مسألة ١٣٠٩
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٢٬٩٣٩ إلى ٤٣٬٠٢٦
-
١/٥٥٣٥١/٥٥٣٥
حكم القود من المكره على القتل
-
قال أصحابنا رحمهم الله: لا قصاص على المأمور (المكره) .
-
وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله. وقال في القول الآخر: علية القصاص.
-
١/٥٥٣٦١/٥٥٣٦
لنا: أن معه علم ظاهر دل على فقد الاختيار، فصار كمن رمى غرضًا فأصاب إنسانًا.
-
ولا معنى لقولهم: إن هناك لا مأثم عليه. لأنه لو رمى وهو لا يأمن أن يصيب آدميًا فهو آثم ولا قصاص عليه.
-
ولا يلزم إذا قتله للجوع؛ لأن ذلك ليس بعلم ظاهر.
-
ولأنه معنى يوجب القتل يؤثر فيه عدم (القصد) فوجب أن يؤثر فيه الإكراه، أصله الردة.
-
ولأن الآمر صرف المأمور بإكراهه على اختياره، فلم يلزم قصاص، كما لو أخذ بيده وفيها سيف فضرب بها.
-
ولأن فعل المكره المأمور ينتقل إلى الآمر حتى يصير كالفاعل له، بدلالة وجوب القصاص عليه. وبدلالة المكره على البيع. بدليل أنه لو أكره رجلًا على قطع يد نفسه، وجب القصاص للمأمور على الآمر.
-
وإذا انتقل الفعل لم يجب القصاص على المأمور، كما لا يجب عليه إذا أخذ بيده فضرب غيره.
-
فإن قيل: وجوب القصاص على الآمر لا يدل على انتقال الفعل. لكن يدل على أنه مشاركة في القتل فيجب القتل عليهما، كوجوب القتل عندكم على قاطع الطريق و [الردء] ، يجب الضمان في الصيد على القاتل والدال.
-
١/٥٥٣٧١/٥٥٣٧
قلنا: الإكراه لو لم [ينقل] الفعل لم يجب على الآمر قصاص، كمن أمر بغير تهديد. وعكسه المكره على إتلاف المال يختص بالضمان ولا يصير كالمشارك.
-
فأما [الردء] فلم ينتقل إليه الفعل، لكنه مشاركه (فيه) [كالردء] في الغنيمة. والدال على الصيد يضمنه، لأنه سبب يختص بالإتلاف لا (للمشاركة) .
-
ولأنه سبب ظاهر يمنع لزوم البيع، فمنع وجوب القصاص أصله الجنون والصغر.
-
ولأنه قتل (ليستبقي) نفسه من خوف القتل، فصار كما لو قصده فقتله دفعًا.
-
فإن قيل: هناك أبيح له القتل، وهاهنا (محظور) عليه (القتل) .
-
قلنا: إذا أكره على قتل عبد الآمر فهو آثم في القتل (ولا) ضمان.
-
ولو أكرهه على الزنا فهو آثم ولا حد عليه عند مخالفنا. والمأمور بإتلاف المال لا ضمان عليه ولا إثم عليه، فدل على أن (الإثم) ليس يتعلق بإيجاب الضمان وإسقاطه.
-
ولأنه مكره على القتل فلم يلزم قصاص، كالمسلم إذا أكره على قتل ذمي.
-
ولأن من لا يلزمه القصاص بقتل الذمي لا يلزمه بقتل المسلم أصله الصبي.
-
١/٥٥٣٨١/٥٥٣٨
احتجوا: بالظواهر الدالة على وجوب القصاص (قوله تعالى) : {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وقوله: {ولكم في القصاص حياة} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل نفس بغير نفس) .
-
الجواب: أن المراد بذلك القتل العمد بغير شبهة، وهذا غير مسلم في مسألتنا. ولأن الظواهر تدل على وجوب القصاص على القاتل، وقد اختلفنا في القاتل، فعندنا أنه الآمر، وعندهم الآمر والمأمور.
-
قالوا: قتل من يكافئه لإحياء نفسه ظلمًا (فلزمه القصاص) ، كمن اضطر إلى غيره من الجوع فقتله وأكله. وربما قالوا: توصل إلى استبقاء نفسه بقتل من يكافئه ظلمًا، فوجب أن يجب عليه القصاص. وربما قالوا: قتله ظلمًا لاستبقاء نفسه، فكان حكمه كما لو ابتدأ قتله.
-
قالوا: وعلى هذا الجماعة إذا خافوا في السفينة الغرق فألقوا بعضهم في الماء، (و) كمن قصدهم سبع فألقوا إليه أحدهم.
-
قلنا: قولكم إنه قتل لاستبقاء نفسه ليس بصحيح، لأنه لا يعيش بقتله. وإنما يعيش بأكله. ولأن الجوع لا يؤثر في البيع، بدلالة أن من اضطر إلى طعام (غيره) فلم يتمكن من أخذه منه فابتاعه (نفذ) البيع،
-
ولو أكره على الابتياع لم ينفذ البيع، فدل على اختلاف الإكراه والجوع. ولأن الضرورة في الجائع ليس معها علم ظاهر، وإنما يعلم حالة بقوله. والإكراه علم ظاهر يدل عليه فقد الاختيار. وبهذا المعنى (يسقط) ضمان الأموال عن المأمور المكره،
-
ولا يسقط عن المضطر إلى الأكل.
-
١/٥٥٣٩١/٥٥٣٩
فإن قيل: الجوع معه علم ظاهر إذا شاهدناه و (قد) بقي مدة لا يأكل شيئا.
-
قلنا: هذا يدل على (الجوع) ولا يدل أنه بلغ إلى خوف (حال) التلف. ولأن ضرورة الجوع من فعل الله تعالى،
-
فإذا انضمت إلى فعل القاتل لم يسقط عنه القصاص، كالسراية التي (تنضم) إلى الجراحة. وليس كذلك فعل الآمر، لأنه فعل آدمي.
-
ويجوز أن (ينضم) إلى فعل القاتل فعل (آدمي) (يسقط) عنه القصاص، (كاشتراك) الخاطئ والعامد، وكمن أكره عبدا على قتل عبد نفسه، وكما لو أكرهه على أن يقتل نفسه أعنى نفس الآمر. ولأن المضطر إلى قتل غيره (ليأكله) يقدر أن يدفع ضرورته بدون ذلك، وهو أن يأكل طرفًا من أطراف نفسه، فصار كمن قتله وهو يجد غيره، وكما لو قتله دفعًا عن نفسه وهو يقدر أن يدفعه بغير القتل.
-
وفي مسألتنا مثله لو قدر على أن يمانع الآمر أو يقتله ولم يفعل وقتل المأمور (وجب) عليه القصاص.
-
قالوا: قتل عمدًا من يكافئه بوجه لا عذر له فيه،
-
فإذا كان من أهل الضمان (كان) عليه القود كما لو قتله ابتداء.
-
قلنا: لا نسلم أنه غير معذور. هناك (عذر) ، إلا أنه لا يبيح، كما أن الجائع معذور وإن لم يستبح الأكل بعذره،
-
ولا نسلم لهم العمد، لأنه (ملجئ) .
-
فلا يوصف بالاعتماد. والمعنى في القاتل ابتداء أنه لم (يقارن)
-
١/٥٥٤٠١/٥٥٤٠
فعله ما ينقل حكمه إلى غيره. والمكره (قارن) فعله ما يوجب نقل الفعل، فسقط عنه القصاص كما سقط عنه ضمان الأموال التي أتلفها بالإكراه.
-
قالوا: كل حكم تعلق بالقتل كما سقط عنه ضمان الأموال المختار (وجب) أن يتعلق بالقتل على الاختيار أصله (المأثم) .
-
قلنا: يبطل باختصاص القصاص بالمباشرة، لأنه حكم يتعلق (بالمختار) ، فإنه لا تختص، بل يقتل الآمر (بالإجماع) . ولأن مأثم القتل لا يستدل [به] على وجوب القصاص، بدلالة القتل شبه العمد وبدلالة الآمر والممسك.
-
١/٥٥٤١١/٥٥٤١
مسالة ١٣١٠
-
حكم ثبوت الدية بغير رضا القاتل في القتل العمد
-
قال أصحابنا رحمهم الله: موجب قتل العمد القود.
-
ولا (تثبت) الدية إلا بالتراضي.
-
وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: (موجبه القود والدية. والولي بالخيار في استيفاء أيهما (أحب) .
-
وقال في القول الآخر: الواجب القود. وللولي أن يسقطه ويطالب بالدية. فتكون بدلا عن البدل.
-
١/٥٥٤٢١/٥٥٤٢
والدليل على أن (موجبه) القود قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} .
-
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (العمد قود) . وقال في قصة الربيع.
-
(كتاب الله القصاص) معناه: حكم الله،
-
فمن زعم أن له موجبا آخر خالف الظاهر.
-
ولأنه أحد نوعي القتل، فكان له موجب واحد كالخطأ.
-
ولأنه معنى يوجب القتل، فلم يتنوع موجبه كالردة.
-
١/٥٥٤٣١/٥٥٤٣
ولأنه قتل على وجه الزجر، فكان له موجب واحد كالقتل في قاطع الطريق.
-
ولا يجوز أن يقال: (إن) في هذه المواضع لا يجور أخذ المال بالتراضي، وفي مسألتنا يجوز أخذه بالتراضي. لأن جواز أخذ المال عن الشيء بالتراضي لا يدل على أخذه بغير رضي كالطلاق.
-
ولأن القصاص يسقط بالشبهة. والمال لا يسقط بالشبهة. فلم يجز اجتماعهما بسبب واحد كالمهر والحد في الزانية المطاوعة.
-
ولأنه متلف [لمثل] ، فلم يجب بإتلافه المثل وغير المثل كالمكيلات والموزونات.
-
وأما الدليل على إبطال القول الآخر: فلأنه قادر على استيفاء حقه من جنسه بكماله،
-
فلا يجوز الانتقال (إلى غير) جنس الحق من غير تراض أصله الديون.
-
ولا يلزم إذا قطع يمين رجل ويد القاطع شلاء أو ناقصة الأصابع، أو شجه فاستغرق قرنيه و (جبين) (الشاج [أضيق] كان ضامنا، لما لم يقدر على استيفاء جنس حقه بكماله، وجاز له العدول إلى) بدل يستدرك فيه كمال
-
١/٥٥٤٤١/٥٥٤٤
حقه. بين ذلك: أن القصاص مماثلة، فهو كوجوب الحنطة بإتلاف الحنطة.
-
فإن قيل: المعنى في المكيل (أنه) لو وجد بعض حقه وجب أخذه والانتقال في [بعضه] إلى البدل، كذلك إذا وجد جميع حقه لم يجز الانتقال. وفي مسألتنا إذا كان القاطع ناقص الأصابع فليس له أن يأخذ اليد وأرش الإصبع الفائتة.
-
بل يعدل إلى البدل، كذلك إذا وجد جميع حقه جاز أن يعدل إلى البدل.
-
قلنا: حق صاحب الطعام في جملة حقه وفي (كل) جزء منه،
-
فإذا وجد البعض فقد وجد حقه.
-
وفي مسألتنا (القطع) لم يتعلق حقه بكل جزء من اليد، بدلالة أنه لو أراد قطع الأصابع أو بعضها لم يجز. وإنما حقه في القطع من الزند. وفقد الأصابع نقص في ذلك. فقدر على حقه ناقصا.
-
وأما أن يقال: قدر على بعض حقه بكماله (فلا) نسلم ذلك.
-
ولأن القتل لا يجوز الانتقال عن موجبه إلى غيره إلا بالتراضي أصله الخطأ.
-
فإن قيل: في الخطأ (يثبت) له (البدل الأدنى) ولا يجوز له الانتقال إلى الأعلى، (يثبت) له الأعلى فجاز أن ينتقل إلى الأدنى بغير تراض.
-
قلنا: هذا يبطل إذا ثبت له القصاص فقال: أنا أقتصر على قطع الطرف لأبقى [النفس] لم يجز،
-
وإن كان الفعل انتقل من الأعلى إلى الأدنى،
-
(وكذلك في الدية لا يجوز أن ينتقل إلى عبد قيمته بعض الدية إلا بالتراضي،
-
وإن كان انتقل من الأعلى
-
١/٥٥٤٥١/٥٥٤٥
إلى الأدنى) (إلا) أنه من غير جنس حقه، فلم يجز أخذه إلا بالرضا.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {يأيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} وهذا خطاب للقاتلين.
-
ثم قال: {فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} فالمعفو هو القاتل، والعافي (هو) ولي المقتول.
-
ثم قال تعالى: {فاتباع بالمعروف} فالظاهر أن الاتباع يقع بمجرد العفو عنه،
-
فمن قال لا يثبت إلا برضاه فقد ترك الآية.
-
وقال الشافعي [رحمه الله] : حقيقة العفو هو الترك (بغير) تراض. يقال: عفوت عن حقي بمعنى تركته. ويحمل على البذل [مجازا] فلا يترك الحقيقة إلى المجاز.
-
١/٥٥٤٦١/٥٥٤٦
قلنا: إن الشافعي [رحمه الله] عادل في تأويل هذه الآية عن الآثار وحقيقة اللغة،
-
فأما الأثر فقد روي عن مجاهد عن ابن عباس [- رضي الله عنه -] : إن بني إسرائيل كان فيهم القصاص لا يجوز قبول الدية، (فأباح الله تعالى للولي قبول الدية) ونسخ ما كان تخفيفا، ولهذا قال الله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} وقال الشعبي: نزلت في حيين كان لأحدهما طول على الآخر، فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهور، فقتل الحي المفضول قتيلًا من الحي الفاضل، فحلف الحي الأفضل أن يقتل الرجل بالمرأة، والحر بالعبد، وأن يضاعفوا الجراح.
-
فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (القتل سواء) فاصطلحوا على الديات بفضل لأحد الحين فضل على الآخر، فقال الله تعالى:
-
{فمن عفى له من أخيه شيء} يعني:
-
فمن فضل له شيء من الديات التي وقع [الاصطلاح عليها] فأتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. هذا قول السلف في الآية، ولم ينقل عن أحد منهم ما قاله مخالفونا، فوجب المصير إلى الأثر في التأويل.
-
وأما اللغة، فقوله: {فمن عفى له} لا يجوز أن يكون من عفا
-
١/٥٥٤٧١/٥٥٤٧
(الأثر) إذا درس، (ولا) من عفا أي صفا، كما يقال لك: عفو هذا الشيء أي صفوه.
-
[ولا] من عفا (البنت أو البنين) ،
-
(ولا من) عفا الله عنكم، لأنه في جميع هذه الوجوه لا يتعدى فيبني للمفعول به، المرتفع به مفعول به وهو {شيء} ، فبقي أن يكون من قولهم: قد عفا فلان فلانا يعفو عفوًا، أو (اعتفاه) بقتله إذا (احتداه) وطلب بماله.
-
١/٥٥٤٨١/٥٥٤٨
قال الأعشى: