مسألة ٩١٨
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٠٬٣٦٤ إلى ٣٠٬٤٣٨
-
١/٣٨٠٨١/٣٨٠٨
حكم هبة المشاع الذي ينقسم
-
قال أصحابنا: هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا يملك بها حتى تقسم ويقبض.
-
وقال الشافعي: الهبة جائزة،
-
فإن كان الشريك غير الواهب قيل للشريك: ترضى أن يقسم الموهوب له الجميع نصفه، ونصفه وديعة؟
-
فإن رضي بذلك سلم إليه الكل،
-
وإن لم يرض قيل للموهوب له: ترضى أن توكل الشريك ليأخذه كله ونصفه له؟
-
فإن رضي وإلا نصب القاضي من يقبض الكل نصفه هبة، ونصفه قبض أمانة للشريك.
-
لنا: ما روى مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا
-
١/٣٨٠٩١/٣٨٠٩
بكر نحلها جداد عشرين وسقا.
-
من ماله بالغابة فلما مرض قال: يا بنية ما أحد إلي غنا بك ولا أعز علي فقدا منك، وقد كنت نحلتك جداد عشرين وسقا، وودت أنك حزتيه وقبضتيه، وهو اليوم مال الوارث [أخواك وأختاك] .
-
وذكر الطحاوي هذا الخبر عن ابن وهب عن مالك وفيه:
-
فلو كنت حزتيه، جددتيه واحتزارتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث.
-
فاعتبر الحيازة والقبض، وليس يعتبر في الهبة مع حيازة إلا القسمة.
-
١/٣٨١٠١/٣٨١٠
وقال في اللفظ الثاني: جددتيه فاعتبر الجد ليزول اتصاله بملك الواهب والإبضاع موجود في المشاع، وهذه وصية أبي بكر ظاهرة بين الصحابة لم يخالف فيها أحد.
-
فإن قيل: هبة أبي بكر للمشاع تدل على الجواز.
-
قلنا: ألعقد عندنا جائز وإذا قسم قبل حكم ذلك العقد لزم وليس الخلاف في جواز العقد، وإنما الخلاف في وقوع الملك.
-
وروي عن عمر أنه قال: ما بال أقوام ينحلون أولادهم نحلا لا يحوزونها ولا يقسمونها فيقول أحدهما: إن مت فهو له،
-
وإن مات رجع إلي، وأيم الله لا ينحل أحدكم ولده نحلا لا يحوزها،
-
ولا يقسمها إلا جعلناها ميراثا عنه.
-
وقال معمر: سألت الزهري عن رجل وهب لابنه مائة دينار،
-
١/٣٨١١١/٣٨١١
والابن شريك معه في ذلك المال فقال: لا يجوز ما لم يحز قضى بذلك أبو بكر وعمر.
-
ولا يجوز حمل الحيازة على القبض؛ لأن الحيازة إذا ذكرت في المشترى وهب القسمة، ولأنه وهب لا يتميز من غيره فيما يتميز، فوجب أن لا يصح، كما لو وهب أحد عبدين على أن يأخذ الموهوب له أيهما شاء.
-
ولأنه وهب غير محوز فيما تتأتى حيازته،
-
فلا يصح هبته كاللبن في الضرع، والصوف على ظهر الشاة.
-
فإن قيل: المعنى في اللبن أنه ليس بمرئ بطل بالصوف،
-
وأن المعنى في اللبن أنه يجوز بيعه فجازت هبته.
-
قلنا: بموجبه أن الهبة عندنا جائزة،
-
وإن قالوا: يلزمه بيعه فيلزم هبته لم يصح.
-
لأن الهبة لا تلزم بما يلزم به البيع ألا ترى أن البيع يلزم بالعقد، والهبة لا تلزم به.
-
ولأنه نوع تبرع بالمال حال إظهاره من غير إتلاف، فجاز أن تؤثر فيه الإشاعة كالمسجد.
-
ولأن الهبة لو صحت في المشاع للعمل بالقسمة أوجبت على الواهب ضمان المقاسمة، والهبة لا توجب الضمان على الواهب بدلالة أنها لو استحقت
-
١/٣٨١٢١/٣٨١٢
فضمن الموهوب له لم يرجع ولهذا لا تلزم الهبة بالعقد.
-
ولأنها لو لزمت أوجبت ضمان التسليم، وعكس هذا البيع لما أوجب ضمان التسليم صح في المشاع، وجاز أن يوجب ضمان القسمة، يبين ذلك أن العقد قد يوجب ضمان [القسمة، وهو بيع المشاع الذي لا يحتمل القسمة، والهبة التي لا توجب ضمان] التسليم أولى أن لا توجب ضمان القسمة.
-
فإن قيل: هذا المشاع فيما لا يحتمل القسمة [يجوز عندكم] ،
-
ويجب فيها المهايأة، فإذا جاز أن توجب الهبة ضمان المهايأة جاز أن توجب ضمان القسمة.
-
قلنا: المهايأة قسمة المنافع، والمنافع ما ملكت بالهبة، وإنما ملكت بملك الأصل، فلم تكن الهبة موجبة للضمان فيما وهب.
-
أما الهبة فيما يقسم فالمملوك بها العين، والضمان يجب بقسمة العين فثبت الضمان في العين التي حصل فيها الشيوع.
-
فإن قيل: ضمان القسمة لا يجب بالهبة، وإنما يجب بملك الموهوب.
-
قلنا: [ملك الموهوب] يحصل بالتسليم، وهو متبرع بالتسليم، فلم يجز أن يلزمه ضمان فيما تبرع به لأجل تبرعه.
-
ولا يلزم إذا استردت العين الموهوبة بعد تقبيضها؛ لأنه لا يضمن
-
١/٣٨١٣١/٣٨١٣
لأجل تبرعه لكنه يضمن على ملك الموهوب، وذلك لا يتعلق بتبرعه.
-
ولا يلزم على هذه الصفة الوصية بالمشاع، لأنها لا توجب الضمان على الموصي، وإنما توجب ضمان القسمة على الوارث كما توجب عليه ضمان التسليم.
-
فإن قيل: هذه العلة لا توجد في هبة المشاع من الشريك.
-
قلنا: لا تجوز الهبة هناك لعلة أخرى، وقد يتفق الحكم مع اختلاف العلل.
-
احتجوا: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى سراويلا فقال للوازن: زن وأرجح. فالرجحان هبة مجردة عن الثمن وهو مشاع.
-
والجواب: أنه إنما أمر بالرجحان الذي يتيقن معه الإيفاء، وليس ذلك بهبة؛ ولأن الرجحان إذا كان مما لا يدخل بين الموازين فهو زيادة في الثمن عندنا وليس بهبة، والزيادة لا تؤثر فيها الإشاعة.
-
فإن قيل: هذا يوجب جهالة الثمن.
-
قلنا: الحق حاله لا يؤثر في الثمن المعين،
-
قالوا: روي عن عمير بن سلمة الضميري أنه قال: بينما نسير مع
-
١/٣٨١٤١/٣٨١٤
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالروحاء إذا حمار وحشي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوه فإنه يوشك صاحبه أن يأتيه فجاءه رجل من بهز. فقال: هذه رمتي هي لكم.
-
وروي أنه قال: شأنكم بها فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فقسمه بين الرفاق، وهذه هبة مشاعة.
-
والجواب: أنه يحتمل [أن يكون] الحمار لم يمت عند الهبة فيكون هبة مشاع فيما لا يحتمل القسمة، و [يجوز] عندنا أن الهزي قال: هي لك يا رسول الله، فهذه هبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي وهبها [وأمر أبا بكر فقسمها فجازت بتسليم الأقسام إليها من غير مشاع.
-
ولأن عندنا هبة المشاع جائزة، والملك فيها موقوف على القسمة، وجواز الإشاعة]، وقد قسمه أبو بكر فزالت الإشاعة، ووقع الملك من غير مشاع.
-
ولأن العادة من تسليم المأكول أنه إباحة، فقوله: هي لكم أكلها إباحة والإباحة لا تؤثر فيها الإشاعة.
-
[قالوا: كيف] يجوز أن يقسم المباح؟.
-
قلنا: إنما لا يجوز قسمة التمليك فإذا أفرد ولكل فريق ترضى بأكله
-
١/٣٨١٥١/٣٨١٥
فذلك غير ممتنع، ويأكل كل منهم ما أفرد له على حكم المبيح، وإنما الممتنع عليه قسمة التمليك.
-
قالوا: روي أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبة من شعر فقال: إني أخذت هذه من الغنم لأخيط بها برذعتي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أما نصيبي، ونصيب بني هاشم فهو لك، وشأنك في الباقي) وهذه هبة مشاع.
-
قلنا: الغنائم لا تملك عندنا قبل القسمة، وقوله: نصيبي لك إسقاط للحق وذلك يجوز في المشاع.
-
قالوا: كل عقد صح فيما لا يقسم، صح فيما يقسم كالبيع.
-
قلنا: المعنى في البيع أنه يجوز أن يوجب ضمان التسليم فجاز، أن يوجب الضمان بالقسمة، والهبة إنما توجب ضمان التسليم، فلم يجز أن تقع على وجه يوجب الضمان بالقسمة.
-
قالوا: ما جاز بيعه جازت هبته كالمقسوم [ولا يقف] .
-
١/٣٨١٦١/٣٨١٦
قلنا: المقسوم لا يقف قبضه على قبض ما لم يوهب، فصحت هبته، [والمشاع لا يمكن قبضه] إلا بقبض ما لم يوهب على وجه يمكن إزالته، فلم تصح هبته كهبة اللبن في الضرع، وهبة عبد من عبدين.
-
قالوا: كل عين [جازت هبتها جاز] هبة بعضها أصله: ما لم يقسم.
-
قلنا: نقول بموجبه؛ لأن عندنا يجوز هبة بعضها فجاز ذلك للحاجة، وما يقسم يمكن إزالة المشاع فيه بالقسمة ثم يسلمه تسليما صحيحا، فلذلك لن تصح معه الإشاعة.
-
فإن قيل: القبض يصح في المشاع كما يصح في المقسوم بدلالة قبض المبيع.
-
قلنا: البيع يقع الملك بالعقد، والقبض يحتاج إليه [لنقل الضمان فيصح في المشاع والمقسوم وأما الهبة فبعضها تحتاج إليه] لصحة الملك فيقف على القبض، والحيازة فيما يمكن حيازته بدلالة أن من اشترى طعاما مكايلة لم يجز بيعه،
-
وإن قبضه حتى يكتاله فيحصل مع القبض حيازة.
-
فإن قيل: لو أثرت الإشاعة في قبض الهبة استوى ما يقسم وما لا يقسم كالرهن.
-
١/٣٨١٧١/٣٨١٧
قلنا: قد بينا أن الحاجة داعية إلى هبة المشاع فيما لا يقسم،
-
ولا يمكن إزالته، ولا ضرورة في الرهن؛ لأنه يقدر أن يستعير ملك شريكه [ويرهن الجميع فالأصل هبة مالك الشريك] فلذلك افترقا.
-
قالوا: لو وهب اثنان من واحد [فجاز كل واحد] وهبه مشاعا.
-
قلنا: إن نفرق القبض لم يجز،
-
وإن قبض النصيبين معا فقد حصل قبضه، منفعة المشاع فالمنفعة عندنا زوال الإشاعة في القبض،
-
وإن عدمت في العقد ولو وهب نصف دار ثم وهب النصف الآخر ثم أقبضه جاز لزوال الإشاعة عن القبض وإن وجدت في العقد.