سرقة ما كان أصله مباحًا
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٦٬٤١١ إلى ٤٦٬٤٦٦
-
١/٥٩٧٤١/٥٩٧٤
قال أصحابنا: ما يوجد مباحًا في دار الإسلام كالصيد والجص والنوْرَة والخشب لا قطع فيه.
-
وقال أبو يوسف: يقطع في جميع ذلك إلا في الماء والسرجين والتراب.
-
وقال الشافعي: مثل ذلك وزعم أصحابه أن في الماء والتراب وجهين.
-
لنا: حديث رافع بن خديج أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا قطع في ثمر ولا كثر) وقيل الكثر: إنه الجمار.
-
وقيل: صغار النخل. وقد فهم ابن خديج من ذلك الودي. إما لأن الحبر يتناوله أو قاسه عليه. والمعنى في الودي يوجد مباحًا تافهًا. ويدل ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار) . ثبوت
-
١/٥٩٧٥١/٥٩٧٥
الشركة شبهة في سقوط القطع. كمال بيت المال.
-
وروى عبد الله بن يسار قال: أتى عمر بن عبد العزيز برجل سرق دجاجة فأراد أن يقطعه. قال أبو سلمه بن عبد الرحمن قال عثمان بن عفان: (لا قطع في طير) .
-
وروى [عباد بن العوام] عن أبى خالد عن رجل أن عليٌا قال: (لا يقطع في الطير) . قالت عائشة: (كان لا يقطع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشيء التافه) والحطب والماء والحجارة تافهة ولا يقطع في شيء منها.
-
ولأنه يوجد في دار الإسلام مباحًا غير مرغوب فيه فلا يجب فيه القطع كالماء والسرجين ولبن الآدمية ولا يلزم الذهب والفضة؛ لأنها توجد مباحة إلا أنهما مرغوب فيهما ولا يلزم الساج. لأنه لا يوجد مباحًا في دار الإسلام، وإنما يوجد في دار الحرب.
-
وجميع الأموال هناك مباحة.
-
فإن نازعوا في الماء دللنا عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الناس شركاء في ثلاث) .
-
فإن قالوا: السرجين ليس بمال لم نسلم.
-
فإن نازعوا في لبن الآدمية قلنا: مانع مختلف في جواز بيعه كالنبيذ ولأن مخالفنا لا يخلو إما أن يسلم نوعا من التمولات لا يقطع فيه فنعكس عليه العلة التي ذكرنا أو لا يسلم ذلك فنقول: الأعراض تختلف باختلاف أجناس الأموال كما تختلف باختلاف مقاديرها.
-
بدلالة أن من السراق من يختار سرقة الكثير دون القليل، ومنهم من يختار سرقة نوع دون نوع،
-
ثم كان في المقادير ما لا يقطع فيه [وما يقطع] لأن المباحات تملك في دار الإسلام بمجرد الأخذ.
-
فإذا سرقها فقد وجد منه سبب الملك فصار شبهة في سقوط الحد وإن لم نوجب الملك. ألا ترى أن صورة النكاح الفاسد
-
١/٥٩٧٦١/٥٩٧٦
صورة الجائز إلا أنه لا يملك به فيصير شبهة في سقوط الحد،
-
وكذلك الشراء الفاسد في صورة الصحيح فيكون شبهة، والمقذوف إذا كان وطئ بنكاح فاسد لم يحد قاذفه. لأن فعله يشبهه الزنى فصار كهو في سقوط الحد عن قاذفه.
-
فإن قيل: تبطل بالدراهم والدنانير. لأنها تملك في دار الإسلام بالأخذ من الكنوز.
-
فإذا سرقها فقد وجد الأخذ الذي يملك به ولا يكون شبهة. قلنا: الكنوز إذا كانت من ضرب الإسلام فهي لقطة، وأخذها لا يملك به وإن كانت من ضرب الكفار ملكت بالأخذ لأجل مالكها. والإباحة التي تعود إلى ملك المال يتعين حكمها بزول إلى ملك محظور.
-
ألا ترى أن الوالد إذا سرق مال ولده فلا يقطع فيه لأجل المالك.
-
وإذا انتقل المال إلى غيره وجب القطع.
-
فإن قيل: يبطل بالمعادن من الذهب والفضة تملك بالأخذ منها ثم لا تصير شبهة في السرقة.
-
قلنا: الذهب والفضة توجد من المعدن غير معمول فتهلك وسرقة مثله لا قطع فيها حتى تسبك وتخلص.
-
فإن قيل: تبطل بالساج.
-
قلنا: يملك بالأخذ من دار الحرب. وحكم دار الحرب لو اعتبر لسقط القطع في جميع الأموال لأنها تملك في دار الحرب.
-
فإذا وقع الملك ثم صار شبهة في حق السارق. لأنه أخذ يماثل الأخذ الذي يملك به.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وهذا عام.
-
قلنا: قد بينا أن حقيقة السرقة تقتضي من لابس الفعل. فاقتضت الآية وجوب القطع على من فعل ذلك قبل نزولها، وإنما تحمل على من فعل ذلك بالإجماع.
-
قالوا: اعتبار ما أجمعوا على دخوله تحت الآية. قالوا: روى أبو هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) .
-
١/٥٩٧٧١/٥٩٧٧
قلنا: المراد بيضة الحديد وقد تقدم.
-
قالوا بالحجاز: لا يبلغ ذلك وأكثر الأحوال أن يحتمل اللفظ الأمرين فلا يعمل أحدهما إلا بدليل.
-
فإن قيل: كيف يجوز أن يذكر هذا مثلا ليبين أنه يخاطر بيده في الشيء اليسير ويريد بذلك بيضة السلاح، وليست مما لا يستحق ولا مما لا يستقل.
-
قلنا: هي قليلة بالإضافة إلى اليد غير مستكثرة بذلك، وإنما خصها من بين السلاح لأن قيمتها كانت قيمة النصاب كما خص المجن بذلك من بين سائر السلاح.
-
قالوا: نوع مال فوجب أن يكون في سرقته ما يجب به القطع كسائر الأموال.
-
قلنا: إذا كانت الأغراض تختلف في أجناس الأموال كما تختلف في المقادير فإيجاب القطع في جميع الأموال كإيجابه في سائر المقادير وهذا لا يصح والمعنى في سائر الأموال أنها لا تملك بالأخذ في سائر دار الإسلام. بمعنى يعود إليها. فلم تقارن سرقتها شبهة وما اختلف فيه يملك بالأخذ وفي دار الإسلام بمعنى يعود إلى جنسه.
-
فأشبه أخذ السارق الأخذ الذي يملك به فصار ذلك شبهة في سقوط الحد فيه.
-
قالوا: كل حق تعلق بالمال الذي ليس له أصل في الإباحة تعلق فيما له أصل في الإباحة: أصله الضمان وصحة التصرف.
-
قلنا: يبطل بالتمليك فإن الأخذ يملك به المال الذي أصله الإباحة ولا يملك به ما سواه في دار الإسلام. لأن وجوب الضمان أوسع بدلالة تعلقه بالقليل والكثير والأخذ مع الشبهة والقطع لا يتعلق بجميع ذلك فلم نستدل بوجوب الضمان على وجوب القطع.
-
قالوا: المال وجب في سرقته القطع صيانة له. وهذا المال يحتاج إلى صيانة لغيره.
-
فإذا وجب القطع في سائر الأموال وجب في هذا.
-
قلنا: المصاحف وما دون النصاب تحتاج إلى صيانة وإن لم يجب
-
١/٥٩٧٨١/٥٩٧٨
به قطع كذلك هذا.
-
قالوا: المعتبر بصفة المال في الحال دون ما قبلها. بدلالة أن من أباح لغيره ملكه فأخذه فلا شيء عليه.
-
ولو رجع عن الإباحة ثم سرق وجب عليه القطع.
-
ولو اضطر إليه وأخذه لم يقطع.
-
ولو زالت الضرورة فأخذه قطع.
-
قلنا: هذه الإباحة لم تتعلق بالمال بصفة تعود إليه. وإنما تعلقت بحق المالك أو بصفة عليها الأخذ فإذا زالت تغير الحكم. وفي مسألتنا تعلقت بالمال بجنسه وبمعنى يعود إليه.
-
فإذا زالت الإباحة والجنس موجود فالشبهة باقية فذلك لم يجب القطع.
-
قالوا: سرق نصابا مقدارًا من حرز مثله من غير شبهة كالساج.
-
قلنا: لا نسلم أنه نصاب لأن ذلك عندنا عبارة عن القدر والصفة.
-
ولا نسلم أنها [لا شبهة] . لأن كونه مما لا يملك بالأخذ في دار الإسلام شبهة فيها كان [قصور في] ذلك الأخذ. والمعنى في الساج أنه لا يوجد مباحًا في دار الإسلام فلذلك رجب الحد بسرقته وليس كذلك هذا؛ لأن جنسه يوجد مباحًا غير مرغوب فيه فلم يجب به قطع.
-
قالوا: مال وجب القطع في معموله كالذهب والفضة.
-
قلنا: لا نسلم أن الذهب والفضة يجب في غير معموله القطع. لأنها تؤخذ من معادنها حجارة أو تراب فلا يجب بسرقتها قطع حتى تسبك وتخلص، ولأن الخشب إذا عمل [أبوابا وآنية] فقد غلبت الصنعة على جنسه وصار في حكم جنس آخر فلا تعتبر الإباحة في أصله.
-
١/٥٩٧٩١/٥٩٧٩
فإن قيل: هذا يبطل بالبواري فإن القطع لا يجب فيها مع وجود الصنعة.
-
قلنا: إن الصنعة التي في القصب لا تغلب على جنسه فلم تغير حكمه كما كان عليه في الأصل. والصنعة في الخشب غالبة فتخرجه من حكم جنسه فيقطع فيه يبين ذلك أنه لا يوجد مباحًا على هذه الصفة فصار في حكم جنس آخر.