مسألة ٦٥٢
التجريدالحنفيةالمسائل ٢١٬٤٧١ إلى ٢١٬٥٥٧
-
١/٢٦٢٦١/٢٦٢٦
ملك الكافر للعبد المسلم
-
قال أصحابنا: يجوز أن يملك الكافر العبد المسلم بالميراث، والشراء، والهبة، والوصية.
-
وقال الشافعي: يملك بالميراث قولًا واحدًا،
-
وأما في العقود: فقال في عامة كتبه: إنه يملكه ويجبر على بيعه، وقال في الأصل: العقد باطل.
-
لنا: حديث عمر - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع) .
-
ولأنه عبد لو اشتراه المسلم صح،
-
فإذا اشتراه الكافر ملكه، كالعبد الصغير إذا أسلم.
-
فإن قيل: المعنى فيه: أن الكفر لا يمنع من استدامة ملك.
-
لم نسلم ذلك، بل نقول: إنه يمنع من الاستدامة، كالمسلم الكبير.
-
ولأنه عبد يصح للكافر بيعه فصح شراؤه، كالعبد الكافر، والعبد الصغير إذا أسلم.
-
ولأن المبيع أحد شطري العقد،
-
فإذا ملكه الكافر من المسلم ملك الشطر الآخر.
-
فإن قيل: البيع إزالة ملك، والشراء اجتلاب الملك، وفرق/ بين
-
١/٢٦٢٧١/٢٦٢٧
الأمرين. بدليل: أن الكافر إذا أسلمت امرأته وطلقها لا يجوز أن يتزوج المسلمة.
-
قلنا: الكفر يزيل ملكه بأحد شطري العقد، فلذلك جاز أن يختلف ملك الآخر.
-
وفي النكاح لا يزيل ملكه بأحد شطري العقد،
-
ولو جاز أن يزيل ملكه بأحد شطري النكاح [جاز أن يستفيد الملك بالشطر الآخر؛ لأن الإمساك لا يفصل بين الشطرين] .
-
فإن قيل: الكفر لا يمنع من استدامة البيع فلم يمنع من البيع،
-
ولو منع من استدامة الشراء منع من الشراء.
-
قلنا: البيع لا يوصف بالاستدامة ولا الشراء، وإنما يستديم ملك ما اشتراه فيمنع منه، والمانع بعد البيع ليس يستديم لشيء حتى يقال: إنه لا يمنع الاستدامة.
-
ثم الشراء لا نسلم أنه يمنع من استدامة الشراء؛ لأنا لا نأمره بالفسخ، وإنما نأمره بأن يزيل يده،
-
فإذا أزالها انقطع الملك،
-
وإن أزالها بالكتابة جاز، وليس في الكتابة إزالة الملك، وكلاهما استدامة الشراء؛ لأنه لا يتعرض له بالفسخ.
-
قالوا: في بيعه ذل المسلم، وفي الشراء [منه إزالته] .
-
قلنا: إذا لم نملكه من استخدامه وأجبرناه على إزالة يده لم يوجد الذل.
-
فإن قالوا: أليس في العقد ذل.
-
قلنا: لنفوذ تصرفه بالبيع أيضًا ذل.
-
قالوا: ليس يمنع أن يجوز له البيع،
-
ولا يجوز له الشراء، كما لا
-
١/٢٦٢٨١/٢٦٢٨
يجوز له أن يشتري أباه وأم ولده،
-
ولا يجوز بيعهما إذا وجد هناك مبيع، وهو إذا كان وكيلًا في الشراء.
-
أما إذا اشترى لنفسه لم يبق بعد الشراء مبيع؛ لأن الولد يعتق وأم الولد يستقر فيها الاستيلاد.
-
ولأن كل من جاز أن يملك العبد المسلم بالإرث جاز أن يملكه بالشراء، كالمسلم.
-
فإن قيل: الميراث يدخل في ملكه بغير فعله، والشراء استخلاف الملك بفعله، وحكم الأمرين مختلف، ولهذا يرث المحرم الصيد،
-
ولو اشتراه أو اصطاده لم يملكه.
-
قلنا: المحرم ممنوع من العقد على الصيد، وليس ممنوعًا من استدامة الملك، ولهذا لو كان وكيلًا بالشراء لم يجز، وليس في الميراث بملك من جهته.
-
وأما في مسألتنا: فالكافر غير ممنوع من العقد، وإنما هو ممنوع من البقاء على الملك؛ بدلالة: أنه لو اشتراه جاز، والملك موجود في الميراث، والشراء على وجه واحد، فلما جاز أن يثبت له الملك بأحد الشيئين جاز أن يثبت بالآخر.
-
ولأن كل معنى في العاقد يمنع العقد مع صحة القبول إذا وجد بعد العقد قبل القبض أبطل العقد، كالإحرام في العقد على الصيد، فلما كان الكفر طرأ بعد العقد قبل القبض لم يبطل العقد، دل على أنه لا يبطل العقد.
-
ولا يلزم: الحيوان؛ لأنه [قد] يمنع إذا قارنه، وقد لا يمنع إذا كان له قصد.
-
١/٢٦٢٩١/٢٦٢٩
ولأنا قلنا مع صحة القبول.
-
ولأن المانع من العقد إذا لم يقصد عنده قصد إليه، بدلالة: أن المجنون إذا كان يقصد البيع صح بيعه عندنا، والعقد بعد الانعقاد لا يفتقر إلى القصد.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} .
-
الجواب: أن المراد به: أحكام الآخرة، بدلالة: قوله تعالى: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} .
-
وقد قيل: [إن] المراد به: الحجة سبيل الذود والقدرة، بدلالة: أن المراد لو كان سبيل الملك لكان خبر الباري قد وجد
-
بخلاف ما أخبر؛ لأنه قد جعل عليه سبيلًا بالميراث.
-
يبين ذلك: أنا إذا حملنا الآية على أحد هذين أمكن تبقية عمومها، وعلى ما قالوا: لا يمكن تبقية عمومها، فكان التأويل المبقي للعموم أولى.
-
احتجوا: بقوله عليه [الصلاة] والسلام: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) .
-
قلنا: لا دلالة فيه، أن الإسلام عندنا يعلو الأديان كلها في ظهور الحجة، وليس في الخبر: أن المسلم يعلو ولا يعلى.
-
قالوا: حرمة الإسلام إذا منعت من استيفاء الملك على الدوام منعت ابتداء الملك، كالنكاح.
-
١/٢٦٣٠١/٢٦٣٠
قلنا: لا نسلم أنه يمنع من استيفاء الملك على الدوام؛ لأنه يكاتبه عندنا ويستديم الملك ثم يملك تسلم المولى فيقر على الملك أبدًا، ويعتقه فيستديم أحكام الملك وهو الولاء، وفي النكاح لا يجوز أن يملك ما ابتدأ بحال،
-
وإذا أسلمت تحته وجب قطع الملك،
-
ثم لا يجوز أن يبقى الملك على التأييد.
-
ولأنه يجوز أن يملك بالشراء فلا يستديم الملك فيه، كما لو اشترى مالًا تجب فيه الشفعة.
-
ثم المعنى في النكاح: أنه ينعقد على الاستباحة،
-
ولا يجوز أن يستفرش الكافر المسلمة، فلم يجز أن يعقد عليها مع عدم المعقود عليه، كما لا يعقد على ذوات محارمه.
-
وفي مسألتنا: العقد يقع على الملك،
-
ويجوز أن يملك الكافر المسلم، والمعقود عليه موجود فانعقد العقد.
-
أو نقول: إن الكافر لا يجوز أن يستفيد بنكاح المسلمة تصرفًا مقصودًا بالنكاح، فلم ينعقد العقد،
-
ولا فائدة فيه، والكافر يستفيد بهذا العقد تصرفًا مقصودًا، وهو أنه يجوز أن يعتق ويكاتبه، والبيع من التصرف المقصود، فلذلك جاز أن ينعقد عقده.
-
قالوا: كل معنى إذا طرأ على الملك كلف برفع يده عنه، فوجوده مانع من ابتداء الملك، أصله: الإحرام في الصيد.
-
قلنا: لا نسلم أن الإحرام إذا طرأ على ملك الصيد كلف إزالة اليد، وإنما يمنع عن إيقاع الفعل فيه،
-
ولو كان في قبضته أو داره لم يؤمر بإزالة اليد الحكمية عنه.
-
١/٢٦٣١١/٢٦٣١
ثم الصيد دليلنا؛ لأن الإحرام لو طرأ بعد عقد أبطل العقد، كذلك إذا وجد مع العقد.
-
وأما الكفر: فمعني في العاقد إن وجد بعد العقد قبل القبض لم يبطل العقد، كذلك إذا قارن العقد مع صحة القبول.
-
قالوا: منع من استدامة الملك الثابت وأمر بقطعه؛ لأن فيه أمرًا بوجود هذه العلة.
-
قلنا: إذا كان المنع لأجل الاستدامة أو الحرمة فليس في نفس العقد استدامة ولا يترك للحرمة؛ ألا ترى: أن حرمة الأب أعظم من حرمة المسلم من حق الكافر؛ لأن حرمة الأب منعت من استخدام الأب بالإجارة ومن الحبس بدينه، والقطع بسرقة ماله،
-
ومن بقاء القصاص له عليه، وحرمة الإسلام لا تمنع من استخدام الكافر بالإجارة والحبس بدينه والقطع بماله، و [وجوب] القصاص له عليه إذا قتله وهو كافر ثم أسلم.
-
ثم هذه الحرمة لم تمنع من ابتياع الابن وثبوت ملكه بالشراء، وإنما منعت من الاستدامة،
-
وكذلك حرمة الأب مثله.
-
فإن قيل: إنما لم يمنع الأب الابتياع؛ لأنه يؤدي إلى نفع عظيم وهو العتق.
-
قلنا: يجوز أن يشتري الابن الكافر أباه المسلم؛ لأنه يفتقر إلى ذلك البيع.
-
ولأن الاستدلال إنما يكون بالتمكن منه والتبقية،
-
وإذا لم يبق على ملكه زال هذا المعنى.
-
فإن قيل: فيجب إذا قال: لا أستخدمه، أو أجره سنين كثيرة أن يترك على ملكه.
-
١/٢٦٣٢١/٢٦٣٢
قلنا: إذا وجد لم يلزمه الوفاء به،
-
فإذا أجره انفسخت الإجارة بالعذر فعاد إلى خدمته.
-
قالوا: عبد مسلم، فلا يصح للكافر أن يملكه، كالمدبر.
-
قلنا: لا نسلم أنه لا يجوز أن يملكه، بأن يبتاعه ويحكم حاكم بجواز البيع.
-
ولأن المدبر عبد لا يملكه المسلم بالوصية فلا يملكه الكافر بالشراء، والعبد الذي يملكه الكافر بالإرث يملكه بالشراء.
-
قالوا: الشراء إنما يصح إذا قصد به أحد أمرين: قربة، أو ربح.
-
فالقربة: أن يشتري أباه أو جده، والربح: أن يبتاعه فيبيعه على إجارة فيربح،
-
فإذا عقد العقد من هذين العوضين لم يصح، كشراء الحرائر.
-
ومعلوم أن الكافر ليس من أهل القرب،
-
ولا يصل إلى الربح؛ لأن من باع مكرهًا لم يحصل له ربح طيب.
-
قلنا: قد يشتريه ليعتقه، وهذا غرض صحيح، وهو وإن لم يكن من أهل القرب حكمًا فقد قصد القرب، وقد يبتاعه فيكاتبه على المال الكثير، فيحصل له الربح، ويعتقه على ماله فيحصل به البدل الكثير في ذمته.
-
قالوا: لو جوزنا الشراء وألزمناه البيع حتى لا يستبدله جاز أن يبيعه من كافر، ويبيعه الكافر من مثله، فيدوم ذلك عليه أبدًا.
-
قلنا: إذا باعه من كافر عزرناه وأجزنا بيعه، إلا إن عز المشتري، ولم يقصد أن يبيعه من كافر.