فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ٥٤١

التجريدالحنفيةالمسائل ١٦٬٧١٨ إلى ١٦٬٧٨٠

  1. ١/٢١١٤١/٢١١٤

    حكم قتله مالا يؤكل لحمه

  2. قال أصحابنا: إذا قتل المحرم ما لا يؤكل لحمه من الصيد مبتدئًا بقتله: فعليه الجزاء إلا الأشياء الخمسة التي ورد الشرع بإباحة قتلها للمحرم.

  3. وقال الشافعي: كل محرم الأكل غير متولد من مباح:

  4. فلا جزاء في قتله:

  5. فأما المحرم المتولد من مباح ومحرم، كالسمع، والمتولد من الحمار الوحشي والأهلي: ففيه الجزاء.

  6. لنا: قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، واسم الصيد في اللغة: ما كان من جنسه ممتنعًا متوحشًا، وهذا موجود في المأكول وغيره.

  7. ١/٢١١٥١/٢١١٥

    ولأن العرب إن كانت وضعت الاسم لما نقوله فالآية عامة،

  8. وإن كانت وضعت الاسم للمأكول، فقد كانوا يعتقدون إباحة كل الحيوان إلا أم حبين، فيجب أن يكون الاسم موضوعًا عندهم للسباع.

  9. فإن قيل: الآية تقتضي الصيد الذي يضمن بمثله، والسبع لا يضمن بمثله، فلم تتناوله الآية.

  10. قلنا: المثل عندنا هو القيمة، وقيمة السبع للحم لا تتجاوز شاة؛ لأن لحم الشاة خير من لحمه،

  11. فإذا قد تناولته الآية في ضمانه بالمثل الذي هو القيمة وإن قصرنا قيمته على الشاة لما ذكرناه من المعنى.

  12. قالوا: الآية تناولت صيدًا حرم بالإحرام؛ لأنه قال: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، وما لا يؤكل لحمه محرم قبل الإحرام، فكان اصطياده وقتله لدفع ضرره، والانتفاع بجلده وقطع لحمه بخلافه، ويدل عليه: قوله عليه الصلاة والسلام: (خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم) ، والمحصور بعدد يدل على نفي ما سواه على قول كثير من أصحابنا،

  13. ولو ألحقنا بالخمسة غيرها، سقط فائدة الحصر وبطل ذكر العدد. ولأنه من جنس السبع المتوحش لا يبتدئ بالأذى غالبًا، كالضبع.

  14. ١/٢١١٦١/٢١١٦

    ولأن كل ضمان يتعلق بالضبع يتعلق بالنمر والبازي؛ أصله: الضمان لحق الآدمي.

  15. ولأن المحرم من الصيد على ضربين: متولد، وغير متولد،

  16. فإذا كان في أحدهما ما يجب به الجزاء كذلك الآخر.

  17. ولأن الطير أحد نوعي الصيد، فجاز أن يجب الجزاء بقتل ما لا يؤكل منه. أصله: الدواب.

  18. احتجوا بقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا} ، فحصل للمحرم بحال الإحرام، والذي يتخصص تحريمه هو المأكول،

  19. فأما ما لا يؤكل فحرام بكل حال.

  20. قلنا: التحريم لا يجوز أن يتعلق بالعين، وإنما يتعلق بأفعالنا، فتحريم الصيد إنما [هو] تحريم الاصطياد؛ لأن ذلك فعل الصائد، يقال: صاد يصيد صيدًا، واصطاد يصطاد اصطيادًا.

  21. فإن قيل: قوله: [صيد البر] يدل على أن المراد به: الصيد دون الاصطياد؛ لأن الصيد الذي هو الفعل لا يضاف إلى البر.

  22. قلنا: العرب تضيف بأدنى ملابسة، فلما كان البر موضع الصيد أضافوا الصيد إليه، قال الله تعالى: {بل مكر الليل والنهار} والمكر لا يبقى حتى يضاف إلى الزمان، لكنه لما وقع فيه أضافه إليه.

  23. قال الشاعر: وهو أبو ذؤيب:

  24. ١/٢١١٧١/٢١١٧

    وكنت كعظم العاجمات اكتنفنه .... بأطرافها حتى استدق نحولها

  25. إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة .... سهيل أساحت عزلها في العرائب

  26. ومعلوم: أن العظم لا يلابس العجم إلا في حال الفعل،

  27. ثم أضافه إليه لنفس الملابسة.

  28. لإاما قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، فإنما حملناه على الصيد، بدلالة: وهو أن القتل لا يقع في الفعل، وإنما يقع في الحيوان.

  29. قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم) ، فنص على الأدنى من كل نوع لينبه به على الأعلى منه، كما قال تعالى:

  30. {فلا تقل لهما أفٍ} ،

  31. ثم ذكر الكلب، وهو مشتق من التكلب، وهو العدوان.

  32. وروي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على عتبة بن أبي لهب، وقال: (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك، فسلط الله عليه الأسد فقتله) ، فثبت أن السبع يسمى كلبًا، والتكلب موجود في كل السباع، فاقتضى الخبر جواز قتلها.

  33. قلنا: لو أراد التنبيه بها على غيرها لم يحصرها بعدد، وكيف يقال: إنه ذكر الأدنى لينبه على الأعلى، وقد ذكر الحية وهي أعلى نوعها، وذكر الغراب، والفأرة، وهما دون النوع؛ فسقط ما قالوه.

  34. فأما قولهم: إن الكلب مأخوذ من التكلب، إطلاق الاسم يتناول الكلب المعروف، ولهذا يكذب من قال: رأيت كلبًا، إذا رأى أسدًا، وهذا المفهوم من قوله

  35. ١/٢١١٨١/٢١١٨

    عليه الصلاة والسلام: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا) ، وقال الله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} .

  36. فأما دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على عتبة فإنما سأل الله كفايته على أهون الوجوه، فكفاه ما هو أوحى وأعجل.

  37. احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يقتل المحرم؟، فقال: الحية والعقرب والغراب والحدأة والفويسقة، والكلب العقور والسبع العادي) .

  38. قلنا: هذا رواه أبو داود، عن أحمد، عن هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، عن أبي سعيد الخدري.

  39. ويزيد بن ابي زياد طعن عليه مخالفونا حين روي عنه [خبر] رفع

  40. ١/٢١١٩١/٢١١٩

    اليدين، وذكروا عن سفيان ابن عيينة: أن أهل الكوفة لقنوه فتلقن،

  41. ومن يتلقن إذا لقن كيف يؤثق بخبره؟، فما بالهم يطعنون على من روى ما يخالف مذهبهم،

  42. ثم يسكتون عن الطعن فيه إذا/ ما روى ما يوافقهم؟

  43. ثم هذا الخبر قد رواه ابن عمر من طريق صحيح، وذكر فيه خمسًا)، ولم يذكر السبع،

  44. وكذلك رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فالرجوع إليه أولى،

  45. ولو ثبت احتمل أن يكون المراد به السبع الذي وجد منه العدوان، وعندنا إذا عدا جاز قتله.

  46. قالوا: السبع عاد في حال عدوه وفي غير حال عدوه، كما يقال: فرس جموح، وسيف قطوع.

  47. قلنا: حقيقة الاسم المشتق تقضي كمال وجود الفعل، وتناول الاسم له بعد مقتضى الفعل يحتاج إلى دليل.

  48. فإن قيل: لو كان المراد ما يوجد منه العدوان، لم يكن لتخصيص السبع معنى.

  49. قلنا: إنما خصه؛ لأن الغالب أن ذلك يوجد من السبع دون غيره، فذكر ما يوجد منه غالبًا.

  50. قالوا: لأنه متولد من بين ما لا يحل أكل شيء من جنسه؛ فوجب أن لا يجب الجزاء بقتله، أصله: الذئب.

  51. ١/٢١٢٠١/٢١٢٠

    قلنا: إن كان الحكم يتعلق بتحريم الأكل والمتولد محرم، كذا أن الأصل تحريم، فهذا التخصيص لا معنى له، والمعنى في الذئب: أنه يسكن بقرب القرى والبلدان، ويبتدئ بالأذى غالبًا، فيعم الضرر به، وهذا المعنى لا يوجد في غيره؛ لأنها تأوي القفار والجبال، فيقل الضرر بها.

  52. ولأن الذئب ورد النص بإباحة قتله؛ لأنه روي عن ابن عمر أنه قال: (الكلب العقور الذئب) ، وليس كذلك ما سواه،

  53. فإن النص لم يرد بإباحة قتله، وهو من جملة صيد البر.

  54. فإن قيل: فقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه قال: (الكلب العقو رالأسد) .

  55. قلنا: هذا الحديث لم يثبت عند أصحابنا؛ لأن زيد بن أسلم رواه عن ابن سيلان، عن أبي هريرة، وليس يثبت عندهم.

  56. قالوا: أجمعنا: أن الذئب لا يجب الجزاء بقتله،

  57. فلا يخلو أن يكون سقوط الجزاء لأنه غير مأكول، وهذا يبطل بالمتولد، أو يكون لوجود العدوان منه، وهذا باطل؛ لأنه إذا قتل بالعدوان، لا شيء فيه، فلم يبق إلا أن يكون سقوط الضمان لأنه بما فيه عدوان، وهذا موجود في كل السباع.

  58. ١/٢١٢١١/٢١٢١

    قلنا: هذا قسم رابع، وهو أن يبتدئ بالعدوان غالبًا، وهذا لا يوجد في سائر السباع.

  59. ثم القسم الثالث يبطل بالضبع؛ لأن فيه عدوانًا، والتأذي به أكثر من التأذي بالغراب وهو أشد عدوانًا، ومع هذا قد أوجبوا فيه الجزاء.

  60. قالوا: لو ضمن السبع لضمن بمثله أو قيمته، فلما لم يضمن بواحد منهما، دل على أنه ليس بمضمون، وتحريره: أن كل صيد لا يضمنه، لا بمثله ولا بقيمته، [لم يجب الجزاء بقتله، أصله: الأشياء الخمسة.

  61. قلنا: هو عندنا مضمون بقيمته]، إلا أنه يضمن بجهة اللحم دون غيرها، وذلك في الغالب لا يزيد على شاة، وإنما يزيد قيمة السبع لما يقصد به من التفاخر بإمساكه أو التزين، وهذا المعنى لا يضمن، وهذا كما نقول في الجارية المغنية إذا غصبت: إنها تضمن غير مغنية؛

  62. لأن الزيادة في ضمنها للغناء جهة محظورة،

  63. فلا يعتد بزيادة القيمة لأجلها.