مسألة ٦٨١
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٢٬٥٦٠ إلى ٢٢٬٦٢٢
-
١/٢٧٥٨١/٢٧٥٨
استيفاء الراهن لمنافع الرهن
-
قال أصحابنا: لا يجوز للراهن استيفاء منافع الرهن إلا بإذن المرتهن،
-
ولا يجوز له إجارة الرهن.
-
وقال الشافعي: الراهن يسكن الدار، ويؤجرها، ويركب الدابة، ويعيرها، ويزرع الأرض، ويحلب اللبن، ويجز الصوف،
-
ولا يطأ الجارية، ولا يلبس الثوب.
-
واختلف أصحابه في وطء الجارية الصغيرة، فمنهم من قال: يجوز وطؤها، ومنهم: من منع وطأها.
-
لنا: أن الله تعالى بين لنا التوثق في الديون بالشهادة صيانة للديون من الجحود، وبين صيانة الديون بالتوثق عند عدم الشهود بمقتضى الرهن، حتى لا يجحد الراهن الدين، وهذا إنما يكون مع بقاء قبضه،
-
فلو جوزنا للراهن أخذه
-
١/٢٧٥٩١/٢٧٥٩
والانتفاع به، زال التوثق؛ لأن يجحد الدين، أو يموت والرهن في يده فيجحد الغرماء فيصير أسوة لهم، فتبطل الوثيقة، فثبت أن استدامة القبض حق.
-
يبين ذلك: أن الله تعالى وعظ الذي عليه الدين مع عدم الرهن والشهادة، وأمره بأداء الأمانة، فلولا أن التوثق بالرهن منع الجحود لوعظ الراهن أيضا، فلما لم يعظ دل أن الدين يحصن من الجحود، كما يحصن بالشهادة، وذلك لا يكون مع زوال اليد على ما بيناه.
-
ولأنها منفعة الرهن، فمنع الراهن من استيفائها، كمنفعة البضع، ومنافع الثوب.
-
فإن قيل: المعنى في منفعة البضع: أن الوطء يؤدي إلى العلوق، فيبطل به حق المرتهن، وربما تلفت بالولادة،
-
وكذلك يبلى باللبس، فيؤدي إلى نقصان حق المرتهن.
-
قلنا: فاستعمال العبد في الأعمال ربما أدى إلى تلفه من العمل، ورد الشيء إلى يده يؤدي إلى إسقاط حق المرتهن؛ لأنه يجحد الدين؛
-
فإذا كان الرهن في يد المرتهن لم يجحد الدين؛ لأن في يد] المرتهن ما هو مثل الدين أو أكثر،
-
ولا يستفيد الراهن بجحوده الدين فائدة.
-
ولا يلزم على هذا: إذا أعار المرتهن؛ لأن [هذا يؤدي إلى إسقاط حقه، لكنه رضي بذلك.
-
١/٢٧٦٠١/٢٧٦٠
فإن قيل: قد يجحد الدين وإن كان الرهن في يده، ويدعى الرهن.
-
قلنا: المرتهن يقول: لا يستحق علي تسليم هذا العين، ويحلف على ذلك، فيكون صادقا، ويبقى الرهن في يده بإزاء الدين، ولا تبطل الوثيقة.
-
ولأنه نوع حبس؛ فلا يملك من حبس عنه الانتفاع به، كالبيع.
-
فإن قيل: ملك المشتري في المبيع لم يتم، فلذلك لم يجز له الانتفاع، وملك الراهن تام فجاز له الانتفاع.
-
قلنا: حق الغير إذا تعلق بالملك التام أثر في التصرف، كنقصان الملك.
-
الدليل عليه: العبد المؤاجر.
-
فإن قيل: الثمن عوض عن المبيع، فلم يجز للمشتري التصرف فيه وإن لم يجز في الدين.
-
قلنا: البائع يجوز له التصرف في الثمن،
-
ولا يجوز للمشتري التصرف في المبيع، فبطل أن يكون حبس المبيع من التصرف لما ذكروه، وإنما هو لأن الراهن أثبت له حق الحبس] بعقده حتى يوفيه الدين، كما أثبت الشرع للبائع حق الحبس [وثيقة بالثمن.
-
ولأن الإجارة عقد يستحق به اليد،
-
فلا يصح في الرهن، كالبيع.
-
ولأنه عقد للاستيفاء ممتنع منه/ الرهن، كالرهن.
-
احتجوا: بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يغلق الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه) .
-
والجواب: أن هذا يقتضي أن الغنم ملك الراهن، فكذلك نقول،
-
١/٢٧٦١١/٢٧٦١
وليس إذا كان ملكا له جاز له التصرف فيه، كما أن الرهن ملكه وإن منع من استهلاكه، وكما أن منفعة الوطء له على ملكه،
-
وإن منع من استيفائها.
-
فإن قيل: الخبر يقتضي أن الغنم له ملكا واستيفاء.
-
قلنا: اللفظ لا يفيد إلا الملك،
-
فأما الاستيفاء فيثبت بحقه إذا لم يتعلق به حق غيره.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الرهن محلوب ومركوب) ، وقد أجمعنا على أنه ليس بمركوب للمرتهن، فوجب أن يكون مركوبا للراهن.
-
الجواب: أن الخبر متروك] الظاهر [، ولذلك لا يوصف بالحلب، وإنما يحملونه على أن المرهون مركوب، ونحن نقول معناه: الرهن يصح فيما يركب ويحلب، وليس أحد التأويلين أولى من الآخر.
-
وفائدة الخبر على قولنا: أن الحيوان لما افتقر إلى نفقة جاز أن يستشكل جواز رهنه، فبين - صلى الله عليه وسلم -: أنه يصح وإن افتقر إلى ذلك.
-
ولأن الرهن عندنا محلوب ومركوب، لأنه يستضر بترك الحلب، فيحلبه المرتهن حتى لا ينقص ويكون اللبن في الرهن، ويركبه على طريق الرياضة حتى لا يستضر بالوقوف، ويركبه المرتهن عقبه ويحمل عليه علفه.
-
وجواب ثان: وهو أن في بدء الإسلام كان نفقة الرهن على من ينتفع بلبنه وركوبه، فجوز - صلى الله عليه وسلم -] للمرتهن أن ينفق ويركب ويحلب، والدليل على ذلك: ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - [قال: (وعلى من يحلبه ويركبه نفقته) .
-
١/٢٧٦٢١/٢٧٦٢
فإن قيل: هذا لا ينافي قولنا، لأن النفقة عندنا على الراهن، والحلاب والركوب له.
-
قلنا: الخبر يقتضي وجوب النفقة بالحلاب، والراهن يلزمه نفقته بملكه، لا بالحلب والركوب.
-
قالوا: إنما حدث في ملكه، فكان له، كغير الرهن.
-
قالوا: بأنه محبوس بحق متعلقه، فكان نماؤه لمالكه، كالعبد الجاني.
-
قلنا: حكم مسلم؛ لأن النماء له، والكلام في أنه يمنع منه أم لا.
-
قالوا: إنما حدث بملكه، فكأن لم يتعلق بحق، فكان لمالكه أن يستوفيه لغير الرهن.
-
قلنا: لا نسلم الوصف، لأن التعليل إن كان في اللبن فهو في الرهن،
-
وإن كان في المنافع فحق المرتهن متعلق بها من المنع منها، لأن الوثيقة لا تتم إلا بذلك على ما بينا.
-
والمعنى فيما ليس برهن: أنه لا يمتنع مالكه من الوطء فلم يمنع من الخدمة، ولما منع الراهن من الوطء الذي يملكه منع من الخدمة.
-
قالوا: محبوس بحق متعلق به، فكان لمالكه استيفاء منافعه، كالعبد الجاني.
-
قلنا: العبد الجاني ليس بمحبوس،
-
ولا يثبت لولي الجناية حبسه لحقه، فالوصف غير مسلم.
-
ولأن الاستخدام لا يبطل حق ولي الجناية، لأن حقه لم يثبت بالتوثق، وفي مسألتنا: الرهن يثبت حبسه للتوثق، وفي استخدام ملكه إبطال التوثق
-
١/٢٧٦٣١/٢٧٦٣
على ما قدمنا.
-
قالوا: الرهن عقد لا يبيح للمعقود له الانتفاع بالمعقود عليه، فوجب أن لا يمنع مالكه من الانتفاع به أصله: النكاح.
-
قلنا: يبطل بالوطء وبلبس الثوب.
-
قالوا: نحترز عنه فنقول: فوجب أن لا يمنع مالكها من الانتفاع بها مع عدم الضرر.
-
قلنا: هذا الوصف لا تأثير له في الأصل، لأن المولى لا يمنع من منافع المزوجة وإن أضر ذلك بزوجها، ألا ترى: أن في استخدامها ووطئها عنده إلحاق الضرر به.
-
ثم هو مسلم؛ لأن عندنا في استخدامه ضررا، لأنه يموت والرهن في يده، فيجحد الغرماء الرهن، فيصير المرتهن وهم سواء.
-
والمعنى في الأمة المزوجة: أن حق الزوج تعلق بنوع من منفعتها، فما لم يتعلق حكمه به لا يمنع المولى منه، والمرتهن عقد الوثيقة على رقبة الرهن، والعقد على الرقاب يمنع العاقد من الانتفاع بها، كعقد البيع، وكمنفعة الوطء من الرهن.
-
قالوا: عين تعلق بها دين، فجاز لصاحبها أن ينتفع بها مع عدم الضرر، كالأمة الجانية.
-
قلنا: يبطل بالمبيعة، ولأن استخدام الجانية لا يبطل حق الجناية، وليس كذلك استخدام الرهن؛ لأنه يبطل الوثيقة منه على ما قدمنا.