مسألة ١٠١٥
التجريدالحنفيةالمسائل ٣٢٬٨٤٣ إلى ٣٢٬٨٩٨
-
١/٤١٨٦١/٤١٨٦
دفع زكاة المال إلى صنف واحد
-
قال أصحابنا: إذا دفع الرجل زكاة ماله إلى صنف واحد جاز والأصناف المذكورة في الآية جهة التصرف وإلى أيها دفع الزكاة جاز.
-
وقال الشافعي: الزكاة حق لجماعتهم فإذا أدى الرجل لم يكن له يد من استيفاء الأصناف فقسم صدقته على سبعة أصناف.
-
لأن العامل يستحق ما لم يعمل ويدفع كل قسم غلى ثلاثة من الأصناف فغن اقتصر على صنف واحد من نصيب الباقين وإن لم يوجد بعض الأصناف فسقط حكمه ووجب أن يقسم الصدقة على بقيتهم.
-
لنا: قوله تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} والحق هو الزكاة وقد أضافه إلى صنفين فدل على انه يجوز دفع جميعه إليهما.
-
ويدل عليه قوله - عليه السلام -: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم واردها في فقرائكم) فأخبر انه مأمور بردها في صنف واحد فقال لمعاذ: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.
-
وهذا يدل على جواز الاقتصار على صنف واحد فإن قيل إنما قصد بها
-
١/٤١٨٧١/٤١٨٧
أن يبين أنه لا حق لهم في الصدقات وإنما هي مردودة في المسلمين.
-
قلنا: بل المقصود منها بيان جهة الاستحقاق وجواز/ الصرف إلى هذا قليل.
-
وروى عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس قالا: (إذا أعطى الرجل صدقة صنفًا واحدًا من الأصناف الثمانية أجزأه) .
-
وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وابن العالية.
-
وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن معاذ بن جبل (أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض والزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس ولا يعرف له مخالف في السلف فصار ذلك إجماعًا) .
-
لا يسع خلافه ذكر هذه الأخبار أبو بكر الرازي في أحكام القرآن.
-
ولأنها صدقة واجبة فجاز صرفها غلى صنف واحد كالكفارة.
-
ولأن من جاز صرف الزكاة عليه جاز صرفها إليه كالأصناف فإن المعنى في الكفارات وجوبها لا يعم فلم يعم تصرفها والزكاة تعم وجوبها فعم صرفها.
-
قلنا: صلاة الجنازة لا يعم وجوبها وصلاة الفرض يعم وجوبها وجهة أدائها واحدة ثم الزكاة يعم وجوبها فلا يجب تعميم الفقراء بها ولكنهم جهة كذلك الأصناف.
-
ولا يجب تعميمهم بها وإن كانوا جهة للأداء.
-
ولأن الإمام يجوز له صرف صدقة الواحد إلى صنف واحد كذلك يجوز لرب المال صرفه إلى من يصرفه الإمام إليه؛ لأنه قائم في التصرف مقامه.
-
١/٤١٨٨١/٤١٨٨
ولأن من جاز للإمام صرف زكاة الواحد عليه جاز للواحد صرفها إليه أصله كأصناف.
-
فإن قيل: الإمام يملك الدفع إلى الجماعة فهو يخص صنفًا واحدًا لصدقة واحدة ثم يصرف إلى الصنف الآخر صدقة أخرى.
-
لأنه يملك القسمة وصاحب المال لا يملك القسمة وهذا كما يملك الإمام قسمة الغنيمة فتفرد الواحد يغير منها.
-
وإن كان الواحد لا يملك أن ينفرد بأحدهما.
-
قلنا: لو كان الإمام يدفع على القسمة لاعتبر فيه التعديل كما يعتبر في الغنيمة ولما لم يعتبر التعديل دل على أن ذلك ليس هو على وجه القسمة.
-
احتجوا بقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} .
-
قالوا: ومتى أضيف ما يملك إلى من يصح أن يملك كانت اللام لذلك كقوله هذه الدار لزيد وعمرو.
-
والجواب: أن اللام في اللغة لا تفيد أكثر من الاختصاص قال الله تعالى: {أن لهم النار} وقال {ولهم عذاب أليم} وقوله: {والطيبات للطيبين} وقد يكون الاختصاص ملكًا وقد يكون غير ملك وعندنا الاختصاص وهو أن في هذه الجهات يختص الصرف فيها ولا يجوز أن يتعداها إلى غيرها.
-
فإن قيل: ظاهر الإضافة الملك بدلالة قولنا هذه الدار لزيد.
-
قلنا: الإقرار محمول على العرف والكلام في مقتضى اللفظ في اللغة وقد بينا أن اللام في اللغة لا تفيد الملك فلا معنى للاستدلال بحكم الإقرار في الشرع وبين ذلك أن الآية لو أفادت ما قال مخالفاً لوجب تعميم كل صنف حين الصدقة.
-
لأن الإضافة إلى جميعهم فلما جاز أن يقتصر على بعض الصنف دون بعض دل على أن الأصناف كما بينا من ثبوت الإضافة لو اقتضت التمليك حتى
-
١/٤١٨٩١/٤١٨٩
تجب التسوية بين الأصناف لوجب أن يستوي بين آحاد كل صنف.
-
فلما جاز أن يفضل بعض الفقراء على بعض كذلك يجوز أن يجعل بعض الأصناف (على بعض) .
-
وأما قولهم: أن الإضافة إذا حصلت فيما يملك إلى من يصح أن يملك أفادت التمليك فهو الدليل عليهم.
-
لأن الإضافة حصلت إلى من لا يحصى وإلى من يوجد من الفقراء إلى قيام الساعة وهؤلاء لا يصح أن يملكوا الصدقة فقد حصلت الإضافة إلى من صح أن يملك فلم تكن للتمليك.
-
كقولنا سرج الدابة وقبض العبد.
-
قالوا: ذكر الله تعالى في الآية الفقراء والمساكين وكل واحد منهما يغني عنهما لأنه لو أوصى للفقراء جاز أن يعطي المساكين فلو كان الذكر ببيان جهة الصرف لاقتصر على أحدهما.
-
قلنا: الفقير اسم عام يتناول المسكين، والعرب تذكر العام فتؤكده بالخاص كقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وكقوله: {وملائكته ورسله وجبريل ومكائيل} فلما كان المسكين أشد فقرًا من الفقير ذكره بعده تأكيدًا له وتنبيهًا على الاهتمام به.
-
قالوا: قال الله تعالى: {فريضة من الله} والفريضة في اللغة: التقدير، وفي الشرع الإيجاب.
-
قلنا: عندنا أن الله تعالى فرض الصدقات وخص بها هذه الأصناف حتى لا يجوز تجاوزهم إلى غيرهم وقدر ذلك لهم حتى لا يسوغ تعديهم فلم يكن لمخالفنا فيه دلالة.
-
قالوا: روى زياد بن الحارث الصدائي قال: (أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
-
١/٤١٩٠١/٤١٩٠
وبايعته فأتاه رجل وقال أعطني من الصدقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره بالصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) .
-
فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - (أن الله تعالى جزأ جميع الصدقات أجزاء) .
-
قلنا: كذلك نقول، والخلاف أن كل جزء منها يجب أن يقسم على تلك الأجزاء أم لا؟ فليس وجب صرف الصدقات إلى الأصناف ما يجب أن يصرف كل جزء منها إلى جميع ذلك كما أن الصدقات يجب أن يستغرق نصيبها الفقراء وأما قوله: (إن كنت منهم أعطيتك حقك) .
-
فهذا يدل أن الواحد من الفقراء أحق
-
وكذلك نقول: إن له حق في جواز الصرف إليه فأما الوجوب فلا يقوله أحد ألا ترى أن رب المال له أن يعدل تركاته عن آحاد الفقراء إلى غيرهم.
-
قالوا: مال مضاف إلى أصناف شرعًا فكانت إضافة استحقاق وتمليك لا محل كالخمس من الفيء والغنيمة.
-
قلنا: لا فرق بينهما لأن الخمس جهة صرف إلى الأصناف بمعنى: الآية لا يجوز أن يصرف إلى غيرهم ولو اقتصر الإمام على جنس منهم جاز كما لو اقتصر على عدد منهم جاز فلم يجز استغراق جميع الخمس فهو كاللام لا فرق بينهما.
-
قالوا: الفقراء صنف من أهل الصدقات فلا يجوز (دفع الزكاة إليه) الزكاة مع القدرة على غيره كالعاملين.
-
قلنا: العاملين يسقط حقهم مع القدرة عليهم.
-
ألا ترى أنهم إذا لم يعملوا أخر أرباب الأموال الصدقة إلى الإمام
-
١/٤١٩١١/٤١٩١
ففرقها لم يستحقوا فلما جاز أن يسقط حقهم مع قيام الوجوب جاز أن يخصوا بها ولأن العامل يستحق جزءًا منها لقيامه مصالح المسلمين فلا يجوز أن يعود تصرفها.
-
قالوا: مال يجعل الأصناف بأوصاف بلفظ يوجب الجمع والتشريك فلا يجوز تخصيص بعضهم به كما لو أوصى بثلث ماله إلى الفقراء والفقهاء والقرابة كفقراء بني هاشم.
-
قلنا: لا يخلو أن يكون كل طائفة من هؤلاء تحصى (ولا تحصى) .
-
فإن كانوا يحصون فالإضافة للتمليك فلا يجوز أن يخصص صنف منهم كما لا يجوز أن يخصص عدد منهم بل يجب استغراق جميعهم وإن كانوا لا يحصون فهو مسألتنا ويجوز أن يقتصر على كل صنف منهم.
-
كما يجوز أن تقتصر على عدد من كل صنف دون سائرهم كما لو قال أوصيت بثلث مالي لعبد لم يجز صرفه غلى غيره.
-
كذلك إذا قال لفقراء الفقهاء وهم لا يحصون لم يجز أن تعمم وجاز أن يقتصر على بعضهم كذلك إذا ذكر أصنافًا لم يجب أن يستغرقهم ويكون فائدة التخصيص في قوله: فقراء الفقهاء أنه لا يتعداهم ثم لا فرق عندنا بين الوصية والزكاة.
-
لأنه إذا قال وصيت بثلث مالي لفقراء الفقهاء وجب صرف جميع الثلث إليهم. كذلك عندنا يجب صرف جميع الصدقات إلى الأصناف والخلاف بيننا في صرف صدقة الواحد فأما جملة الصدقات فتصرف إليهم كالوصية.