حد الزاني البكر
التجريدالحنفيةالمسائل ٤٥٬٤١٧ إلى ٤٥٬٤٨٧
-
١/٥٨٦٩١/٥٨٦٩
قال أصحابنا: إذا زنا البكر فحده الجلد، والتغريب ليس بحد،
-
فإن رأى ذلك الإمام مصلحة فعله على وجه التعزيز.
-
وقال الشافعي: هي سنة حد البكر مع الجلد يستوي فيه الرجل والمرأة. ولهم في المملوكة قولان.
-
لنا: قوله تعالى: {الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} . ظاهر الآية أنه جميع الحد الواجب عليهما.
-
فمن قال إنه بعض الحد فقد خالف الظاهر.
-
فإن قيل: لا يمنع أن يبين بعض الحد ويكل الباقي إلى بيان، كما قال:
-
١/٥٨٧٠١/٥٨٧٠
{ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم} ولم يبين القصاص، وكما ذكر قطع السارق ووكل بيان القدر والحرز إلى السنة.
-
قلنا: الظاهر في جميع هذا أنه بيان جملة الواجب لولا قيام الدليل.
-
ولأنه لم يذكر القصاص لأنه عم قتل العمد وذكر الحكم المتعلق بعمومه.
-
وأما القصاص والضمان فيختص ببعضه دون بعض فلذلك لم يذكره،
-
وأما السارق فقد بين فيه جميع الحد وإنما لم يبين الشرائط كما لم يبين صفة الضرب في مسألتنا ولا قدر مسافة التغريب.
-
ووجه ثان من الآية: وهو أن إيجاب التعزيز حد يوجب تعيين الحكم المذكور في الآية ويجعله بعض الحد وذلك نسخ عندنا. ونسخ القرآن لا يجوز إلا بما يجوز إثبات القرآن به وعند مخالفنا لا يجوز نسخ القرآن.
-
فإن قيل: هذا ليس بنسخ لأنه لو ضم إليه في الإيجاب صح، والنسخ بعض ما ينافي الحكم.
-
قلنا: ضم التغريب بعد استقرار وجوب [الحد] ينافي الحكم، لما بينا أنه يجعل الجلد بعض الحد. والحد كان جميعه فلو وردا معًا لم يتنافيا لأنه حكم واحد،
-
فإذا استقر أحدهما ثم ورد الآخر غيب حكمه وكان نسخًا؛ ويدل عليه: ما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني: أنه [- صلى الله عليه وسلم -] سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. فقال (إن زنت فاجلدوها،
-
ثم إن زنت فاجلدوها،
-
ثم بيعوها ولو بضفير) فأمر بجلد الأمة ولم يأمر بتغريبها.
-
فإن زعموا أنها لا تغرب دل ذلك على أن التغريب ليس بحد في الحرة، لأن الله تعالى أو جب على الأمة نصف حد الحرة المتبعض كقوله تعالى {فعلهن نصف ما على المحصنات من العذاب} .
-
فإن قال: أنها تنفي بعض سنة أو نصفها، فالخبر يبطل قوله.
-
١/٥٨٧١١/٥٨٧١
فإن قيل: إنا تنفي الجلد الذي كان المولى لا يملكه، وسكت عن التغريب لأن المولى يملكه قبل ذلك.
-
قلنا: المولى لا يملكه قبل ذلك حدًا كما كان يملك الحد تأديبًا فيبينه له حدًا.
-
فلو كان التغريب حدًا لبينه.
-
ولأنه نوع زنا فلا يجمع به عقوبتان في جنس على وجه الحد كزنا الثيب. ولأنه حد واجب فلا يجمع فيه بين التغريب والجلد على وجه الحد كحد القذف. أو نقول فلا يجمع فيه بين التغريب وعقوبة أخرى على وجه الحد كالقطع.
-
وقد دل على الأصلين ظاهر القرآن، وجلد عمر بن الخطاب في قصة المغيرة الشهود ولم ينفهم.
-
فإن قيل: سائر الحدود لم يشرع فيها النفي.
-
قلنا: لم نسلم ذلك بل يجوز للإمام أن ينفي في جميعها على وجه التعزيز إذا رأى ذلك.
-
فإن قيل: الزنا أغلظ من سائر الحدود.
-
قلنا: قطع الطريق أغلظ ولا يجتمع التغريب مع عقوبة أخرى. وزنا الثيب أغلظ من البكر ولم يوجد ضم إلى الرجم. ولأن ما يثبت بنفسه في قاطع الطريق عقوبة لم يضم إلى الجلد في الزنا على طريق الحد كالقطع.
-
احتج المخالف: بحديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب الجلد والرجم) .
-
والجواب: أن هذا الخبر متقدم على الآية. لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (خذوا عني) .
-
ولو كانت الآية نزلت: لقال: خذوا عن القرآن. ولأن الخبر بيان للسبيل المذكور في قوله {أو يجعل الله لهن سبيلاً} فدل على أنه لم يتقدم هذا البيان إلا ما ذكر في سورة النساء من قوله: {فأمسكوهن في البيوت} .
-
١/٥٨٧٢١/٥٨٧٢
وإذا تقدم على الآية صارت ناسخة [الخبر] . والذي يبين أنها من أول ما نزلت. لأنه ذكر في حد الثيب الجلد مع الرجم وذلك منسوخ باتفاق. ولأن الخبر إن تقدم الآية نسخته.
-
وإن تأخر عنها نسخها كما بينا.
-
ولو ورد معها لوجب أن ينقل كنقلها.
-
احتجوا: بما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني: أن رجلاً اختصم هو وآخر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله. واقض بيننا بكتاب الله.
-
وائذن لي أن أتكلم. فقال: تكلم. فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنا بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم. فافتديته منه بمائة شاة وبجارية لي.
-
ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني: أن على ابني جلد مائة وتغريب عام.
-
وأن الرجم على امرأته. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. أما غنمك وجاريتك فرد إليك) . وجلد ابنه مائة وغربه عامًا. وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها. فاعترفت فرجمها.
-
قلنا: هذا حكم على خبر عبادة. وقد بينا أن الآية تأخرت عنه.
-
فإن قيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لأحكمن بكتاب الله) .
-
قلنا: المراد بكتاب الله حكمه. بدلالة أن التغريب ليس في كتاب الله. ولأن نفيه يحتمل أن يكون على وجه الحد. ويحتمل أن يكون على طريق التعزيز. وهذا لا نمنع منه.
-
فإن قيل: ظاهر الخبر يقتضي أن التغريب متعلق بالزنى.
-
١/٥٨٧٣١/٥٨٧٣
قلنا: كذلك نقول إذا رأى الإمام ذلك تعلق بالزنا لا برأي الإمام.
-
قالوا: [أبو بكر] جلد وغرب إلى فدك.
-
وكذلك عمر. وروى أن عثمان جلد وغرب إلى مصر. وروي أن عليًا غرب من الكوفة إلى البصرة.
-
قلنا: فعلوا ذلك على طريق التعزيز. كما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - نفى هيت المخنث ونفي عمر بن الخطاب نصر بن حجاج. لأن امرأة شببت بذكره لما رأى في ذلك من المصلحة وهي الفساد.
-
يبين ذلك أن الحد لم يتناول النفي مقصودها. والمقصود من النفي قدر المسافة. وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام بعد الضرب في التأديب. على أن عمر بن الخطاب نفى في الخمر ربيعة بن أمية بن خلف إلى خبير فلحق بهرقل. فلما بلغ ذلك عمر.
-
قال: [لا أغرب] بعدها أحدًا.
-
ولو كان التغريب حدًا لم يجز تركه.
-
١/٥٨٧٤١/٥٨٧٤
وقوله: إن هذا رجوع عن التغريب في الشارب لا يصح بل هو عموم في جميع الناس. وروى أبو حنيفة بإسناده في الآثار عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: النفي من السنة. وروي أنه قال: كفى بالنفي فتنة وهذا يدل على أنه لا يرى النفي فصار ذلك خلافًا بينهم.
-
فإن قيل: الفتنة عبارة عن العذاب. قال الله تعالى:
-
قلنا: الفتنة حقيقتها قول العرب [العرة التي قد ألبستها كلها حجارة سود كأنها محرقة] وفتنت الذهب في النار وقال: {يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون} قال أبو عبيدة: يحرقون.
-
ومثله {فتنوا المؤمنين} واستعيرت في العذاب وغيره. قال الله تعالى:
-
{وإن كادوا * ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} لستر ربك.
-
وإذا كان الاسم مشتركًا. لم يكن إثبات الإجماع على أن المراد لا يجوز أن يكون العذاب. إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى بيانه وهو معلوم مشاهد. وإنما يميز ما لا تدل المشاهدة عليه. على أن أهل الكوفة رووا عن ابن مسعود الجلد والتغريب.
-
وعن علي أنه قال: هو من الفتنة. وعقلوا من ذلك الخلاف بينهما. وهذا لا يكون إلا المراد بالفتنة. لأنه لا يؤمن أن يخرجه هذا الفعل من الدين. وهذا كقوله تعالى {بأييكم المفتون]. كما روي في وصية عمر الولاة فلا تجمروا الناس فتفتنوهم.
-
أي: تطيلوا تركهم في الثغور فيؤدي ذلك إلى أشد الأمرين بهم فيعصوه.
-
١/٥٨٧٥١/٥٨٧٥
قالوا: عقوبة تعلق بالزنا فكانت حدًا كالجلد.
-
قلنا: لا نسلم أن النفي يتعلق بالزنا. إنما ينفي إذا خيف من الفساد. ولهذا ينفي الشارب والسارق. والمعنى أن المقصود لا يقف على اجتهاد الإمام. ولما كان المقصود من النفي يقف على اجتهاد الإمام لم يكن حدًا.
-
قالوا: عقوبة الزاني ورد بها الشرع فكانت حدًا كالجلد والرجم.
-
قلنا: تبطل برد شهادته والحكم بفسقه وسقوط ولايته.
-
وإن قالوا هنا لا يختص بالزنا.
-
قلنا: كذلك النفي عندنا.
-
قالوا: عقوبة تقدرت على الزاني شرعًا كالجلد.
-
قلنا: لا نسلم ذلك لأن عندنا مدة النفي غير مقدرة بالشرع. وإنما هي موقوفة على رأي الإمام.
-
فإن احتجوا بالخبر فقد بينا الكلام عليه.
-
قالوا: معصية توجب أمرين أعلى وأدنى. فوجب أن يكون مع أدناهما غيرهما كالقتل.
-
قلنا: يبطل بقطع الطريق؛
-
فإن يوجب القتل وما دونه و [لا يضم] إلى غيره. والقذف والشرب معصية. توجب أمرين: الحد الكامل في الحر ونصفه في العبد. وليس يجب في الأدنى غيره. ونعكس فنقول فلا يجب مع الأدنى النفي كالقتل.