مسألة ١٤٠
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٬٤٢٣ إلى ٤٬٥٠٥
-
١/٦١١١/٦١١
إذا تكلم في صلاته ناسيا لها أو جاهلا بطلت صلاته
-
قال أصحابنا: إذا تكلم في صلاته ناسيا لها أو جاهلا بطلت صلاته.
-
وقال الشافعي: إذا قل الكلام لم تبطل،
-
وإن كثر ففيه وجهان،
-
وإن فعل فيها فعلا ليس منها ناسيا لم يفسد قليله، وأفسد كثيره قولا واحدا.
-
لنا: حديث ابن مسعود أنه لما قدم من الحبشة سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فلم يرد عليه، فلما قضى صلاته قال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء،
-
وإن مما أحدث أن لا يتكلم في الصلاة) . وهذا خبر يتناول الناسي والعامد. وروي في حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الكلام ينقض الصلاة،
-
ولا ينقض الوضوء) .
-
وقال - عليه السلام -: (من قاء في صلاته أو رعف فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم) ، ولم يفصل.
-
قال في حديث معاوية بن الحكم - رضي الله عنه -: (إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء
-
١/٦١٢١/٦١٢
من كلام الناس، إنما هي تكبير وتسبيح وقراءة).
-
ولا يقال: إن معاوية تكلم في صلاته ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه يجوز أن يكون لم يبلغه تحريم الكلام فلم يثبت حكمه في الرجعة.
-
ولا يقال: إنه أخبر ان الكلام لا يصلح، وهذا يقتضي فساد الكلام،
-
فأما فساد الصلاة فلا يدل عليه؛ لأن فساد الكلام إنما يقال متى تناقض ولم ينتظم،
-
فأما أن يقال: كلام فاسد- لأنه لا يجوز في العبادة- فليس بصحيح، كما لا يقال لمن جامع في الصوم أو أكل: إنه فعل فاسد،
-
وإذا لم يوصف الكلام بالفساد لأجل النهي لم يبق أن ينصرف ضد الصلاح إلا إلى الصلاة. ولأن كلام الآدميين تنفي التحريمة جنسه، فاستوى حال الذاكر للصلاة والناسي، كالحدث.
-
ولا معنى لقولهم: إن الحدث لا يبطل الصلاة وإنما يبطل الوضوء؛ لأنا لم نتعرض لفساد الصلاة، وإنما عللنا للتسوية بين الأمرين. ولأن الحدث يفسد الصلاة وإن كان بواسطة. ولأن الحدث قد يبطل الصلاة وإن لم يبطل الطهارة، كمن صلى ولم يجد ماء ولا ترابا فأحدث، بطلت صلاته عندهم وإن لم يبطل حدثه طهارته.
-
قالوا: ليس إذا أبطلها الكلام عمدا أبطلها سهوا؛ لأن عمد السلام في غير موضعه يبطلها ولا يبطلها سهوه.
-
قلنا: لا فرق بينهما؛ إذا تعمد السلام ولم يقصد الخروج لم تبطل صلاته.
-
قالوا: المعنى في الحدث أنه ليس من جنس سهوه ما لا يؤثر في الصلاة، فلم يفرق بين سهوه وعمده، والكلام من جنس سهوه ما لا يؤثر في الصلاة، فلهذا فرق بين سهوه وعمده.
-
قلنا: علة الأصل غير مسلمة؛ لأن سيلان الاستحاضة حدث ولا يؤثر في الصلاة،
-
فمن جنس الحدث ما لا يؤثر وإن استوى عمده وسهوه. وعلة الفرع تبطل بزيادة الأفعال؛ لأن في جنس سهوها ما لا يؤثر، وهو المشي القليل، وإن
-
١/٦١٣١/٦١٣
كان كثيره يستوي عمده وسهوه.
-
ولأن التحريمة نهي فيها عن أفعال وأقوال،
-
فإذا كانت الأفعال المنهي عنها يستوي فيها الساهي والعامد إذا كثرت، كذلك الأقوال.
-
ولأن الصلاة نهي فيها عن أفعال وأقوال، أمر فيها بأفعال وأقوال:
-
ثم كان ترك ما أمر به يستوي فيه النسيان والعمد، كذلك ما نهي عنه.
-
قالوا: اعتبار أحدهما بالآخر لا يصح؛ لأن الخروج من العبادة مأمور به، ولم يفرق بين عمده وسهوه، وهو منهي عنه في غير موضعه، وقد فرق في السلام بين سهوه وعمده.
-
قلنا: لا فرق بين سلام الساهي والعامد عندنا [على ما قدمناه] . ولأنه قاصد إلى الكلام الذي يفسد جنسه الصلاة،
-
فلا يعتبر بنسيانه لصلاته، كلفظ الزيادة.
-
ولأن التحريمة عقد، وما يبطل العقود لا فرق فيه بين الجهل والعلم والنسيان والعمد، كالمعاني المفسدة للبيع. ولأنه قول ينافي موجب عقد ما يستوي فيه الذكر للعقد والنسيان، كالطلاق.
-
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
-
والجواب: أن الخطأ هو الفعل، وذلك غير مرفوع، فعلم أن المراد غير الظاهر، فعندهم معناه: رفع حكم الخطأ، وعندنا: رفع مأثم الخطأ، فتساوينا في ترك الظاهر.
-
ولا يقال: إن الإثم داخل في الحكم، فإضمارنا أولى؛ وذلك لأن الإضمار لا يرجح بالعموم، وإنما يضمر أسفل الكلام،
-
فإذا اكتفي بإضمارين لم يفتقر إلى ما زاد عليه.
-
ولأن الحكم لا يرتفع باتفاق؛ بدلالة الجاني ناسيا مخطئا، والمأثم مرتفع في جميع المواضع، فكان إضمار ما يمكن حمله على العموم أولى من إضمار
-
١/٦١٤١/٦١٤
ما أجمعوا على تركه في بعض المواضع.
-
احتجوا: بحديث أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر فقام في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فأقبل على القوم وقال: (أصدق ذو اليدين؟) فقالوا: نعم. فأتم ما بقي من صلاته، وسجد سجدتين [للسهو] بعد التسليم.
-
قالوا: فقد تكمل ساهيا؛ لأنه اعتقد أنه خرج من الصلاة وأتمها.
-
والجواب: أن هذا الخبر مضطرب في نفسه؛ لأن أبا هريرة روى أنه صلى إحدى الصلاتين، وروى أنه صلى العصر، وروى أنه سلم في ركعتين. وروى عمران بن الحصين القصة وذكر أنه سلم في الثالثة.
-
ثم لو ثبت كان متروكا بالإجماع؛ لأن ذا اليدين قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال: (كل ذلك لم يكن) ، فقال ذو اليدين: بلى، قد نسيت. ومعلوم أنه تكلم ابتداء، وهو يجوز الفسخ ثم علم أنه لم يفسخ فكلامه الثاني عامدا.
-
وقول أبي بكر وعمر للنيب - صلى الله عليه وسلم - [نعم] كلام عامد، وهذا يفسد الصلاة باتفاق.
-
١/٦١٥١/٦١٥
ولا يقال: إن أبا بكر وعمر لزمهما جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
-
وإذا وجب الكلام لم يفسد؛ لأن ما ينافي الصلاة إذا وجب فيها أفسدها، كتخليص الغريق.
-
ولأن هذا لا يوجد في كلام ذي اليدين، فلم يبق أن يكون هذا في حال إباحة الكلام، فلم تبطل الصلاة، لا للنسيان، لكن لأن الكلام لا يفسدها.
-
ولا يقال: إن تحريم الكلام كان قبل قدوم ابن مسعود من الحبشة، وقصة ذي اليدين بعد إسلام أبي هريرة، وأبو هريرة أسلم بعد الهجرة بسبع سنين، وقال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
قلنا: يجوز أن يكون هذا قبل إسلام أبي هريرة، ويقول: صلى بنا، أي: بقومنا، كما قال الحسن: خطبنا علي، يعني: أهل بلدنا. يبين ذلك أن ذا اليدين قتل يوم بدر، ذكره ابن إسحاق في جملة شهداء بدر من بني زهرة، وهو أعلم [أهل] زمانه بالسيرة.
-
قالوا: لا يظن بأبي هريرة أنه يقول: قام ذو اليدين. وقد قتل ذو اليدين ببدر، فالظاهر أنه كان حيا، وإنما الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو ابن نضلة، وذو اليدين عاش بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومات في أيام معاوية، وقبره بذي حسب، واسمه خرباق.
-
والدليل على أن هذا هو الراوي: ما روى عمران بن الحصين
-
١/٦١٦١/٦١٦
في القصة وقال: فقام الخرباق فقال: أقصرت؟
-
قلنا: ذو الشمالين هو ذو اليدين، وهو ابن عبد عمرو، حليف بني زهرة من خزاعة، وإنما غير النبي [- صلى الله عليه وسلم -] اسمه من ذي الشمالين إلى ذي اليدين، كما كان يغير الأسماء المستنكرة.
-
والدليل عليه: ما روى الزهري عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة قال: سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين فقال له ذو الشماليين ابن عبد عمرو: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فثبت أن ذا الشمالين هو ذو اليدين،
-
وكذلك روى الأوزاعي في هذه القصة.
-
وقولهم: غلط الأوزاعي، ليس بصحيح؛ لأنه إذا اجتمع فيها الزهري وابن إسحاق والأوزاعي لم يصح دعوى الغلط بغير حجة.
-
ولو ثبت ما قالوه من تأخير القصة عن قدوم ابن مسعود لم يدل؛ لأن الكلام أبيح بعد ذلك.
-
والدليل عليه: ما روى زيد بن أرقم قال: كنا نتحدث في الصلاة حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت. وزيد بن أرقم أصغر سنا من أبي هريرة.
-
قالوا: الدليل على أن هذا كان في حال حظر الكلام أنه روي في الخبر أنه - عليه السلام - قال: (أصدق ذو اليدين) ، فأومأوا، أي: نعم.
-
فلو كان في حال إباحة الكلام
-
١/٦١٧١/٦١٧
لم يؤمنوا. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو،
-
ولو كان الكلام مباحا لم يسجد.
-
قلنا: قد روي في عامة الأخبار أنهم قالوا: نعم، فيجوز أن [يكون] تكلم بعضهم وأشار بعضهم على عادة الناس في الكلام.
-
فأما سجود السهو فليتأخر الأركان ويسلم من السهو،
-
ومن سلم في صلاته ناسيا وجب عليه سجود السهو. وقد روى عمران أنه سلم في الثالثة،
-
فإن كان كذلك فالقعدة في الثالثة. يبين ما قدمناه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) ،
-
فلو كانت هذه القصة بعد هذا لسبح به ذو اليدين ولم يتكلم، ولكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينكر عليه ترك التسبيح إلى غيره، كما روي أنه دخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس فصفقوا، فأنكر عليهم [ترك التسبيح إلى غيره] [فقال] : (إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال) ، فإنكار الكلام أولى.
-
فلما لم ينكر دل على أن هذا متقدم على الأمر بالتسبيح.
-
ولو ثبت أن هذا الخبر بعد حظر الكلام اقتضى إباحة الكلام بكل حال؛ لأنه إذا تكلم ناسيا ولم يستأنف لم يختص إباحة الكلام بالنسيان، كما لا تختص بوجوده من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعلم أن هذا متقدم التحريم.
-
قالوا: خطاب آدمي على وجه السهو، فوجب أن لا يبطل الصلاة، كما لو سلم ساهيا.
-
قلنا: يبطل بمن خاطب غيره بكلمة الكفر. ولأن السلام موضوع في الصلاة،
-
فإذا حصل فيها من غير موقعه جاز أن لا يفسد، وكلام الآدميين لم يوضع
-
١/٦١٨١/٦١٨
فيها، فصار كسائر المعاني المنافية لها،
-
فلا يختلف بالسهو والعمد. ويبين صحة الفرق أن الأفعال الموضوعة فيها وقد اختلف فيها النسيان والعمد، كزيادة السجدة عندهم، ولم يختلف في الأفعال التي لم توضع فيها إذا كثرت باتفاق.
-
قالوا: كل معنى منه في العبادة منعا يختص بها فإن سهوه لا يبطلها، كالأكل في الصوم.
-
قلنا: لا نسلم. الوصف في الأصل؛ لأن الأكل لا يختص النهي عنه بالصوم؛ لأنه ممنوع منه في الصلاة.
-
ثم اعتبار الصلاة بالصوم في المعاني المفسدة لا يصح؛ لضعف الصلاة فيما يفسدها وقوة الصوم، فتفسد الصلاة معان لا تفسد الصوم، وقد يفسد الصوم عندهم ما لا يفسد الصلاة؛ ألا ترى أن من ظن أن الشمس قد غربت فأكل بطل صومه،
-
ولو ظن أنه أتم الصلاة فسلم وأكل لم تبطل صلاته عندهم.
-
ثم المعنى في الصوم أنه ينعقد وإن لم يكن للمكلف قصد في انعقاده، فجاز أن يكون ما يفسده يختلف بقصده وعدم قصده، والصلاة لا يصح انعقادها والمكلف غير قاصد لانعقادها، فما يبطلها يستوي أن يوجد في حال ذكرها والسهو عنها.
-
قالوا: لو كلفناه القضاء لم نأمن فيه ما لحقه من الأذى، إلا أنه لا يحترز عن أن ينسى.
-
قلنا: يبطل بمن فعل فيها فعلا طويلا ناسيا لا يأمن مثله في القضاء وإن وجب عليه،
-
وكذا إذا ترك الأركان ناسيا.
-
قالوا: الكلام كان مباحا عمدا، وسهوه مثله، والنسخ نهي، والنهي لا يتناول إلا القاصد، فبقي المحظور على أصل الإباحة/.
-
قلنا: الكلام كان مباحا لجنسه فحظره يعود إلى جنسه،
-
ولا يختص بأنواعه. ولأنا بينا الحظر بلفظ الخبر، والأمر والخبر ينصرف إلى الساهي.