مسألة ٣٥٤
التجريدالحنفيةالمسائل ١٠٬٦٢٧ إلى ١٠٬٦٨٦
-
١/١٤٠٧١/١٤٠٧
صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير
-
قال أصحابنا صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير.
-
وقال الشافعي: من كل نوع صاع.
-
لنا ما روى الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر, أو صاعا من شعير, أو نصف صاع من بر عن كل صغير أو كبير, ذكر أو أنثى حر أو عبد) .
-
وفي لفظ آخر عن ثعلبة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب قبل يوم العيد بيوم أو يومين فقال: إن صدقة الفطر مدان بر عن كل إنسان, أو صاع مما سواه من الطعام) .
-
فإن قيل: هذا الخبر مشكوك فيه, فإنه يقول: عبد الله بن ثعلبة, أو
-
١/١٤٠٨١/١٤٠٨
ثعلبة فلم يتيقن اسم الراوي.
-
قلنا: هذا تعاطي ما لا يحسنه من ذكره؛ لأن ثعلبة أستاذ الزهري وهو حليف لبني زهرة, وله صحبة, أخذ عن الزهري النسب أفتراه يشك في نسبه مع هذا؟ وإنما يشك من دون الزهري؛ لأن له صحبة, كما أن لأبيه صحبة.
-
وقد روى هذا الحديث محمد بن الحسن من غير شك.
-
فإن قيل: قد ذكر الدارقطني هذا الحديث, ونقل فيه: (أدوا صدقة الفطر عن كل إنسان صاعا من بر [على الصغير والكبير] . وروى (أدوا صدقة الفطر عن كل إنسان صاعا من بر] أو قمح عن كل صغير وكبير حر أو عبد ذكر أو أنثى) .
-
قلنا: هذا غلط في الرواية, لأن أبا داود ذكر في هذا) صاعا من بر أو قمح على كل اثنين) ,
-
فمن نقل (صاعا) في حديثه إنما هو بعض الحديث, فالمشهور الذي لا يختلف فيه أهل النقل, حديث ثعلبة: (نصف صاع) . وروى ابن جريح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث مناديا ينادي في فجاج مكة, ألا إن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم, على كل ذكر وأنثى, حر وعبد, صغير وكبير, مدان من قمح أو صاع مما سواه من الطعام) .
-
١/١٤٠٩١/١٤٠٩
وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنه أمر بصدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو مدان من قمح على كل حاضر وباد صغير وكبير حر وعبد) .
-
وروى الحسن قال: خطبنا ابن عباس ونحن في رمضان على منبر البصرة, فقال: (أخرجوا صدقة صيامكم فكان الناس لم يعلموا فقال: من هاهنا من أهل المدينة قوموا إلى إخوانكم فعلموهم, فإنهم لا يعلمون, فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر صاعا من تمر أو شعير, أو نصف صاع قمح على كل حر ومملوك ذكر أو أنثى, صغير أو كبير, فلما قدم علي - رضي الله عنه - رأى رخص الشعير.
-
فقال: قد أوسع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلو جعلتموه صاعا. فروى: (واستشهد بأهل المدينة علي روايته).
-
فإن قيل: روى ابن سيرين عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (أمرنا أن نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير, والحر والمملوك صاعا من طعام, من أدى برا قبل منه ومن أدى شعيرا قبل منه) .
-
قلنا: ابن سيرين لم يلق ابن عباس,
-
ولا يصح الاستدلال به عندكم,
-
ثم قال: (من أعطى برا قبل منه) , وعندنا إذا أعطى ذلك قبل منه ولا كلام فيه, وإنما الكلام هل يجب عليه أم لا؟ وروى ابن شهاب عن سعيد بن المسيب (أن
-
١/١٤١٠١/١٤١٠
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر مدين من حنطة) , وقال سعيد: (كانت الصدقة تعطى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر نصف صاع حنطة) ومراسيل ابن المسيب مقبولة بإجماع.
-
وقد روى نصف صاع من بر عن الأئمة الأربعة, وعن ابن عمر, وابن عباس, وابن مسعود, وأبي هريرة وجابر بن سمرة وغيرهم - رضي الله عنهم -. قال أبو الحسن: ولم ينقل عن أحد من الصحابة أن نصف صاع لا يجزئ فصار ذلك إجماعا.
-
فإن قيل: أبو سعيد مخالف.
-
قلنا: الذي صح عنه أنه قال: لا أخرج مدين قمح, فكأنه اعتقد أن البر ليس من أنواع الفطرة. ولأنها صدقة مقدرة بنفسها تخرج من أجناس فلم تتفق مقاديرها, كالزكاة. ولأن ما لا يتقدر به طعام مسكين في كفارة لا تتقدر به الفطرة كثمانية أرطال من بر.
-
ولأنه قدر لو أخرجه إلا مسكين في كفارة الأداء اكتفى به,
-
فإذا أخرجه في فطرة أجرأ, أصله: صاع من شعير.
-
فإن قيل: اعتبار الحنطة في الفطرة بأنواع الفطرة أولى من اعتبارها بغيرها.
-
قلنا: الأجناس المختلفة لا تعتبر بعضها ببعض في المقدار, فكان اعتبار الحنطة بجنسها أولى.
-
احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري, وذكروا عنده صدقة رمضان,
-
١/١٤١١١/١٤١١
فقال: (لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من تمر أو صاعا من حنطة, أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط, فقال له رجل: أو مدين من قمح, قال: لا تلك قيمة معاوية, لا أقبلها,
-
ولا أعمل بها) .
-
والجواب: أن هذا الخبر ذكره أبو داود والحفاظ, ولم يذكر فيه الحنطة,
-
ثم قال: قد روى واحد عن ابن علية الحنطة, وليس بمحفوظ, فلم يجز الاحتجاج بما ذكره أبو داود, والعجب ممن قال: قد روى الزيادة الدارقطني وهو أحفظ منه؛ لأن الدارقطني روى زيادة بين أبو داود أنها غلط, والحافظ من روى وطعن, ليس الحافظ من أمسك عن الطعن او جهله,
-
ومن لم يعرف رتبة أبي داود على الدارقطني ليس من أهل هذا الشأن/, وقد قال أحمد بن حنبل: إن الله ألان الحديث لأبي داود, كما ألان الحديد لداود - عليه السلام - ,
-
والصحيح من الخبر أن أبا سعيد اعتقد أن الأنواع ليس فيها الحنطة وإنما يقوم وليس بأصل, وكلامنا في المقدار, فإنا قد اتفقا على أن الحنطة أصل وإن اختلفنا في مقدارها.
-
ثم قد عارض هذا ما روت أسماء رضي الله عنها قالت: (كنا نخرج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من بر بين اثنين) فليس الرجوع إلى أحد الأمرين بأولى من الرجوع إلى الآخر,
-
ثم إن أبا سعيد حكى
-
١/١٤١٢١/١٤١٢
فعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك حجة أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
-
ألا ترى: أن الأنصار قالوا: كنا نكسل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا نغتسل, فقال لهم عمر: أشيء علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فريضة الحكم فإن قيل: صدقة الفطر كانت تؤدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ,
-
فلا بد أن يكون عرف ما أخرجه أبو سعيد, ولولا ذلك لم يحتج على معاوية - رضي الله عنه - بعمل نفسه.
-
قلنا: الفطرة كانت تؤدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن من حمل إليه صاعا من بر قبله منه, يجوز أن يكون عن اثنين, أو يكون بعضه تطوعا, وإنما الحجة أنه لو نقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ صاعا فطرة لواحد, وهذا لا سبيل إليه واحتجاجه على معاوية - رضي الله عنه - كاحتجاج الأنصار بما لم يعلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظن هذا إذا فعل في ذلك العصر كان حجة بكل حال, على أن هذا الخبر يرويه عياض بن عبد الله ابن أبي سرح, ولم يخرجه أحد في صحيح, وأبوه الذي بدل الوحي وغيره.
-
احتجوا: بما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة رمضان على كل إنسان صاعا من تمر أو صاعا من قمح.
-
قلنا: رواه سفيان بن حسين عن الزهري, وهو ضعيف. قال يحيى بن
-
١/١٤١٣١/١٤١٣
معين: جميع روايته عن الزهري عرضا في الموسم, لم يضبط, ولا يلتفت إليها.
-
قالوا: روى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أخرجوا زكاة الفطر صاعا من طعام, وطعامنا يومئذ البر والتمر والزبيب والأقط) .
-
قلنا: هذا غلط من الراوي؛ لأن طعامهم الشعير, هكذا روى معمر بن عبد الله. وروى أنه عليه الصلاة والسلام (ما شبع من خبز بر حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
واحتجوا: بحديث نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر, أو صاعا من بر, ذكره الدارقطني عن الحضرمي عن زكريا بن يحيى بن صبيح, وهذا لا يعرف وهو غلط لا محالة؛ لأن ابن جريج
-
١/١٤١٤١/١٤١٤
روى عن سليمان بن موسى, عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن حزم في زكاة الفطر: نصف صاع من حنطة أو صاعا من تمر) .
-
وقد روى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كان الناس يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من شعير, وتمر وسلت, أو زبيب, فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل نصف صاع من حنطة مكانا من تلك الأشياء) وروى أبو داود: عن نافع قال: عبد الله: (فعدل الناس بعد نصف صاع بر) .
-
فإذا كان ابن عمر يروي أن نصف صاع تقويم, ما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن الفرض إلا من الشعير والتمر, وما ذكره, كيف يصح عنه رواية صاع من حنطة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , وإنما مخالفونا رجعوا إلى ما وجدوه في كتاب الدارقطني من غير بحث عنه ولا كشف.
-
قالوا: إذا تعارضت الرواية عن ابن عمر, وفي خبرنا زيادة حكم فكان أولى.
-
قلنا: بينا أن ما نقلتموه لا يجوز أن يكون إلا غلط, فكيف يتعارض حتى نرجح,
-
ثم إذا تعارضا والأصل أن لا وجوب يثبت ذلك المتفق عليه في الرواية.
-
١/١٤١٥١/١٤١٥
قالوا: روى كثير بن عبد الله بن عوف, عن أبيه, عن جده, قال: (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من طعام أو صاعا من زبيب, أو صاعا من شعير) .
-
قلنا كثير بن عبد الله يروي مائة حديث موضوعة عن أبيه عن جده,
-
فلا يلتفت إلى حديثه.
-
قالوا: جنس يجوز إخراجه في زكاة الفطر, فوجب أنه يتقدر بالصاع, أصله: سائر الأنواع.
-
قلنا: هذا القياس يخالف النص؛ ولأن الحنطة والشعير تختلف قيمتها فلم يجز أن يتساويا في مقدار الواجب. ولأن المقصود من الفطرة غناء المساكين وذلك يقع بالحنطة أكثر من الشعير, فلم يجز أن يتساويا.
-
قالوا: الصدقة المخرجة من الحب يستوي في قدرها البر والشعير, أصله: العشر.
-
قلنا: العشر ليس بمقدر بنفسه, فذلك لم تختلف قدره, والفطرة مقدرة بنفسها؛ ولأنا نقلب فنقول فجاز أن يجب الشيء ومثل نصفه كالعشر.
-
قالوا: صدقة الفطر لم توضع على القيمة, بدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بين الشعير والتمر مع اختلاف قيمتها إذ ذاك سواء. ولأنه اعتبر ما يحصل من الكفاية وكفاية الشعير والتمر سواء, وهما يخالفان الحنطة في الكفاية.