبيع في يده،
-
فإذا فعله فقد أسقط حقه فلم يلزم حكم العقد أن يثبت له نوع آخر من التوثق.
-
قالوا: فما ذكرتموه يبطل بصبرة طعام قسمها وباع أحد جزئيها، أوزق زيت باع أحد قسميه، فإنه يتعين،
-
ولا فائدة في تعيينه؛ لأن كل واحد من ذوي الجملة سواء،
-
وكذا سنجات الدوانيق تتعين ولا غرض فيها.
-
قلنا: إنما يتعين ذلك لتصحيح العقد،
-
فلو لم يتعين لبطل؛ لأنها لا نثبت في الذمة إلا بشرائط السلم، أو تكون جزءا من جملة المشار إليه، مثل أن يقول: قفيزًا من هذه الصبرة.
-
فإن قيل: الدراهم تتعين بالوصية.
-
قلنا: فيه فائدة؛ لأنه إذا أطلقها ضرب الموصي بها وإن زادت على
-
١/٢٣٥٦١/٢٣٥٦
الثلث، فإن عينها لم يضرب فيما زاد على الثلث.
-
وإن شئت قلت: ما لا يكون في تعيينه فائدة تعود إلى تصحيح البيع لا يتعين بالإشارة، كالمكيال، والميزان.
-
فإن قيل: إذا عين المكيال فسد العقد.
-
قلنا: فقد سلمتم الحكم، وهو أنه لا يتعين حتى يجب عليه أن يزن أو يكيل منه.
-
فإن قيل: المعنى في الإجازة يقصد به تقدير المنفعة، فلذلك جاز مثلها أو دونها.
-
قلنا: إنما كان كذلك؛ لأنه لا فائدة في التعيين، وهذا موجود في الدراهم؛ ولأن سبب الاستحقاق ما هو من جنس الأثمان في الذمة مطلقا، فلم يتعين، كالاستهلاك.
-
احتجوا: بحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: (لا تبيعوا الذهب بالذهب،
-
ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر،
-
ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر،
-
ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين، وهذا يدل على تعيينها، وأجرى الأثمان مجرى غيرها من الأعيان.
-
قلنا: إطلاق الذهب والفضة يتناول غير المضروب، وذلك يتعين عندنا.
-
ولأنه عليه [الصلاة و] السلام جعل التعيين شرطًا، وذلك غير مشروط في الأثمان إلا عند القبض، وعندنا أنها تتعين بالقبض.
-
وعلى قول أبي الحسن تتعين، لكن أعيانها غير مملوكة، وليس البر من المتعين،
-
فإذا قلنا به وكان الخلاف في غيره سقط الاستدلال.
-
فأما قولهم: إنه أجرى الأثمان مجرى الأعيان؛ فكذلك يقول أبو الحسن: إنها تتساوى في التعيين.
-
فأما على الطريقة الأخرى: فالمراد بذكر العين عدم النساء، وذلك
-
١/٢٣٥٧١/٢٣٥٧
تأكيدًا لقوله [عليه الصلاة والسلام] : (يدًا بيد هاء وهاء) ، وقد سمي النقد عينا لأنه ضد الدين.
-
قالوا: كل ما تعين بالقبض جاز أن يتعين بالعقد، كغير الأثمان.
-
قلنا: إنما تعينت بالقبض لأنها لو لم تتعين بطل المعنى المقصود بالقبض. ألا ترى: أنه يقبض ليستقر ملكه ويجوز تصرفه،
-
ولو لم يتعين جاز للبائع أن يتصرف فيه، فبطلت هذه الفائدة،
-
ولا فائدة في التعيين بالعقد تعود إلى العقد على ما بينا فلم يتعين.
-
والمعنى في غير الأثمان: أنها لو لم تتعين لم يجز البيع عليها مطلقًا، ولما جاز على مطلق الثمن دل على أنه لا يتعين.
-
وقد ناقض أصحابنا هذه العلة بالمسلم فيه؛ لأنه يتعين بالقبض ولا يتعين بعقد السلم.
-
قالوا: يتعين إذا بيع.
-
قلنا: النقض أنه يتعين كالقبض عن عقد؛ لأنه لا يتعين بذلك العقد.
-
فإن قلتم: إنه يتعين لمصيره إلى القبض.
-
قلنا: الدراهم تتعين بعقد الوصية،
-
وإن لم تتعين بالبيع.
-
قالوا: كل ما تعينت به الأثمان تضمن به الأثمان، كالقبض.
-
قلنا: قد تكلمنا على هذه العلة وأصلها، وتنتقض هذه العلة بالجناية؛ لأن قطع الطرف يعتبر به ولا يعتبر به الأرش، والسرقة معتبر بها قطع
-
١/٢٣٥٨١/٢٣٥٨
الطرف ولا يتعين بها الضمان.
-
قالوا: الأثمان تتعين بالغضب، والقبض، والوكالات، فكذلك البيع، كغيرها.
-
قلنا: أما الغضب فلا يقع إلا في عين ولا يقع على ما في الذمم،
-
فلو لم تتعين بالغصب خرجت من أن تكون مغصوبة وبطل ضمانها.
-
فإن قال الغاصب: لا فائدة في هذه الدراهم فخذ مثلها.
-
قلنا: بل فيه فائدة؛ لأن حق المغصوب لا يسقط عن عينها مع بقاء العين على حالها؛ لأنه لا يتعلق ابتداء بما في الذمة.
-
وكذلك الوديعة في هذا الحكم مثل الغصب،
-
فأما في الوكالة فيعتبر مثله؛ لأنه إذا وكله أن يبتاع بهذه الألف فهلكت قبل تسليمها إلى الوكيل جاز أن يشتري له بألف مثلها.
-
وإنما قالوا: إذا سلمها للوكيل فهلكت بطلت الوكالة؛ لأنها تعينت بالقبض كما يتعين البيع بالقبض.
-
قال أصحابنا: حكم الأثمان مفارق لغيرها؛ بدلالة: جواز المضاربة بها خاصة. وذلك المعنى يعود إلى التعيين؛ لأنها لا تتعين.
-
فإذا اشترى المضارب ثبت الثمن مضمونًا في ذمته فجاز أن يستحق ربح ما ضمن، والعروض تتعين فلا يستحق ربحها؛ لأنه ربح ما لم يضمن،
-
فلو تعينت الأثمان [لم يجز المضاربة بها] كالعروض.
-
قال ابن سريج: لو كانت الأثمان لا تثبت إلا في الذمة لوجب
-
١/٢٣٥٩١/٢٣٥٩
إذا عينت بالعقد أن يبطل، كالسلم.
-
قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأنه إذا أسلم في غيره ولم يؤجلها جاز العقد وكان بيعًا،
-
وإن أجلها بطل العقد؛ لأن الأعيان لا يصح تأجيلها.
-
قالوا: كعرض مشار إليه في عقد، فوجب أن يتعين، كسائر الأعواض.
-
قلنا: سائر الأعراض في تعينها فائدة تعود إلى [عقد البيع فتعينت، والأثمان ليس في تعينها فائدة تعود إلى] العقد، فلم تتعين.