مسألة ٣٧٣
التجريدالحنفيةالمسائل ١١٬١٥١ إلى ١١٬٢٤٤
-
١/١٤٧٦١/١٤٧٦
إذا جامع الرجل امرأته في رمضان خطأ
-
أو عمدا فعلى كل واحد منهما كفارة
-
قال أصحابنا: إذا جامع الرجل امرأته في رمضان خطأ أو عمدا، فعلى كل واحد منعما [كفارة تجب بحسب حال.
-
وهو قول الشافعي في الإملاء. وقال في القديم والجديد]: كفارة واحدة يخرجها الزوج. وعلى من وجبت؛ فيه وجهان.
-
أحدهما: توجب عليهما، على كل واحد جميعها ويحملها الزوج.
-
والثاني: وجبت عليه وحده دونها. فعلى القول بقوله: وجبت عليهما، إن كان من أهل العتق أعتق الزوج رقبة واحدة فجازت عنهما،
-
وإن كان من أهل الصوم صام كل واحد منهما شهرين،
-
وإن كان من أهل الإطعام أطعم الزوج ستين مسكينا،
-
١/١٤٧٧١/١٤٧٧
فجاز عنهما. وإن اختلف حالهما:
-
فإن كانت حال الزوج أعلى، بأن يكون من أهل العتق وهي حرة من أهل الصوم، أعتق رقبة، فجازت عنهما.
-
وإن كانت أمة اعتق عن نفسه وصامت عن نفسها.
-
وإن كان من أهل الصيام وهي من أهل الإطعام، صام عن نفسه وأطعم عنها.
-
وإن كان من أهل العتق وهي من أهل الإطعام أعتق، ويسقط عنها الإطعام.
-
وإن كان الزوج من أهل الصوم وهي من أهل الإطعام أطعم عن نفسه، والعتق عنها في ذمتها.
-
والكلام في هذه المسألة يقع في فصلين في وجوب الكفارة عليها،
-
ثم في التحمل. والذي يدل على وجوب الكفارة عليها قوله عليه [الصلاة و] السلام: (من أفطر رمضان فعليه ما على الظاهر) ومن يجمع كل عاقل.
-
قالوا: المظاهر يجب على الاستغفار، وإنما يجب الكفارة بالعود.
-
قلنا: الاستغفار لا يختص بالمظاهر، وإنما يختص به الكفارة. ولأنه لا يلزم المظاهر الاستغفار إذا سبق الظهار على لسانه.
-
فأن قيل: عندكم الكفارة وجبت عليه بالظهار، وإنما لا يستقر؛ لأن كل كفارة وجبت على الزوج جاز أن يجب على المرأة، ككفارة القتل واليمين.
-
ولا يلزم كفارة الظهار؛ لأنها تلزم الحرة بالفطر؛ لأنها عتق وصوم شهرين، وهذا يلومها.
-
ولأنه حكم معلق بالجماع يسقط الشبهة، فجاز أن يجب على المرأة كالحد. ولأنها أفسدت صوم الشهر بالجماع من غير شبهة، كالرجل. ولأن كل من لزمه الحد بالزنا جاز أن يلزمه الكفارة بالعتق من الجماع، كالرجل. ولأنها عقوبة تتعلق
-
١/١٤٧٨١/١٤٧٨
بوطء مخصوص، فجاز أن تجب على المرأة، كالحد؛ ولأن كل معنى يجب بالإفطار على الرجل جاز أن يتعلق به على المرأة، كالقضاء.
-
ولا يجوز أن يقولوا بموجب هذه العلة في المجامع النائم والزانية؛ لأنا أبطلنا أحد القولين، وإنما يجب على الزانية، والمقصودة بالجماع على القول الآخر.
-
فأما على هذا القول فلا شيء عليهما.
-
فإن قالوا: تنتقض علتكم بالوطء في اليوم الثاني.
-
قلنا: عللنا لجواز وجوب على المرأة في الجملة لا للأحوال؛ ولأن عندنا تجب بالوطء الثاني كفارة، ثم تسقط بالتداخل.
-
ولا يقال: المعنى في الحد أنه عقوبة على البدن يلزم كل واحد منهما [والكفارة حق مال فاختصت بالرجال، كالمهر؛ لأن مخالفنا على هذا القول يسوي بين الصوم والعتق في أن كل واحد] منهما لا يجب على المرأة،
-
وإن كان أحدهما حق مال [والآخر حق بدن.
-
ويبطل هذه الفرقة إذا اشتركا في القتل أن الكفارة تجب على كل واحد منهما وإن كانت حق مال] .
-
فإن قيل: فعل المرأة في الوطء تابع لفعل الرجل، ولهذا لو دعت العاقلة مجنونا إلى نفسها لم يجب عليها الحد، فجاز أن تتعلق الكفارة بالفعل المسفوح، ولا تتعلق بالتبع.
-
قلنا: إذا جاز أن تتعلق بفعلها الكفارة وإن كان تبعا.
-
قالوا: القليل ليس له تعلق بالنكاح، فلهذا وجبت كفارته عليها، والوطء يتعلق بالنكاح فما يتعلق به يجب على الزوج، كالمهر.
-
قلنا: الكفارة تجب بهتك حرمة الشهر لا بالوطء؛ لأن عندهم على هذا القول: الزانية لا كفارة عليها، وليس لوطئها تعلق بالنكاح.
-
١/١٤٧٩١/١٤٧٩
وإذا ثبت أن الكفارة وجبت عليها، قلنا: العتق أحد نوعي الكفارة، فلم يتحملها الزوج، كالصوم.
-
ولا يقال: إن الصوم حق بدن، فلذلك لم يتحملها، والعتق حق مال فجاز أن يتحمله، لأنه يبطل بكفارة القتل لا يحمل عنها العتق ولا الصوم وإن اختلفا. ولأن من لزمته الكفارة لم يلزم غيره أن يتحملها عنه، كالزوج المجنون، والعبد.
-
وإذا كان مفطرا فقربته وزعمت أنها طهرت من حيضها؛ ولأن ما لزم المرأة بالوطء لا يتحمله الزوج عنها كالحد والقتل؛ ولأن بينهما عقدا فلا يتحمل عنها الكفارة، كعقد الإجارة.
-
فإن قيل: الإجارة لا يتحمل بها النفقة.
-
قلنا: وكذلك النكاح لا يتحمل به النفقة وإنما يجب عليه الابتداء. ولأن عندنا الإجارة يتحمل بها النفقة إذا استأجر ظئرا بطعامها.
-
احتجوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الأعرابي بعتق رقبة واحدة.
-
وقد ذكر له إفطاره وإفطارها؛ لأنه قال: (هلكت وأهلكت) ، فدل أن الواجب رقبة واحدة؛ لأن الحكم المنقول مع السبب يتعلق به كما يتعلق
-
١/١٤٨٠١/١٤٨٠
بالعلة، فلا يجوز أن يزداد في السبب ولا في الحكم.
-
الجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - / لما أوجب الكفارة على الرجل بالجماع، كان ذلك بيانا لحكمها ولحكم كل مجامع،
-
فلا يحتاج إلى إفرادها بالذكر.
-
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب عليه الكفارة؛ لأنه جامع، والمرأة ما جامعت وإنما كانت محللا للفعل، يقال: جومعت، كما يقال: ضربت والفاعل ضارب.
-
قلنا: جامع فاعل، وهذا يقتضي الاشتراك في الفعل، يقال جامعت وجامع ولولا ذلك لم يكن مفاعلة، وهذا كالمقاتلة والمخاصمة بينهما.
-
فأما إذا قيل: شرب، فالضرب لا يقتضي الاشتراك، فلذلك اختص به أحدهما.
-
قالوا: البيان من جهة السببية يكون لأهل الاجتهاد،
-
فأما العامة فلا تفهم السببية.
-
قلنا: ذكر الحكم مع سببه بيان للعامة والخاصة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (الخراج بالضمان) . (وفي حريسة الجبل غرامة مثلها) .
-
١/١٤٨١١/١٤٨١
فإن قيل: أليس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الحد على الزاني في قصة العسيف ثم بين حكمها؟
-
قلنا: اختلف حكمها فلم يكن بيانه في الواطئ بيانا لحكمها.
-
وجواب آخر: أن الأعرابي سأل عن حكم نفسه، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ولم يبين حكمها؛ لأنها لم تسأل عن ذلك، وتأخير البيان عما لم يسأل عنه يجزيه.
-
فإن قيل: الأعرابي سأل عن حكم الحادثة.
-
قلنا: بل سأله عما يتخلص به من المأثم، ولم يقصد تعلم الأحكام، ولهذا لم يبين له حكم القضاء.
-
فإن قيل: قد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة العسيف حكم المرأة وإن لم يسأل عنه.
-
قلنا: ليس بممتنع أن يبين مع عدم الحاجة إلا أنه لا يلزم ذلك، فقد يفعله وقد يتركه.
-
وجوب آخر: هو أن ظاهر كلامه يدل على أنه اكرهها على الجماع؛ لأنه قال: (أهلكت) ،
-
فلو طاوعت لكانت مهلكة لنفسها ولم يكن هو المهلك لها، فلذلك لم يبين حكم كفارتها.
-
١/١٤٨٢١/١٤٨٢
فإن قيل: إذا أكرهها فلا مأثم عليها،
-
فلا يكون مهلكا، وإنما قال: أهلكتها وإن طاوعته، بأنه السبب في هلاكها.
-
قلنا: إذا أكرهها توا بها، فقال: أهلكتها لهذا المعنى وإن لم يجب عليها مأثم. وجواب آخر: وهو أن الأعرابي أقر على نفسه بمعصية وعليها، فلم يصدقه عليه [الصلاة و] السلام عليها حتى يلزمه بيان حكمها.
-
ألا ترى: أنه يجوز أن تكون مريضة، أو حائضا، أو مسافرة.
-
فإن قيل: أليس في قصة العسيف قد أقر على نفسه بالزنا وعليها، فبين حكمها وصدقه عليها في المعصية؟
-
قلنا: ما صدقه عليها؛ لأنه أوقف الحد على اعترافها، وسأل عن ذلك لأنه الخصم في إقامة الحد فأنفذ إليها ثبوت حقه، وهذا لا يوجد في الكفارة.
-
قالوا: مال يختص وجوبه بالوطء، فوجب على الواطئ دون الموطوءة قياسا على مهر المثل.
-
قلنا: لا نسلم الوصف في الفرع ولا في الأصل؛ لأن مهر المثل يجب عندنا بالعقد تارة، وبالوطء أخرى، والكفارة تجب هتك حرمة الشهر، فتارة بالوطء، وتارة بالأكل.
-
قالوا: المعنى أنه لا يجب بما دون الوطء من الاستمتاع.
-
قلنا: إذا كانت تجب بالوطء وغيره ولا تجب بكل استمتاع لم يوصف باختصاصها بالوطء، ألا ترى: أن ما تعلق بكل واحد من الأمرين لم يوصف أنه يختص بأحدهما؛ لأنه لا يتعلق بمعنى ثالث،
-
وإن أرادوا أن الوطء سبب في وجوب المال بطل بكفارة اليمين إذا حلف [لا يقربها، وحلفت هي على
-
١/١٤٨٣١/١٤٨٣
ذلك فوطئها، فوجب على كل واحد منهما كفارة]،
-
فأما المهر: فإنه يجب بدلا عن منافعها، فيستحيل أن يجب عليها، والكفارة تجب بحق الله تعالى بسبب معصية اشتركا فيها، فيصح أن تجب على كل واحد منهما.
-
فإن قيل: قد حصل لها الاستمتاع به كما حصل له الاستمتاع بها،
-
ثم اختص هو بوجوب المهر.
-
قلنا: لأن منافع الزوج غير مقومة في الوطء، فلم يضمن قيمة ما ليس بمقوم ومنافعها مقومة فلذلك ضمنها وإن اشتركا في الاستمتاع.
-
قالوا: الوطء يتعلق به حق البدن، وهو الحد، وحق مال، وهو الكفارة، فوقع التحمل في حق مال دون حق البدن، كالحد، والمهر، والنفقة.
-
قلنا: قد بينا أن الكفارة لا تتعلق بالوطء وإنما تتعلق بحرمة الشهر وإن كان الوطء سببا فيها، كما هو سبب في كفارة اليمين،
-
فأما المهر، فلا يقال: إنه عمله، وإنما هو عوض ووجب لها،
-
وأما النفقة فلا تلزمه على طريق التحمل، وإنما تجب عندهم عوضا عن الاستمتاع.
-
فلا يقال: أنه تحملها.
-
قالوا: موطوءة فلم تجب عليها الكفارة كالوطء في الموضع المكروه.
-
وإذا وطئت في يوم ردت شهادتها برؤية الهلال، أو وطئت دفعة ثانية ولم يكفر عن الأولى.
-
قلنا: الوطء في الموضع المكروه غير مسلم على إحدى الروايتين؛ لأن عليها الكفارة، وعلى الرواية الأخرى: وطء لا يتعلق به ضمان مهر بحال كالوطء فيما دون الفرج.
-
وأما إذا وطئت في اليوم الثاني فالكفارة تجب عندنا،
-
ثم تتداخل وإذا وطئها بعد رد شهادتها، فلأنه وطء في يوم مختف في جواز صومه أو وطء في يوم لزمها في نفسها خاصة.
-
١/١٤٨٤١/١٤٨٤
قالوا: كفارة فيها صوم له بدل فوجب أن يختص به الزوج، ككفارة الظهار.
-
قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأنه روي عن أبي يوسف أن المرأة لو ظاهرت من زوجها وجبت عليها كفارة الظهار، وليس عن أبي حنيفة خلافه.
-
ثم المعنى: إذا ظاهر أن المعصية التي تعلقت الكفارة بها وجدت منه خاصة،
-
ثم شارك فيها فاختص بكفارتها.
-
وفي مسألتنا: المعصية التي أوجبت الكفارة اشترك فيها، وهو هتك حرمة الشهر بالجماع.
-
فإن قيل: الظهار لا يصح إلا من مظاهر منها، كما أن الجماع لا يصح إلا من مجامعة.
-
قلنا: ولكن هل محل للتحريم في الظهار غير فاعلة لشيء و [هي] في مسألتنا مشاركة في الفعل الذي هو الجماع، كما بينا.
-
قالوا: تكفير تعلق بوطء أفسد صوم الواطئين فوجب أن يختص به الزوج أصله: إذا وطئها في يوم ولم تكفر هي،
-
ثم وطئها في اليوم الثاني.
-
قلنا: وجب عليها بهذا الوطء كفارة ثم تداخلت الأولى في الوجوب، ولهذا لو سقطت الأولى بشبهة وجبت الثانية. ولأن الفعل المتكرر إذا لم يوجب حكما لا يدل أن الأولى فيه لا يوجب ذلك الحكم، كالحدث بعد الحدث، والزنا بعد الزنا، والقذف بعد القذف.