مسألة ٨١١
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٧٬٣٤٩ إلى ٢٧٬٤١٤
-
١/٣٣٤٣١/٣٣٤٣
إكراه الرجل امرأة على الزنا
-
قال أصحابنا: إذا أكره الرجل امرأة على الزنا فعليه الحد ولا مهر عليه.
-
وقال الشافعي: عليه الحد والمهر.
-
١/٣٣٤٤١/٣٣٤٤
لنا قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ظاهر الآية أنها بيان جميع الحكم الواجب على الزاني،
-
ولو كان يجب عليه غير الحد لذكره.
-
ولا يقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بين حكم الزانيين، وهذا لا مهر للزانية، وذلك لأنه تعالى ذكر حكم الزاني والزانية، وهذا لا يقتضي اجتماعهما، بل يقتضي وجوب الحد على كل واحد، إذا وجد منه الزنا،
-
وإن لم يكن الآخر زانيًا. وهذا كقوله {والسارق والسارقة فاقطعوا} [ظاهره] يقتضي وجوب القطع على كل واحد،
-
وإن لم يشاركه الآخر في السرقة.
-
فإن قيل وجوب الحد لا ينفي وجوب المهر. قلنا لم نستدل بالآية من هذا الوجه، وإنما قلنا: إنه معنى الحكم الواجب على الزاني، وكأن بيان الحق الواجب للآدمي أولى، لأنه أحوج إلى حقه.
-
ولأن كل وطء يجب به المهر استوي فيه الإكراه والطوع، كالوطء للنكاح الفاسد.
-
ولا يلزم المجنون إذا أكره عاقلة على الوطء فوجب عليه المهر.
-
وإن طاوعته لم يجب. لأنا لم نوجب إذا طاوعت من غير استدعاء، وإنما سقط المهر إذا استدعته، فالحكم يختلف بالاستدعاء وغيره، لا يختلف بالطوع والإكراه. ولأنه وطء وجب [به] الحد عليه فلم يجب عليه المهر لها، أصله إذا طاوعته.
-
(فإن قيل) : المعنى في المطاوعة أن الحد يجب عليهما. قلنا: الحقوق التي تجب للمرأة على وجه العوض يستوي فيه الزانية وغيرها، بدلالة سائر حقوقها.
-
فإن قيل المعنى في الزانية وجوب الحد عليها.
-
قلنا: اعتبرنا في نفي المهر وجوب الحد على الواطئ، واعتبرنا وجوبه على الموطوءة، والوجوب يعود إلى فعله، وكان وجوب السبب المنافي في حقه أولى
-
١/٣٣٤٥١/٣٣٤٥
بالإعادة.
-
(فإن قيل) الواجب لها وصفته الواجبة معتبرة بمنزلة الوجوب.
-
قلنا: الوجوب يعتبر في ثبوته صفة الموجب له والموجب عليه، فمتى لم يوجد محل الإيجاب لا يجب، ألا ترى أن العبد إذا أكره مولاته على الوطء لم يجب المهر، لأنه لا محل بالإيجاب وإن كانت ممن يجب لها الحقوق.
-
كذلك في مسألتنا الزاني ليس بمحل لوجوب المهر،
-
فلا معنى لاعتبار صفة من وجب له.
-
فإن قيل: المعنى في المطاوعة: أنها رضيت بإسقاط حقها، فصارت كمن أذن لغيره في قطع [يده] وأذن في أكل طعامه.
-
قلنا: (الباذلة) والآذنة في الوطء هي التي وجد فيها زائد على الطوع. وأصل علتنا المطاوعة، وهي التي أمسكت عن المنع. وهذا المعنى لا يسقط الأعواض في الأصول، بدلالة من لم يمنع (من إتلاف) ماله ومن إتلاف أعضائه لم يسقط ضمان ذلك وإنما/ يسقط إذا أذن و (بذل) وهذه صفة زائدة على الطوع.
-
فلا يجوز لمخالفنا أن يعارضنا في غير الأصل على أن هذا فاسد. لأن الأسباب الموجبة يستوي فيها الرضاء بإسقاط البدل وعدمه في وجوب [المهر] بدلالة وطء المفوضة والمنكوحة نكاحًا فاسدًا على أن لا مهر لهما،
-
فلو كان الوطء من غير عقد ولا شبهة موجب البدل استوي طوعها وإكراهها.
-
ولأن الأمة لا مهر لها، فوجب الحد على الواطئ،
-
ولا يجوز أن يكون أرضاها بإسقاط المهر، لأن مهرها حق لمولاها وهي لا تملك إسقاطه،
-
فإن لم يسلموا هذا فقد دل عليه نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن مهر البغي وهي الزانية.
-
١/٣٣٤٦١/٣٣٤٦
ولأنه وطء واحد فلا يجب به حد ومهر. أصله إذا وجد على فراشه امرأة فوطئها.
-
ولأن الحد والمهر كل واحد منهما موجب الوطء، وكل وطء تعلق به أحد موجبيه لم يتعلق به الآخر، بدلالة الوطء بشبهة. ولأن الحد سقط بالشبهة والمهر لا يسقط [بها] ولا يختار بفعل واحد كالأرش (والقصاص) .
-
ولأن الأسباب الموجبة للحدود لا يتعلق بها (المال) أصله الردة والقذف.
-
قالوا: يبطل بالزنا في رمضان حيث يتعلق به الحدود والكفارة.
-
قلنا: لا يلزم على العلة الأولى لأن كل واحد من الحدود وكفارة الصوم يسقط بالشبهة.
-
ولا يلزم على الثانية، لأن الحد يجب بالوطء والكفارة لهتك حرمة الشهر وهما أمران مختلفان.
-
ولا يلزم إذا شرب خمر الذمي أنه يجب عليه الحد والضمان ولأن الضمان يجب بحصولها في فمه، لأن ذلك استهلاك لها والحد بوصولها إلى جوفه، وهما فعلان مختلفان ولا يلزم إذا زنى بها مكرهة فأفضاها، لأن الحد يجب بالتقاء الختانين والإفضاء يكون بمجاورة الموضع المعتاد للوطء، وكل واحد من الفعلين غير الآخر.
-
لا يلزم إذا وطئ امرأة ابنه قبل دخول زوجها بها يقصد بذلك إفساد النكاح أنه يحد ويجب عليه ضمان نصف المهر.
-
لأن الضمان عندنا لا يجب بالوطء بدلالة أن الزوج لو دخل بها لم يضمن الواطئ
-
وكذلك لو لم يقصد (الإفساد) .
-
وإنما يجب الضمان لأنه (فوت) عليه ضمانًا، فجاز أن يتخلص منه بوقوع الفرقة بفعل المرأة. وهذا معنى غير الوطء، ألا ترى أنه بالرضاع على وجه الفساد ثبت الرجوع لتفريق المهر عليه.
-
١/٣٣٤٧١/٣٣٤٧
فإن قيل: المعنى في القصاص والدية أنهما بدلان عن مبدل واحد، فلم يجز اجتماعهما كالمثل والقيمة، وليس كذلك الحد والمهر، لأنهما حقان بجملتين مختلفتين، فلهذا وجبا معًا.
-
[وكما] لا يجوز اجتماع المثل والقيمة، لا يجوز أن يجب مثلان،
-
ولا قيمتان. ثم وجب في قتل النفس قتل جماعة وكل واحد منهم مثل، فعلم أن المانع من اجتماع القصاص والدية ليس هو لما ذكروه، وإنما هو اختلاف (سببهما) .
-
وأما المهر والحد وإن وجب [بجملتين مختلفتين] ، فسببها متناف، بدلالة أن الحد لا يجب إلا من ارتفاع أسباب الاستحقاق وما جرى مجراها، والمهر موضوعه أن يجب عند العقود وما جرى مجراها، فلم يجتمعا مع تنافي سببهما.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
-
(فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها) .
-
قلنا: استحل: استفعل من التماس الحل، وهذا (يوجد) في النكاح والشبهة دون غيره.
-
١/٣٣٤٨١/٣٣٤٨
قالوا كل ما ضمن بالإتلاف في العقد الفاسد ضمن بالإكراه. والغصب كالأعيان.
-
قلنا: نقول بموجبه فإن المجنون إذا أكره امرأة فوطئها ضمن مهرها. والمعنى في الأعيان لو أتلف مع ترك مالكها للمنع ضمنه.
-
وكذلك إذا أتلف مع الإكراه. ومنفعة البضع لو أتلف مع إمساكها عن المنع لم يضمن، كذلك إذا استوفت ممن أكرهها لم يضمن.
-
قالوا: ملتزم حق الإسلام صادف وطئه من يملك عليه بدل المتلف،
-
فإذا لم يجب الحد عليها كان لها المهر كالوطء بشبهة.
-
وقولهم: (ملتزم حكم الإسلام) : احتراز من الحربي إذا أكره مسلمة. وقولهم: (صادف وطؤه) احتراز مما إذا استدخلت ذكر النائم، لأنه لم يوجد وطؤه.
-
وقولهم: (من يملك عليه البدل) احتراز من وطء العبد مولاته أو أمة لسيده أو وطء المسلم حربية كرهًا. وقولهم: إذا لم يوجب الحد على الموطوءة احتراز من المطاوعة إذا وجب عليها الحد.
-
الجواب: أن وجوب الحد عليها إذا نفى المهر فوجوب الحد عليه مثله، لأن المعنى المنافي قارن سبب الوجوب.
-
ولأن الوطء بالشبهة [لما لم يجب به الحد على الواطئ جاز أن يجب به المهر، ولما وجب بهذا الوطء الحد عليه لم يجب المهر كالمطاوعة.
-
قالوا: الموطوءة بشبهة] رضيت بالوطء،
-
فإذا وجب لها المهر فالمكرهة التي لم ترض بالبذل أولى.
-
قلنا: قد بينا الأسباب التي يتعلق بها [المهر] ويستوي فيها الطوع والإكراه، وهي الوطء بنكاح فاسد وشبهة، والوطء الذي لا يتعلق به مهر ويستوي فيه
-
١/٣٣٤٩١/٣٣٤٩
الإكراه والطوع. ولأنا بينا أن (المطاوعة) ما بذلت وإنما أمسكت عن الامتناع، وهذا ليس ببذل بدلالة الممسك حتى يتلف ماله. قالوا: الحد يجب لحق الله تعالى والمهر لحقها، وكل واحد منهما ينفرد عن الآخر فجاز أن يجبا بفعل كل واحد كالجزاء والقيمة.
-
قلنا: الحد يجب لحق الله تعالى، والمهر يجب لحقه وحقها، فهما كالحقين (لمستحق) واحد. والمعنى في الجزاء والقيمة أنهما يجبان لحق مستحق واحد [بدلالة الصيد المنذور إذا أتلفه المحرم، فجاز أن يجب لحق مستحقين، والمهر والحد لا يجتمعان لحق مستحق واحد] فلم يجتمعا لحق اثنين.
-
قالوا: المهر يجب لإتلاف حقها، والحد بفعل منهي عنه لحق الله تعالى،
-
فإذا أكرهها فقد فعل ما حظر الله تعالى، وأتلف حقها فاجتمع الواجبان الجزاء والقيمة.
-
[قلنا: هذا يبطل بالمطاوعة على ما أمرها، وقد تكلمنا على الجزاء والقيمة] .
-
قالوا: كل حكم تعلق بفعل محظور اعتبر ثبوته [ورضا] المتلف عليه، بدلالة من بذل لغيره فقطع يده فالقطع محظور ولا ضمان.
-
ولو أكرهه على قطعها فالفعل محظور ويجب الضمان، واختلف الحكم باختلاف المتلف عليه.
-
قلنا: إذا وطئها بنكاح فاسد مكرهة أو (باذلة) فلها المهر.
-
وإن اختلفت صفتها [كذلك لا يمنع أن يسقط المهر في المطاوعة وإن اختلف صفتها] .