مسألة ١١٠
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٬٤٧٦ إلى ٣٬٥٤٧
-
١/٤٨٥١/٤٨٥
الواجب في القراءة
-
قال أبو حنيفة: الواجب من القراءة ما يتناوله الاسم.
-
وقال الشافعي: الواجب فاتحة الكتاب.
-
لنا: قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرءان} ، وهذا غاية ما يقال في إسقاط التعيين، يقول القائل: افعل ما تيسر.
-
ولا يقال: إن المراد بالآية الصلاة؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله قيام نصف الليل ثم خفف عنهم، ونسخ بقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرءان} .
-
قالوا: ويدل على ذلك سياق الآية؛ لأنه قال: {قم الليل إلا قليلا * نصفه} ،
-
ثم قال: {علم أن يكون منم مرضى} . فلما قال: {فاقرءوا ما تيسر}
-
١/٤٨٦١/٤٨٦
علم أن المراد به: صلوا ما تيسر؛ وذلك لأن حقيقة قوله: {فاقرءوا} الأمر بفعل القرءان، وحمله على الصلاة مجاز،
-
فلا يصار إليه إلا بدليل،
-
ولا دليل لهم في قول ابن عباس؛ لأنه يجوز أن يكون أمر بتخفيف القراءة، فصار الأمر بذلك تخفيفا للصلاة، فيكون النسخ والمعنى.
-
قالوا: الذي تيسر هو الفاتحة في العادة.
-
قلنا: من تيسرت عليه الفاتحة فما دونها أيسر، وظاهر الآية يقتضي وجوب كل ما تيسر.
-
فلو قلنا: إن من ترك تشديد حرف من الفاتحة لم تجز صلاته، فلم يكن تيسيرا. ولأن الآية لا يجوز أن يراد بها الفاتحة؛ لأنها نزلت بمكة، والفاتحة بالمدينة، فكيف يجوز أن يراد بها؟
-
ويدل عليه: ما رواه رفاعة بن رافع، وأبو هريرة في قصة الذي صلى في المسجد فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ارجع فصل فإنك لم تصل ... إلى أن قال:
-
ثم اقرأ ما تيسر معك من القرءان) ). وهذا في حال البيان،
-
فلو كانت الفاتحة واجبة لذكرها.
-
ولا يقال قد روي في الخبر أنه قال:
-
((ثم اقرأ بفاتحة الكتاب) )؛ لأن هذا لا يعرف، والمشهور ما بيناه. وقد طرق الخبر ابن شجاع وأبو الحسن على ما ذكرناه.
-
ولو ثبت لم يكن فيه دلالة؛ لجواز أن يكون ذكر الأمرين فبين بأحدهما: الوجوب وبالآخر: المسنون.
-
ويدل عليه ما رواه أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
-
١/٤٨٧١/٤٨٧
- صلى الله عليه وسلم -: ((أخرج فناد في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقراءة،
-
ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد) ). وهذا ينفي التعيين، ذكره أبو داود.
-
قالوا: قد روي في الخبر: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فيما زاد) ).
-
قلنا: الخبر واحد، والزائد أولى،
-
ويجوز أن يكون يبين الأمرين: الواجب والمسنون.
-
قالوا: المراد بالخبر الأمر بتكثير القراءة أو الاقتصار على الأدنى، وهو فاتحة الكتاب، كما يقال: أقم البينة ولو رجل وامرأتين.
-
قلنا: ظاهر قوله: ولو بكذا الخيير بينه وبين غيره، وما سواه عدول عن الظاهر،
-
فلا يصار إليه إلا بدليل؛ ولأنه ذكر جعل شرطًا في صحة الصلاة فلم يتعين، كالتكبير والخطبة.
-
قالوا: التكبير يتعين عندنا؛ لأنه لا يجوز إلا بالله أكبر فإذا قال: الأكبر انعقدت الصلاة ببعضه.
-
قلنا: قد بينا فيما سلف أن كل واحدة من اللفظتين غير الأخرى، وقد جوز الشافعي بكل واحدة منهما.
-
قالوا: الخطبة غير متكررة في الصلاة فلم تتعين، والقراءة ذكر متكرر فيها فتتعين.
-
قلنا: علة الأصل تبطل بالتعوذ والاستفتاح، فإنه غير متكرر ويتعين في
-
١/٤٨٨١/٤٨٨
باب المسنون، وعلة الفرع تبطل بالتسبيحات؛ لأنها تتكرر في الصلاة ولا تتعين عندهم؛ لأنه يجوز أن يقول: لك سجدت، ولك ركعت، ولأنه أتى بما يسمى قرآنًا، فصار كفاتحة الكتاب.
-
ولا يقال: إن فاتحة الكتاب تجمع الثناء والحمد والدعاء مع قصرها، وذلك لا يوجد في غيرها؛ لأنه لو قرأ آيات متفرقة فيها هذه المعاني لم يجز عندهم؛ لوجود ما قالوه. ولأن ما ثبت لحرمة القرآن لم يختص بفاتحة الكتاب، كمنع المحدث من مسه، والجنب من قراءته.
-
ولا يقال: إن المنع من مسه ليس لحرمة القرآن، لكن لأجل ظَرفه؛ لأن المنع لحرمة القرآن، فتعلقت تلك الحرمة بما كتب فيه.
-
احتجوا: بما رواه سفيان بن عيينة عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ).
-
والجواب: أن لفظة (لا) مشتركة: يحتمل نفي الجواز، ونفي الكمال، كقوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) ). وإذا احتملت الأمرين
-
١/٤٨٩١/٤٨٩
حملت على نفي الكمال؛ لأنه متيقن.
-
ولا يقال: حمله على نفي الإجزاء يدخل على نفي الكمال؛ لأن العموم يتعين في الألفاظ دون التقدير والإضمار. ولأن قوله: ((لا صلاة) ) يقتضي نفي الفعل، وهو موجود، فالمراد غير الظاهر فاحتمل: لا صلاة جائزة ولا صلاة كاملة. ولأنه روي في هذا الخبر أنه قال: ((وآيات معها) )، وقد أريد بالنفي فيما زاد على الفاتحة نفي الكمال، فكان هو المراد في الفاتحة؛
-
لأن اللفظ يتناولهما على وجه واحد.
-
قالوا: عندكم أن ترك الفاتحة ليس فيه نفي الكمال.
-
قلنا: ليس كذلك؛ لأن الأفضل عندنا قراءة الفاتحة.
-
قالوا: روي في هذا الخبر أنه: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب) )، وهذا مفسر لا يحتمل.
-
قلنا: هذا الخبر رواه الأئمة عن سفيان بن عيينة باللفظ الأول، وذكره البخاري في الصحيح،
-
وكذلك رواه الشافعي. وإنما تفرد بهذا اللفظ زياد بن أيوب، راويه عن سفيان، والرجوع إلى رواية الأئمة أولى مما تفرد به واحد.
-
وقول الدارقطني: هذا الإسناد صحيح رجع إلى أصل الرواة للخبر؛ لأنه ساق حديثهم في حديث واحد،
-
ولو ثبت لم يدل على أن الإجزاء هو الكفاية، فكأنه قال: لا تكفي صلاة، وعندنا أن الكفاية تقع بالمسنون والمفروض،
-
فأما الاقتصار على المفروض فليس بكاف.
-
قالوا: روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل صلاة لم يقرأ فيها بأم
-
١/٤٩٠١/٤٩٠
الكتاب فهي خداج)).
-
قلنا: الخداج: الناقص. وعندنا أن من ترك الفاتحة فصلاته ناقصة، فقد قلنا بالظاهر.
-
قالوا: الخداج نقصان عضو من أصل الخلقة، يقال: أخدجت الناقة إذا وضعت ولدها على هذه الصورة، فاقتضى أن تكون الصلاة نقصت ركنا من أصلها.
-
قلنا: قال أبو عبيد: أخدجت الناقة إذا ولدت ولدا ناقص الخلقة، وخدجت إذا وضعته لأقل من مدة الحمل.
-
فلو كان المراد ما قالوه لقال: فهي إخداج. ولأن هذه أخبار آحاد،
-
فلو حملت على الوجوب لنسخت الآية، وما دل عليه ظاهر القرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد.
-
قالوا: قوله: {فاقرءوا ما تيسر} مجمل؛ لأنه يختلف ما تيسر، فهذه الأخبار بيان.
-
قلنا: ليس مجملا وإن اختلف ما تيسر؛ لأن اللفظ يحمل على أدناه.
-
قالوا: روي مثل قولنا عن عمر، وابن عباس، وخوات بن جبير وعثمان ابن أبي العاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، ولا مخالف لهم.
-
١/٤٩١١/٤٩١
قلنا: ذكر ابن شجاع عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: جلست إلى رهط من أصحاب محمد من الأنصار، فذكروا الصلاة فقالوا: لا صلاة إلا بقراءة ولو بأم الكتاب، قال خالد: قلت لعبد الله: هل سمي منهم أحدا، قال: خوات بن جبير وذكر.
-
عن أبي العالية البراء قال: قلت لابن عمر: في كل ركعة تقرأ؟، فقال: إني لأستحيي من رب البيت أن لا أقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وما تيسر. وسألت ابن عباس، فقال: هو إمامك: إن شئت فأقل منه، وإن شئت فأكثر.
-
قالوا: ركن من أركان الصلاة، فوجب أن يكون معنيا، كالركوع والسجود.
-
قلنا: نحن نسلم لأنه لا فرق بينهما، يجوز في كل واحد منهما ما يتناوله الاسم وإن كان فرضه. وقولهم: إنا نريد بالتعيين أن عين الانحناء لا يقوم مقام الركوع لا يصح؛ لأن هذا يفيد تعيين جنسه، فنقول بموجبه في القراءة؛
-
لأن جنسها يتعين والخلاف في القدر.
-
قالوا: صلاة واجبة عريت عن فاتحة الكتاب مع القدرة، فوجب أن لا يعتد بها، كما لو لم يقرأ أصلًا.
-
قلنا: يبطل بمن أدرك إمامه راكعًا، فالركعة صلاة عريت عن فاتحة الكتاب مع القدرة.
-
قالوا إنما سقطت عندنا لأنه مأمور بمتابعة الإمام،
-
فلا يقدر أن يقرأ ويتابع.
-
١/٤٩٢١/٤٩٢
قلنا: القدرة موجودة، وإنما أمر بتقديم غيرها. ولأن الطواف عندهم صلاة واجبة ويجوز مع عدم فاتحة الكتاب. ولأن من لم يأت بشيء من القرآن فقد ترك الركن أصلًا، فصار كمن ترك الركوع،
-
ومن قرأ ما يتناوله الاسم فقد أتى بما يطلق عليه الاسم، فصار كما لو ركع ولم يطول.
-
قالوا: الصلاة عبادة لها تحريم وتحليل تشتمل على أركان مختلفة، فوجب أن يكون من جملة أركانها ما له عدد سبع، كالحج.
-
قلنا: يبطل بالسجود المنذورة؛ لأنها عبادة ذات أركان لها تحريم وتحليل؛ لأنه يكبر فيها ويسلم وليس في جملة أركانها ما له عدد سبع. ولأن الركن عندنا في الطواف أربعة أشواط وما بعده ليس بركن، فهو كالقراءة التي لا يتقدر عددها بالسبع،
-
وإن كان الإتيان بذلك أفضل.