مسألة ١٤٩٥
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٨٬١٨٤ إلى ٤٨٬٢٥٨
-
١/٦١٧٠١/٦١٧٠
أمان العبد الذي لم يؤذن له في القتال
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : أمان العبد الذي لم يؤذن له في القتال باطل.
-
وقال الشافعي رحمه الله: أمانه جائز.
-
لنا: قوله تعالى: {ضرب الله مثلاً عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيءٍ} .
-
فلا يخلو إما أن يكون المراد به القدرة التي هي القوة والجلد، أو القدرة التي هي الملك والتصرف.
-
ولا يجوز أن يكون الأول [مرادًا؛ لأن العبد أشد قوة وأعظم منة من كثير من الأمراء، فلم يبق إلا أن يكون المراد] به الوجه الثاني. وهذا ينفي جواز تصرفه إلا فيما دل عليه دليل.
-
وقوله: {عبدًا مملوكًا} . نكرة موصوفة، فتعم جميع العبيد.
-
فإن قيل: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن آتاه مالًا فلم ينفق منه وهو الكافر، ولمن آتاه مالًا فأنفقه في سبيل الله تعالى وهو المؤمن.
-
قلنا: هذا التأويل قد روي عن قتادة. قال مجاهد: العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء من الأمان،
-
{ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا} فهو مثل الله تعالى.
-
وهذا أصح التأويلين؛ لأنه مثل من كلامين: الأول منهما الله تعالى والأوثان، كذلك الآخر. فالأول قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا} .
-
١/٦١٧١١/٦١٧١
والثاني: [ {وضرب الله مثلاً] وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} . فلما ضرب الله الأوثان التي لا تقدر على نفع ولا ضر مثل العبد المملوك، علم أنه أريد به نفي قدرة العبد على التصرف وإلحاق النفع والضرر بالعبد كالأوثان.
-
ويدل عليه أنه لا يملك له إسقاط الحق الثابت بالجناية عليه،
-
فلا يملك إسقاط حق المسلمين من الدم كالمجنون.
-
ولأنه عقد، بدلالة افتقاره إلى الإيجاب والقبول،
-
[فلا يملكه العبد بنفسه كعقد البيع.
-
ولا يلزم قبول الهبة؛ لأنه لا يملك الهبة، وإنما يملك قبولها، والعقد هو الإيجاب والقبول] ، وهو لا يملك إيجاب الهبة.
-
ولأنه لا يملك العقود لما فيها من إسقاط حق مولاه وحق جماعة المسلمين، فأولى ألا ينفذ.
-
ولا يقال: بأن الحر لا يملك العقود في حق غيره، ويعقد الأمان فينفذ على المسلمين، كذلك العبد لا يملك العقد في حق مولاه وينفذ أمانه عليه، وذلك لأن الحر يعقد الأمان في حق نفسه؛ لأنه يملك التصرف،
-
فإذا صح في حق نفسه وهو لا يتبعض، ثبت في حق المسلمين كأحد الشركاء في دم العمد إذا عفاه.
-
ولأن العبد يعقد في حق غيره، بدلالة أنه لا يسهم له مع كمال العناية في القتال، فدل على أنه لا حق له. والعاقد في حق غيره من غير ولاية ولا إذن، لا يثبت عقده.
-
ولا يلزم المرأة؛ لأن المانع من الإسهام لها أن العناء لا تقع بقتالها.
-
ولا يلزم الأسير والمستأمن؛ لأنهما يعقدان [فيما لهما] فيه نفع، لكنهما متهمان. والعاقد في حق غيره لا ينفذ عقده مع التهمة كالولي.
-
ولأنه ليس من أهل الولاية،
-
فلا يملك الأمان بنفسه، أصله: الصبي.
-
ولا يلزم المرأة؛ لأنها تلي في نكاح نفسها وولدها.
-
١/٦١٧٢١/٦١٧٢
ولا يقال: الكافر من أهل الولاية ولا يصح أمانه؛ لأن فقد الولاية إذا منع الأمان، لم يقتض صحة الأمان بوجودها؛ لأنه لا يمتنع أن تكون علة يعود الأمان ذات شروط، فتنتفي بانتفاء أحد شروطها،
-
ولا يجب أن يصح بوجود ذلك الشرط حتى تنضم إلى ذلك الشرط بقية شروط العلة.
-
ولأن الكافر من أهل الولاية أنه متهم في حق المسلمين، فهو كالأب الفاسق، قد وجد فيه سبب الولاية ومنعت التهمة من تصرفه.
-
ولأنه عقد يسقط به حق القتل،
-
فلا يملك العبد بنفسه العفو عن القصاص.
-
ولأنه إسقاط حق الاسترقاق،
-
فلا يملكه العبد بنفسه كالعتق.
-
احتجوا: بما روي عن علي بن أبي طالب أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) .
-
قالوا: والمراد: أدناهم عبيدهم، هكذا فسره أبو عبيد.
-
قلنا: العبيد لم يتناولهم الخبر؛ لأنه قال: (تتكافأ دماؤهم) . ودم العبد لا يكافئ دم الحر عند مخالفنا، وبدل دمه لا يكافئ دية الحر عندنا.
-
فإن قيل: دية [العبد لا تكافئ دية] الحر، وإن تناولها الخبر.
-
قلنا: إنما يتناولها الخبر؛ لأن دمها في القصاص يكافئ دم المسلمين، وبدل نفسها يكافئ بدل نفس النساء.
-
فأما العبد فعندهم لا يكافئ دم الأحرار في القصاص ولا يكافئ بدل نفس العبيد لاختلاف قيمتهم. فعلى هذا يقتضي الخبر أدنى الأحرار من الموالي ومن قلت عشيرته، ويكون هذا [ردًا على] الجاهلية لأنهم كانوا لا يعتدون بإجارة من لا عشيرة له.
-
وقول أبي عبيد حجة إذا نقل اللغة،
-
فأما إذ تكلم في الأحكام فحاله كحال مخالفنا.
-
١/٦١٧٣١/٦١٧٣
ويحتمل أن يكون قولهم: (أدناهم) . يعني: أدناهم دارًا وموضعًا من أهل الحرب إذا عقد الأمان لزم من بعد عنهم أمانه، يبين ذلك أنه قال في الخبر: (يرد عليهم أقصاهم) . والمراد به: البعد في المكان. فقوله: (ويسعى بذمتهم أدناهم) .
-
يقتضي: أقصاهم. ويبين ذلك أن حكمهم حكم واحد قربوا أو بعدوا.
-
قالوا: روى طلحة بن عبيد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يجير على المسلمين بعضهم) .
-
[قلنا: لا يدل على أن بعض المسلمين يجيره] .
-
ولأن الإجارة لا تقف على رضا جماعتهم أن كل بعض منهم تصح [إجارته ويدل الخبر عليه.
-
قالوا: روي] عن عمر بن الخطاب أنه قال: العبد المؤمن من المؤمنين، ذمته ذمتهم.
-
[قلنا: ذكر لام التعريف] ، وهذا إشارة إلى عبد بعينه، فيحتمل أن يكون عبدًا [مقاتلًا.
-
قالوا: روي أن عبدًا رمى بسهم وكتب عليه أمانه، فأجازه عمر.
-
قلنا: هذا عبد مقاتل وأمانه مقاتل عندنا لازم.
-
وقالوا: مسلم مكلف]، فوجب أن يملك عقد الأمان بنفسه، أصله: الحر البالغ العاقل.
-
ولا يلزم الأسير؛ لأنه إن أمنهم بغير إكراه جاز.
-
قلنا: هذه الأوصاف لما لم تدل على أنه يملك البيع والنكاح والصلح والعفو عن الجناية، كذلك لا تدل على أنه يملك الأمان الذي خطبه أعظم وضرره على الغير أكثر. والمعنى في الحر أنه يملك العفو مما ثبت له من الدم والمال، فملك أن يسقط حقه وحق المسلمين من القتل والغنيمة.
-
ولما كان العبد لا يملك إسقاط ما ثبت من القصاص
-
١/٦١٧٤١/٦١٧٤
بالجناية عليه والأرش، كذلك لا يملك إسقاط حق المسلمين من الدماء والفيء.
-
وقالوا: معتقد للإيمان، فوجب أن يملك عقد الأمان كالحر.
-
قلنا: الإيمان بمجرده لا يدل على صحة العقد بدليل سائر العقود، وينتقض هذا بالصبي إذا عقل الإسلام واعتقده. والمعنى في الحر: أنه لو ثبت له شركة في دم العمد ملك إسقاطه بالعفو، كذلك يملك إسقاط القتل عن الحربي. ولما لم يملك العبد إسقاط القصاص المشترك، كذلك لا يملك الأمان.
-
قالوا: عقد يختص به المسلمون، فوجب أن يستوي فيه العبيد والأحرار، أصله عقد الحج والعمرة والصلاة والصوم.
-
قلنا: يبطل بعقد الأمانة بأن الأمان إذا كان للكفار وقف على قبول، فاستوى المسلم والكافر في انعقاده.
-
ولا يقال: إن المسلم يختص به.
-
فأما الحج والعمرة: فلا يستوي فيه الحر والعبد؛ لأن الحر متى عقدها لزمت، والعبد إذا عقدها بغير إذن المولى، وقعت فإن شاء حلله وإن شاء مكنه من فعلها، كذلك الأمان إذا عقد وقف فإن أمضاه نفذ وإن رده بطل.
-
فأما الصوم: فلا عقد له؛ لأن الصائم يدخل في الصوم حال نومه [وهو] لا يشعر به.
-
فأما الصلاة فلا يطلق عليها العقد، والمعنى فيها: أنها يستوي في عقدها البالغ وغيرها البالغ، فلذلك استوى الحر والعبد، والأمان بخلاف ذلك.
-
قالوا: من صح أمانه إذا كان مأذونًا في القتال، صح أمانه إذا لم يكن مأذونًا له في القتال، أصله الأجير والمرأة إذا أذن لها زوجها في القتال، وعكسه الصبي.
-
قلنا: العبد محجوز عليه في القتال،
-
فإذا أذن المولى زال الحجر فزال أمانه بالإسلام لا بالإذن. والمرأة والأجير كل واحد منهما ليس محجورًا عليه، وإنما منعنا من القتال لأجل حق الآدميين الذين لزمهم، فيجوز أمانهم بالإسلام أذن لهم أو لم يؤذن.
-
وأما الصبي إذا أذن له في القتال:
-
فمن أصحابنا من قال: في أمانه روايتان.
-
قالوا: العبد المأذون له في القتال يصح أمانه،
-
فلا يخلو إما أن يكون
-
١/٦١٧٥١/٦١٧٥
جواز أمانه لإذن مولاه في القتال، [أو لأنه على صفة يصح أمانه قبل الإذن لا يجوز أن يكون لإذن مولاه] لأن الإذن في القتال لا يكون إذنًا في عقد الأمان؛ لأنه ترك القتال ومنع منه، والإذن في الفعل لا يكون إذنًا في [تركه، ألا ترى أن الإذن في البيع لا يكون إذنًا في الأمانة في نقض الدين لا يكون إذنًا] في البراءة؟
-
والجواب: أن العبد من أهل القتال بإسلامه، والحجر منعه،
-
فإذا أذن المولى أسقط حقه بالإذن، فجاز له الأمان لا بالإذن لكن بإسلامه، يبين ذلك أن الكافر إذا أذن له في القتال لم يصح أمانه؛ لأنه لا إسلام له.
-
ولو قلنا: إن الأمان مستفاد بالإذن، لم يصح كلامهم؛ لأن المأذون في القتال مأمور بالإقدام في مواطن الإقدام والإحجام إذا كان الصلاح فيه، والأمان ضرب من الإحجام عن القتال [والمحاصرة] والانحياز. على أنه لا يمتنع أن يستفاد بالإذن في القتال الأمان،
-
وإن كان مخالفه كما أن المولى يأذن لعبده في التجارة ومقصوده من ذلك الاكتساب، فيجوز إقرار العبد بالديون وفي إقراره إبطال اكتساب ونقض غرض المولى، وللوكيل بالشراء أن يرد بالعيب، والرد ضد التمليك المأذون فيه، ويأذن له في النكاح فيملك الطلاق بملكه لاستباحة البضع، كذلك يأذن له في القتال، فيجوز أمانه بملكه للقتال وهو مسلم.