مسألة ٥٨
التجريدالحنفيةالمسائل ١٬٩١٧ إلى ٢٬٠٠٩
-
١/٢٩٢١/٢٩٢
إذا وقعت النجاسة في الماء نجس، قليلا كان أو كثيرا
-
قال أبو حنيفة: إذا وقعت النجاسة في الماء نجس، قليلًا كان أو كثيرًا، إلا ما يعلم أن النجاسة لم تصل إليه،
-
ولا يعتبر تغير الأوصاف.
-
وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين لم ينجس حتى يتغير.
-
لنا: قوله - عليه السلام -: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) ) والغالب في الماء الدائم أنه أكثر من قلتين.
-
ولا يقال: إن الخبر يقتضي تحريم البول دون النجاسة؛ لأن الخبر يقتضي المنع من استعماله: بقوله:
-
((ثم يغتسل فيه) )، وهذا موضع الخلاف.
-
ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوه،
-
ثم اغسلوه سبعًا) )، ولم يفصل بين كبير وصغير.
-
١/٢٩٣١/٢٩٣
وروي أنه قال: ((إذا قام أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا) )، فاحترز من نجاسة تكون على يده ولا تظهر، ومعلوم أن ذلك لا يغير أوصاف الماء،
-
فلو كان لا ينجس لم يكن للاحتراز معنى.
-
ولأن ما ينجس قليله بمخالطة النجاسة؛ نجس كثيرة، كالخل واللبن.
-
ولأن ما ينجس بظهر النجاسة ينجس بمخالطتها، كما دون القلتين.
-
ولا معنى لقولهم: إن المائعات يصان قليلها وكثيرها بالظروف، والماء يصان قليله بالإناء ولا يصان كثيره.
-
ولأن عندهم الماء الكثير لا يؤثر فيه النجاسة لغلبته عليها إلا بتعذر بمغلوب، فلم يصح الفرق بما لا يقولون به.
-
ولأن العبادة تتعلق بما يستعمله من الماء،
-
فإذا خالط ذلك القدر النجاسة يمنع، كما لو أخذه من ماء قليل.
-
ولأن ما يقع به التطهير يمنع من مخالطة النجاسة وإن لم يتغير، كالتراب الذي يتيمم به.
-
١/٢٩٤١/٢٩٤
ولا يلزم وقوع البعرة في البئر؛ لأنا عللنا للمخالطة،
-
ومتى خالطت البعرة الماء منعت.
-
ولأن النجاسة تؤثر في الماء كما تؤثر في الثوب والبدن،
-
فإذا استوى في أحدهما ما ظهر منها وما لم يظهر كذلك الآخر.
-
ولأن تأثير النجاسة في الماء أبلغ من تأثيرها في الثوب؛ بدلالة أن يسيرها يعفى عنه في أحدهما وإن ظهر ولا يعفى في الآخر.
-
فإذا استوى في الثوب ما يظهر من النجاسة وما لا يظهر؛ فالماء أولى.
-
احتجوا: بحديث أبي أمامة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير طعمه، أو ريحه، أو لونه) ).
-
والجواب: أن رواية محمد بن يوسف الغصيصي، وهو لا يعرف عن راشد بن سعد، وهو ساقط الرواية ظاهر الجرح.
-
قال الدارقطني: لم يرفعه عن راشد غير معاوية بن صالح وليس
-
١/٢٩٥١/٢٩٥
بالقوي.
-
وقال ابن المديني: لم يكن يحيى القطان يرضى معاوية بن صالح، ولا يروي عنه.
-
وقد رواه الثقات -مثل ابن إسماعيل الضراب، وعيسى بن يونس- وأوقفوه، ولأن الخبر متروك الظاهر، فعلمنا أن النجاسة تؤثر فيه بأن لم يتغير باتفاق.
-
فكان معناه: لا يصير في حكم النجاسات إلا بالتغير، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((المؤمن لا ينجس) )، وقال: ((ليس على الأرض من الجائر الشيء) )، معناه: أن الأرض لا تنجس بنفسها وإن جاورها
-
١/٢٩٦١/٢٩٦
النجاسة، وحمل الخبر على هذا التأويل أولى؛ لأنا ننفي عمومه في القليل والكثير، وحمله على ما يقولونه يؤدي إلى التخصيص في القليل،
-
ومن نفي العموم فهو بالظاهر أولى.
-
احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا نتوضأ من بئر بضاعة وهو بئر يطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب، وما ينجس الناس فقال: ((الماء لا ينجسه شيء) ).
-
والجواب: أن هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير، وهو مدني لم يرو عنه أهل المدينة، وقالوا: كان أباضيا، فرواه عن محمد بن كعب القرظي، عن عبيد الله بن عبد الله.
-
ورواه محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد.
-
١/٢٩٧١/٢٩٧
ورواه إبراهيم بن سعد عن سليط عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
-
ولو كان هذا الحديث معروفًا برواية رجل لم يقع الاختلاف في اسمه.
-
وسليط بن أيوب غير معروف بالرواية، وإنما روى عنه ابن إسحاق، وكان لا يبالي عمن أخذ.
-
ولم يقل: حدثنا، وإنما قال: عن سليط، وهو ممن يعرف بالتدليس عن الثقات، على أن الخبر لا يجوز أن يكون محمولًا على ظاهره؛ لأن طرح النجاسات في الماء منهي عنه في الشرع، فكيف يجوز أن يخبَر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإلقاء ما ذكر من النتن ولا ينكره، بل يقر عليه، ولأن المعلوم من نزاهته ونظافته وبعده عن الرائحة المستنكرة وإيثاره للطيب أنه لا يتوضأ بما يلقى فيه الكلاب والمحائض، فلم يبق إلا أن تكون هذه البئر كانت -كما ذكر- في الجاهلية، فأشكل على القوم حالها في الحال وإن لم يقع فيها نجاسة؛ لمكان النجاسة المتقدمة.
-
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه) )، فتبين أن تلك النجاسة لما لم يبق أثرها لم يبق حكمها مع كثرة النزح.
-
١/٢٩٨١/٢٩٨
ويبين ما قلناه أن أبا داود قال: أكثر ما يكون الماء في بئر بضاعة إلى السرة، وأقله إلى العورة، يعني الركبة.
-
ومثل هذا إذا دام وقوع النجاسة فيه ظهرت، فدل أن السؤال وقع عن حالة سابقة.
-
فأما قوله: ((لا ينجسه شيء) ) فقد أجبنا عنه.
-
ثم نقول: إنه - صلى الله عليه وسلم - بقى الماء على الطهارة، ونقله عن الأصل بتغير الأوصاف؛ لأن تغيرها يوجب تغير النجاسة، ووقع النجاسة فيه إذا بلغ في باب اليقين؛ لأن التغير قد يكون بغير النجاسة، فصار ذكر التغيير تنبيهًا على ما هو أقوى في النفس، كما ينبه بالأدنى على الأعلى.
-
وقد ذكر ابن شجاع عن الواقدي -وهو أعرف الناس بالمدينة- أن بئر بضاعة مجرى الماء إلى البساتين، والماء الجاري لا تستقر فيه النجاسة.
-
ولا يقال: لو كان كذلك ما أشكل حالها؛ لأن هذا مشكل لجواز؛ أن يظنوا أن الماء إذا نجس نجس ما يجاوره، فلم تزل النجاسة أبدا.
-
١/٢٩٩١/٢٩٩
احتجوا: بحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) )، وروي: ((فإنه لا ينجس) ).
-
والجواب: أن هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير -ولم يروه عنه أهل المدينة وهو مدني، وقد ضعفه الساجي -عن محمد بن جعفر بن الزبير- وليس بثبت،
-
ولا معروف بالرواية، ولذلك لم يرو عنه أحد من الأئمة في زمانه -عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله، وهذا اضطراب عندهم، وأصحاب الحديث لا يصححون رواية أحد من ولد ابن عمر إلا سالم.
-
ورواه محمد بن وهب السلمي عن ابن عياش، عن محمد
-
١/٣٠٠١/٣٠٠
ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومحمد بن وهب ضعيف.
-
قال الدارقطني: المحفوظ عن ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، وهذا طعن منه.
-
ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعبد الوهاب اختلط عقله، وروى في اختلاطه، لذلك لا يعتمد على حديث رواه.
-
ورواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، وخالفه حماد بن زيد، وهو أوثق منه، فرواه عن عاصم بن المنذر، وأوقفه على ابن عمر، فهذا اضطراب سند الحديث.
-
وقد روي من طرق الصحاح موقوفا على ابن عمر، أوقفه إسماعيل ابن علية وحماد بن زيد، وليس فيها أسنده ما يقارب
-
١/٣٠١١/٣٠١
هؤلاء.
-
وقد روى الشافعي هذا الخبر فقال: رواه ابن جريج بإسناد لا يحضرني. فحكي عن أبي يوسف داود أنه قال: الإسناد لم يحضره،
-
ولا يحضر أبدًا؛ لأنه لا أصل له.
-
والذي يبين ضعفه أنه حديث مدني لم يروه أئمة المدينة ولا ذكره أحد من الناس في الصحيح،
-
ثم هو مضطرب المتن: روي: قلتين أو ثلاثًا، وروى جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا بلغ الماء أربعين قلة) ). وهذا اضطراب في المتن.
-
ثم القلة مجهولة؛ لأنها عبارة عن أشياء مختلفة تتفاوت، ليس بعضها أولى من بعض، واعتبارهم لقلال هجر تقليد؛ لأن ابن جريج لا يصح؛ لأن التقليد لا يجوز في موضع خلاف؛
-
ثم قد قال هشيم: القلال: الجرار الكبار، فلم يكن
-
١/٣٠٢١/٣٠٢
الرجوع إلى قول ابن جريج أولى من قوله.
-
ثم قلال هجر مختلفة في نفسها، كقلال كل بلد.
-
وقولهم: إنه روي في الخبر: ((إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر) ) لا يصح؛ لأن هذا لم يذكر في موضع يوثق به.
-
وقيل: تفرد به المغيرة بن سقلاب، وهو ضعيف، والأشبه أن المراد بالقلة: قامة الرجل أو سنام الجمل؛ لأن الماء يقدر في الغالب بالأذرع والقمامات.
-
ولا يقال: إن الخبر قد أفاد التحديد، وهو خلاف قولكم؛ لأن القلتين إن كان المراد بها ما ذكرناه فهو من الغالب ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، وهو تعيين.
-
١/٣٠٣١/٣٠٣
ولأن قوله: ((لا يحمل خبثًا) ) معناه: يضعف عن حمله، كما يقال: الحل لا يحتمل الغش.
-
ولا يقال: إن هذا يذكر في الأعيان،
-
فأما الأحكام فمعناه: الالتزام دون القوة والضعف؛ لأن قوله: يضعف عنه معناه:
-
ولا يلزمه حكمه، وهذا حكم لا عين.
-
قالوا: فقد روي: ((لا ينجس) ).
-
قلنا: أصل الخبر: ((لا يحمل خبثًا) )، فاللفظ الآخر تأويل الراوي.
-
ألا ترى أن قوله: ((لا يحمل خبثًا) ) محتمل، وقوله: ((لا ينجس) ) لا يحتمل؛ والراوي لا يسمع الصريح وينقل المحتمل، وقد يسمع المحتمل فينقل أحد جهات الاحتمال إذا قرت في نفسه.
-
ولا معنى لقولهم: لو كان المراد: يضعف عن حمله لم يكن لتخصيص القلتين وذكر ما زاد عليها فائدة، وإنما أراد أن يبين أن النجاسة تؤثر في الماء الكثير ليعلم القليل من طريق الأولى، ولأن الأخبار التي قدمناها رويت من طرق صحيحة، واشتهر عمل السلف بها:
-
فقال علي - عليه السلام - في البئر تقع فيها فأرة: ينزح ماؤها.
-
وأمر ابن عباس بنزح زمزم لما وقع فيها الزنجي.
-
١/٣٠٤١/٣٠٤
والرجوع إلى الأخبار الصحيحة المختلفة الطرق التي وافقها عمل السلف أولى.
-
ولا يقال: إن الشافعي قال: لا أصل لخبر زمزم؛ لأنا لا نعرفه بمكة؛ لأن ذلك رواه ابن سيرين بإسناد لم يطعن عليه، ذكره الدارقطني وغيره،
-
فلا يسقط جحود الشافعي.
-
ولا يجوز أن يقال: إن الماء تغير؛ لأنه لم ينقل في خبر على تفصيل، وابن عباس قال: انزحوا جميع الماء. ولم يقل: انزحوا حتى يزول التغير.
-
قالوا: لأنه ماء بلغ حدًّا لا يحفظ من النجس في العادة،
-
فإذا وقع فيه نجاسة لم تغيره لم يحكم بنجاسته، كالغدير العظيم.
-
قلنا: لا نسلم أن قدر القلتين لا يحفظ غالبًا؛ لأن ذلك يصان بالظروف ويحفظ كما دونه، والغدير العظيم غير مسلم؛ لأن مكان النجاسة منه نجس، وما لم تصل إليه النجاسة كغدير آخر.
-
قالوا: فأصل علتنا: البعرة إذا وقعت في الماء.
-
قلنا: هذا موضع استحسان،
-
فلا يقاس عليه، ولأنا لا نسلم أن النجاسة في البعرة خالطت الماء ولا جاورته؛ لأن عندنا يفصل بين النجاسة والماء فاصل من رطوبة الخلقة، كنجاسة في وعاء وقعت في الماء،
-
فأما إن اختلطت البعرة بالماء أو جاورت أجزاؤها؛ فإنها تنجس عندنا.
-
قالوا: أمر النجاسة مبني على أن ما لا يمكن التحرز منه عفي عنه، وما يمكن الاحتراز منه لم يعف عنه، والماء كثير لا يحترز فيه من النجاسة، فعفي عنها.
-
١/٣٠٥١/٣٠٥
قلنا: ما لا يمكن الاحتراز منه لا يعتبر به في الماء، بدلالة ما لا نفس له.
-
ولأن المواضع التي وقع التقدير في النجاسة المعفو عنها إنما عفي عن قدر منها دون قدر، أو عن عين دون عين.
-
فأمَّا أن يعفى عن مقدار ما يصيبه، أو يعفى عن بعض الأعيان التي يصيبها دون بعض فلا.