مسألة ٤٤
التجريدالحنفيةالمسائل ١٬٥٧٧ إلى ١٬٦١٦
-
١/٢٥١١/٢٥١
إذا نسي الماء في رَحله فتيمم للصلاة سقط فرضه
-
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى، سقط فرضه.
-
وقال أبو يوسف والشافعي: يتوضأ ويعيد.
-
لنا: أن لزوم فرض الوضوء يتعلق بالقدرة على استعمال الماء،
-
ولا يعتبر فيه الملك، بدلالة من بُذل له الماء وجب عليه استعماله وإن لم يملكه،
-
ومن يخاف العطش سقط عنه الفرض وإن كان مالكًا للماء، والناسي غير متمكن من استعماله فلم يلزمه فرضه.
-
ولا يلزم المكفر إذا نسي الرقبة في ملكه فصام؛ لأن أبا الحسن روى عن أبي حنيفة جواز الصوم، ولأن وجوب العتق يتعلق بالملك لا بالقدرة؛ بدلالة أن من بُذل له عبد لم يلزمه قبوله للعتق؛ لأنه ليس بمالك، والنسيان لا يزيل الملك، ولأنه غير عالم بمكان الماء،
-
فإذا أبيح له التيمم سقط فرصه، أصله: كان بقربه بئر لا يعلم بها ولا علامة عليها.
-
قالوا: إذا لم يعلم بها في الأصل وليس عليها أمارة لم ينسب إلى التفريط وما في رحلة هو مفرط في نسيانه.
-
١/٢٥٢١/٢٥٢
قلنا: الطلب عندنا ليس بواجب، والتفريط إنما يكون في ترك ما وجب عليه، ولأن النسيان سبب يحول بينه وبين استعمال الماء، كمنع الغير وعدم الآلة التي يستقى بها،
-
فإذا جاز سقوط فرضه بالتيمم في أحد الموضعين، كذلك الآخر.
-
قالوا: الممنوع من جهة الغير يسقط فرضه، والثاني: ممنوع من جهة نفسه فلم يسقط فرضه، كمن نسي الركوع والسجود.
-
قلنا: الناسي ممنوع من جهة الله سبحانه، فهو كالمريض الممنوع من جهته.
-
ولأن النسيان لا يسقط الوضوء بنفسه ويسقط بانضمام السفر إليه.
-
فالمواضع التي ألزموها لم يوجد فيها إلا مجرد النسيان.
-
احتجوا: بقوله سبحانه: {فلم تجدوا ماءً فتيمموا} .
-
والجواب: أن الوجود المراد بالآية هو القدرة على الاستعمال من غير مشقة، وهذا لا يوجد فيما نسيه.
-
ولا يوصف بأنه واجد له وإن كان موجودا، كما أنه ليس بواجد لماء البئر إذا عدم الرشاء، أو حال بينه وبينها سبع،
-
وإن كان الماء موجودًا فيها.
-
قالوا: العرب تقول إن الناسي واجد.
-
قلنا: لا نسلم هذا، ألا ترى أنه يتصور منه الطلب ويستحيل أن يطلب ما هو واجد له.
-
ولا يقال: إن الوجود ضده العدم؛ لأن الوجود إذا كان المراد به حصول العين فضده العدم،
-
وإذا كان المراد به التمكن فضده العجز. وقد بينا أن المراد بالآية: التمكن من الماء، لا وجوده مشاهدة.
-
قالوا: الطهارة بالماء شرط من شرائط الصلاة، فلم يسقط فرضه بالنسيان، كما لو نسي القيام فصلى قاعدًا، أو نسي الستر.
-
قلنا: نقول بموجب العلة؛ لأن الفرض لا يسقط بالنسيان، وإنما حفظ به وبالسفر، ولأن ترك الكلام شرط من شرائط الصلاة، وقد سقط عندهم بالنسيان.
-
١/٢٥٣١/٢٥٣
فأما من نسى الستر،
-
فمن أصحابنا من قال: جازت صلاته،
-
فأما من نسي القيام فصلى قاعدا فلا يتصور مع كمال العقل أن ينسى القدرة على القيام فيصلي قاعدًا، ولأن من نسي القيام والستر فقد ترك فرضا لم ينتقل إلى بدل. ووزانه من مسألتنا أن ينسى الطهارة أولًا فيصلي بغير طهارة.
-
ولا يقال: إن القود بدل عن القيام؛ لأنه فرضه، والجزء من الشيء ليس ببدل عنه.
-
ولا يقال: إن القعود بدل عن القيام؛ لأنه فرضه، والجزء من الشيء ليس بدل عنه.
-
قالوا: أمر متعلق بالطهارة فلم يسقط فرضه بالنسيان، كما لو كان على ثوبه نجاسة فنسيها.
-
قلنا: الفرض هناك لم ينتقل إلى بدله، وفي مسألتنا: انتقل إلى بدل، وقد يؤثر الشيء في نقل الفرض إلى بدل ولا يؤثر في إسقاط الفرض، كالمرض والسفر المبيحين للتيمم وإن لم يسقطا فرض الطهارة.
-
قالوا: الطهارة عبادة مأمور بها فلم يسقط فرضها بالنسيان، كالصلاة.
-
قلنا: لا نسلم في الأصل؛ لأن فرض الصلاة يسقط بالنسيان، وإنما يلزمه عند الذكر عبادة مبتدأة، وإيجاب العبادة المبتدأة يقف على الدلالة، ولأن من نسي الصلاة فلم تقم غيرها مقامها، فصار كمن نسي الوضوء والتيمم معًا.
-
قالوا: نسيان ما يتم به الطهارة لا يوجب سقوط فرضه، كمن نسى غسل بعض الأعضاء.
-
قلنا: ترك بعض الأعضاء لا تؤثر فيه الأعذار مع بقاء فرضه، ألا ترى أن المرض والسفر لا يؤثران في ذلك، وانتقال الفرض من الوضوء إلى التيمم تؤثر فيه الأعذار: المرض والسفر؛ فجاز أن يؤثر فيه النسيان.
-
وجملة ما ذكروه من العلل قد بينا أنا نقول بموجبها،
-
وأن النسيان بمجرده لا يؤثر، وإنما يؤثر مع انضمام معنى آخر إليه.
-
١/٢٥٤١/٢٥٤
ولأن الفرض عندنا يسقط في كل هذه المواضع، والقضاء فرض ثان، فيجب بقيام الدلالة ويسقط عند عدمها.
-
ولأن جميع ما يذكر فيه ترك الفرض أصلًا، وفي مسألتنا انتقل من فرض إلى فرض، فاعتبار أحدهما بالآخر لا يصح.