فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ١٥٠١

التجريدالحنفيةالمسائل ٤٨٬٥٤٣ إلى ٤٨٬٧٥٢

  1. ١/٦١٩٨١/٦١٩٨

    فتح مكة

  2. قال أصحابنا [رحمهم الله] وجميع أهل السير وفقهاء الأمة: فتحت مكة عنوة.

  3. وقال الشافعي رحمه الله: فتحت صلحا.

  4. فخرج بذلك عن قول علماء الأمة أهل الحجاز والعراق والشام ونقلة السير [إذ لم يرو] قوله عن أحد منهم شاذًا ولا غير شاذ،

  5. ولا تقدمه سلف بهذا القول مع خلافه للقرآن والسير المشهورة.

  6. والدليل على ما قلناه: قوله تعالى: {إذا جآء نصر الله والفتح} .

  7. فمن عليه بذلك وهو أقدر القادرين،

  8. ولا يجوز أن يمن عليه بالصلح؛ لأن المن بالفتح على الآخر في النصرة وذلك هو القهر، أما الصلح فيقع مشتركًا، فليس بأن يقال: إنه فتح على المسلمين. بأولى من أن يقال: إنه فتح على أضدادهم.

  9. فإن قيل: هذه الآية نزلت آخر ما نزل من القرآن وقال: {فسبح بحمد ربك واستغفره} . فدل ذلك على قرب أجله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما فتح هوازن آخر عمره، فالآية في هوازن.

  10. قلنا: قال الله تعالى: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أواجًا} .

  11. وهذا لم يوجد في فتح هوازن، وإنما وجد في فتح مكة؛ لأن قريش أسلمت، فكانت القبيلة بعد القبيلة تسلم، على أن الفعل يغني عن الاستدلال.

  12. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب بأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم، فقال بعضهم: أتأذن لهذا الفتى ومن أبنائنا من هو مثله؟ ! فقال: إنه ممن قد علمتم. فأذن لهم ذات يوم، فأذن لي معهم، فسألهم عن قوله

  13. ١/٦١٩٩١/٦١٩٩

    تعالى: {إذا جآء نصر الله والفتح} .

  14. ولا أراه سألهم إلا من أجلي، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح الله عليه أن يستغفره وأن يتوب إليه. فسألني فقلت: ليست كذلك، ولكن أخبره تعالى بحضور أجله، فقال له: {إذا جآء نصر الله والفتح} فتح مكة. وذكر الحديث.

  15. فقال عمر: كيف تلوموني عليه بعد اليوم؟!. وهذا اتفاق من عمرو ابن عباس أن المراد بالآية فتح مكة. قال قتادة: لم يعش بعد ذلك إلا سنتين.

  16. وعن أبي السائب: {إذا جآء نصر الله} على الأعداء من قريش وغيرهم {والفتح} فتح مكة {ورأيت الناس} يعني: الأحياء {يدخلون في دين الله أفواجًا} يعني جماعات القبيلة بأسرها، وقبل ذلك إنما كان يدخل [الرجل والرجلان والثلاثة ونحو ذلك، فلم يعين الفتح كل معنى على الشهد فيما سمي هو المعمول به] .

  17. [وقيل: ذلك إنما كان يدخل] في موضع بغلبة أو صلح.

  18. قلنا: هذا غلط؛ لأن القادر على كل شيء لا يمن على نبيه بالنصر الذي هو الصلح والمكافأة، وإنما يمن بأعلى الجهات؛ لأنها لا تعجزه ولا تتعذر عليه.

  19. ولأن الفتح في اللغة هو الحكم، ومنه قوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح} . نزلت هذه الآية في دعاء أبي جهل يوم بدر حين قال: اللهم أقطعنا للرحم ومن جاءنا بما لا نعرف. والعرب تقول: حكم عليه. بمعنى: هلك وغلب.

  20. فسقط هذا السؤال. ويدل عليه قوله تعالى:

  21. {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} . فالمراد بهذا أهل مكة، ونكث عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - الذ عقده سهيل بن عمرو حين قاتلوا خزاعة مع بني بكر، وأئمة الكفر، سادة قريش، أبو سفيان، وعكرمة، وسهيل، وأبو سفيان بن الحارث،

  22. ١/٦٢٠٠١/٦٢٠٠

    والحارث بن هشام. ثم قال: {ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول [وهم بدءوكم أول مرة} . ونحن نعلم أن الذين هموا بإخراج الرسول] أهل مكة.

  23. ثم قال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأييديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} . يعني خزاعة، فقد أمره تعالى بقتالهم، وأخبر أنه يعذبهم بأيديهم. قيل في التفسير: بالسيف، {ويخزهم} بالهزيمة. والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - امتثل أمر الله ولم يترك القتال وهو يجد مقاتلًا.

  24. ويجوز أن يراد: تركوا القتال؛ لأن المقاتلة تكون بين اثنين،

  25. فإذا انهزموا لم يكن في أمانهم ترك أمر الله تعالى، والصلح قبل ذلك ترك أمر الله تعالى، وقد قال تعالى: {أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه} .

  26. قيل: معناه: أتخشون قتالهم، فالله أحق أن تخشوه في مخالفة أمره. ويدل على ذلك من جهة السنة ما رواه أبو عبيد في كتاب الأموال قال: ثنا أبو النضر عن سليمان بن المغيرة قال: ثنا ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة أنه قال: يا معشر الأنصار، ألا أعلمكم بحديث.

  27. وذكر فتح مكة، ثم قال: أقبل - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته، فنظر فرآني فقال: (يا أبا هريرة) .

  28. قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: اهتف لي بالأنصار،

  29. ولا [تأتني إلا بالأنصار] . فهتفت بهم، فجاءوا حتى أطافوا به، وقد وبشت قريش أوباشها وأتباعها، فلما أطافت الأنصار برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( [أترون] أوباش قريش وأتباعها،

  30. (ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى:

  31. ١/٦٢٠١١/٦٢٠١

    (احصدوهم حصادًا حتى توافوني على الصفا) . قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يتقل منهم من شاء إلا قتل. فجاء أبو سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله، أبيحت- أو قال: أبيدت- خضراء قريش،

  32. ولا قريش بعد اليوم. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (من أغلق بابه فهو آمن،

  33. ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) . فغلق الناس أبوابهم؛ وهذا حديث متصل الإسناد يبطل قول مخالفنا؛ لأن أبا هريرة أخبر عن يوم دخول مكة،

  34. ولو كان القوم قبلوا ما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بمر الظهران، لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتلهم،

  35. ولا قال أبو سفيان: أبيدت خضراء قريش،

  36. ولا احتاج إلى تجديد أمان بقوله: (من أغلق بابه فهو آمن) . وذكر أبو خضراء قريش،

  37. ولا احتاج إلى تجديد أمان بقوله: (من أغلق بابه فهو آمن) . وذكر أبو عبيدة أيضًا حديث أنس بإسناد متصل نحو هذا الخبر.

  38. وروي أيضًا بإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة: (ألا لا يجهزن على جريح،

  39. ولا يتبعن مدبرًا، ولا يقتلن أسير،

  40. ومن غلق عليه بابه فهو آمن) .

  41. وهذا يدل على أنه دخلها مقاتلًا غالبًا، ولم يدخلها مصالحًا.

  42. ويدل عليه ما روى محمد بن إسحاق قال: حدثني [ابن أبي هند] عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأعلى مكة [فر إلى رجلان] من أحمائي من بني مخزوم، وكانت

  43. ١/٦٢٠٢١/٦٢٠٢

    عنده هبيرة بن أبي وهب المخزومي فدخل علي أخي علي بن أبي طالب وقال: لأقتلهما. فأغلقت عليهما بابًا،

  44. ثم جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعلى مكة، فوجدته يغتسل في جفنة إن فيها أثر العجين وفاطمة بنته تستره بثوب. فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به وصلى من الضحى ثمان ركعات،

  45. ثم انصرف إلي فقال: مرحبًا وأهلًا بأم هانئ، ما جاء بك، فأخبرته بخبر الرجلين وخبر علي فقال: (أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت) . ورواه ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي مرة مولى عقيل عن أخته أم هانئ.

  46. ومعلوم أنه لو كان أمان معقود كسائر أهل مكة، لم تخف على علي وكان لا يقدم على قتلهما، ولكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينكر عليه.

  47. ولكانا لا يحتاجان إلى جوار أم هانئ حتى يقول [النبي - صلى الله عليه وسلم -] : (أجرنا من أجرت) . فلما قال ذلك، علمنا أنه لولا الجوار لكان لعلي قتلهما، وهذا يسقط ما أدعاه مخالفنا من الصلح.

  48. فإن قيل: يجوز أن يكون من بني بكر.

  49. قلنا: في الخبر أنهما من بني مخزوم.

  50. [فإن قيل: يجوز أن يكون قائلًا.

  51. قلنا: إذا سلموا أن قريشًا قاتلت، بطل قبول دعوى الأمان].

  52. فإن قيل: يجوز أن يكونا لم يلقيا سلاحهما.

  53. قلنا: دخول البيت يكفي بانفراده، ويدل عليه ما روي عن عائشة أنها

  54. ١/٦٢٠٣١/٦٢٠٣

    قالت: كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة؛ فإنها فتحت بلا إله إلا الله. وقد روي هذا الخبر عنه - عليه السلام -.

  55. ولأنه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة على هيئة القتال وعبأ الجيوش وفرقهم من طرق، وكان في كتيبته في المهاجرون والأنصار وهم يتكفرون بالحديد، وكان على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - المغفر،

  56. ولو كان دخلها صلحًا لم يحتج إلى ذلك.

  57. فإن قيل: خاف العدو فدخل مستظهرًا، كما أنه في عمرة القضاء اضطبع ورمل، وأمر بذلك إظهار للجلد حتى لا يطمعوا في المسلمين.

  58. قلنا: في أخذ عدة الحرب وهيئة الحرب إشعارًا لعدوه أنه نقض العهد،

  59. ويجوز أن يستظهر بما لا يوهم، كالرمل الذي هو إظهار الجلد وليس فيه ما يوهم النقض. ويدل عليه ما روى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبين بن كعب قال: لما كان يوم أحد، قتل [في الأنصار أربع وستون، أو ستة وستين] من المهاجرين ومثلوا بهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (لئن كان لنا مثل هذا، لنربين عليهم) .

  60. فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنوة، فقال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم. فقال - صلى الله عليه وسلم -: (الأبيض والأسود آمن، إلا مقسم بن صبابة وابن خطل وقينتي فلان) .

  61. فأنزل الله تعالى هذه الآية:

  62. {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} . فقال - صلى الله عليه وسلم -: (نصبر ولا نعاقب) .

  63. وروي في هذا الخبر بإسناد صحيح قال: لما كان يوم فتح مكة، نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد هذا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (كفوا عن آل الله) . فقد قال:

  64. ١/٦٢٠٤١/٦٢٠٤

    إنهم دخلوها عنوة. ثم ذكر أمان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد دخوله،

  65. ولو كان الأمان متقدمًا لم يحتج إلى تكراره.

  66. ثم استثنى النفر المسمين، وما جرى بينه وبين أبي سفيان لم ينقل فيه استثناء،

  67. ولو كان ذلك لا أمان ثم.

  68. وقيل: لم يكن - صلى الله عليه وسلم - أن يستثني منه أحدًا فلما استثنى النفر المسمين، وما جرى بينه وبين أبي سفيان لم ينقل فيه استثناء،

  69. ولو كان ذلك لا أمان ثم.

  70. وقيل: لم يكن - صلى الله عليه وسلم - أن يستثني منه أحدًا فلما استثنى دل على أن الحكم تعلق بأمانه بعد الدخول.

  71. قالوا: قوله: دخلها عنوة. يعني: صلحا، كما قال الشاعر: فما أخذوها عنوة عن مودة [ولكن بحد المشرفي استقالها]

  72. قلنا: هذا غلط على اللغة؛ لأنه يقال: عنا يعنو، إذا ذل وخضع، ومنه قوله تعالى: {وعنت الوجوه للحي القيوم} . يعني: خضعت وذلت. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان) . يعني: أسرى. والعاني: الأسير في اللغة.

  73. والشعر ليس على ما قالوه، وإنما هو:

  74. فما تركوه عنوة عن ملالة ولكن بحد المرهفات إشعالها

  75. ولو كان الشعر ما قالوه على أنه سمى الصلح: عنوة، ولكنه قال: لم يأخذوها عن مودة تقدمت منهم،

  76. ثم صارت عداوة، ولكن العداوة لم تزل. ويحتمل أنهم لم يظهروا المودة،

  77. ثم أخذوها على وجه الخديعة والغدر، وإنما أخذوها مجاهرين بالعداوة.

  78. وذكر الطحاوي بإسناده عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة أنه - عليه السلام - قال له: (يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار) . فنادى: يا معشر الأنصار، أجيبوا رسول الله. فجاءوا كأنما كانو على ميعاد،

  79. ثم قال: اسلكوا هذا الطريق،

  80. ولا تشرفن أحدًا إلا أنمتموه- أي: قتلتموه- وسار - عليه السلام - وفتح مكة عليهم، وما قتل في ذلك اليوم إلا أربعة،

  81. ثم دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأخذ بعضادتي الباب وقال: (ما تقولون [أني صانع؟] قالوا: نقول: أخ وابن أخ حليم رحيم. فقال - عليه السلام -: [(أقول كما قال يوسف] : {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} ) . قال: فخرجوا

  82. ١/٦٢٠٥١/٦٢٠٥

    كما خرجوا من القبور، فدخلوا من الإسلام. وذكر الحديث.

  83. فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دخلوا مكة: (لا تشرفن أحدًا إلا أنمتموه) . يدل على أنه دخل بغير أمان.

  84. وقوله: إن صناديد قريش دخلوا الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم. يدل على أنه لا أمان لهم.

  85. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ماذا تقولون إني صانع) ، يدل أنه يخير،

  86. ولو كان الأمان منعقدًا لقالوا له: وما تقدر أن تصنع، وقد انعقد بيننا الأمان. فكيف ينعقد الأمان وهم يعتقدون أن السيف لا يرف عنهم، مع علمهم أنه أوفى الخلق ذمة وأصدقهم عقدًا وأكرمهم عهدًا.

  87. ويدل عليه حديث سعيد المقبري قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول لعمرو بن سعيد وهو على المنبر حين بعث معنا إلى مكة لقتال ابن الزبير: وما هذا، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن مكة حرام حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنما أحل لي القتال فيها ساعة من النهار، ولعله أن يكون بعدي رجال يستحلون بها القتال،

  88. فمن فعل ذلك فقولوا: إن الله أحلها لرسوله ولم يحلها لك، فليبلغ الشاهد الغائب) . ذكر هذا الخبر الطحاوي في مسألة فتح مكة. فقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه قاتل بمكة، وهذا ضد الصلح.

  89. فإن قيل: إنما كان هذا مع بقائه.

  90. قلنا: فأنتم تدعون الصلح والأمان بقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي سفيان: (من أغلق بابه فهو آمن،

  91. ومن ألقى سلاحه فهو آمن) . وهذا عام في بني بكر وغيرهم.

  92. فإن قيل: قاتل من لم يلق سلاحه ولم يغلق بابه.

  93. ١/٦٢٠٦١/٦٢٠٦

    قلنا: بل قتلت بنو بكر قتلًا عامًا، ولم يعتبر صفاتهم، وهذا أمر ذكره أهل السيرة ولم يختلفوا فيه، ونقلوا شعر الشعراء، فذكر الواقدي لبجير بن زهير بن أبي سلمى أخي كعب بن زهير في دخوله مكة، قال الواقدي وهي بيت:

  94. نفي أهل الحبلق كل فج مزينة غدوة وبني خفاف

  95. صبحناهم بسبع من سليم وألف من بني عثمان واف

  96. نطا أكتافهم ضربًا وطعنًا ورشقًا بالمريشة اللطاف

  97. ترى بين الصفوف لها حفيفًا كما انصاع الفواق من الرصاف

  98. فرحنا والحياد تجول فيهم بأرماح مقومة الثقاف

  99. فأبنا غانمين بما اشتهينا وآبو نادمين على الخلاف

  100. فأعطينا رسول الله فينا مواثقنا على حسن التصاف

  101. أعطونا المعادة يوم قلنا فقالوا يأرزونا للمصاف

  102. وذكر ابن إسحاق أن حماس بن قيس بن خالد أحد بني بكر كان بعد سلاحًا قبل دخوله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أرى أن يقوم لمحمد وأصحابه شيء.

  103. قال: فو الله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. قال ابن إسحاق: فجمع صفوان بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل وهسيل بن عمرو وناس بالخندمة ليقاتلوا، فشهد حماس الخندمة معهم، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئًا من قتال، فقتل من المسلمين كرز ابن جابر وخنيس بن خالد [واصيب من جهينة سلمة بن الميلاء] ، وأصيب من

  104. ١/٦٢٠٧١/٦٢٠٧

    المشركين يومئذ اثنتا عشر أو ثلاثة عشر،

  105. ثم انهزموا فدخل حماس منهزمًا حتى دخل بيته،

  106. ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي. قالت: فأين ما كنت تقول، فقال:

  107. إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة

  108. وأبو يزيد قائم كالقائمة واستقبلتهم بالسيوف المسلمة

  109. ضربًا فلا تسمع إلا غمغمة يقطعن كل ساعد وجمجمة

  110. لهم نهيت خلفنا وممهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة

  111. فكيف يدعي الدخول مع الأمان والصلح وقبول القوم الأمان؟! وهؤلاء سادة القوم وقادتهم قد جمعوا الجمع وباشروا الحرب، وأصيب المسلمون بأيديهم وأصابوا منهم.

  112. ويدل على ذلك أن الصحابة سموا أهل مكة: الطلقاء، وكانوا يسمون أولادهم: أولاد الطلقاء كما سماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يختلف المسلمون في هذا النقل،

  113. ولو كانوا عقدوا صلحًا ودخلوا طوعًا لم يسموا الطلقاء،

  114. ومن أي شيء أطلقوا ولم يكن عليهم بأس ولا حرب؟.

  115. ولأن هذا الأمان الذي ادعاه مخالفنا لم يكن مؤقتًا بمدة ولم يبق إلا أن يكون مطلقًا.

  116. ولا يخلوا أن يكونوا أسلموا أو أقروا على كفرهم بجزية أو بغير جزية،

  117. ولو أسلموا لم يحتاجوا إلى أمان. ومعلوم من الحال أنهم أسلموا بعد ذلك.

  118. ولا يجوز أن يكون أقرهم بالجزية؛ لأن عبدة الأوثان من العرب لا تقبل منهم الجزية،

  119. وإذا لم يجز ذلك، فلأن لا يجوز إقرارهم بغير جزية أولى.

  120. ولأنه لما دخل كسر الأصنام،

  121. ولو كان أقرهم على كفرهم لم يتعرض لها؛ لأن الإمام يمنع الاعتراض في الأوثان.

  122. احتجوا: بقوله تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليًا نصيرًا} . قالوا: والمراد به أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا،

  123. ولو قاتلوه لنصر عليهم.

  124. ١/٦٢٠٨١/٦٢٠٨

    قلنا: قد اختلفوا أهل التفسير في هذا، فمنهم من قال: المراد به أهل مكة؛ مرتب على قوله: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام} .

  125. وهذا قول قتادة. وقال ابن السائب: وهذا راجع إلى أسد وغطفان حلفاء أهل خيبر؛ لأن قوله تعالى: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا} . وإنا أراد به أعراب المدينة، لأنهم تخلفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية ولم يكونوا قاتلوا مع أهل خيبر، فرجع هذا الكلام إليهم،

  126. فإن كان كذلك فلا حجة فيه.

  127. وإن كان المراد أهل مكة فقد قاتوله وولوا الأدبار وفارق قادتهم الأوطان وأسلموا الأهل والأموال، ولم يجدوا من ينصرهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صفح عنهم ومن عليهم بعد القهر والذل، فقد سقط الاحتجاج بالآية.

  128. احتجوا: بقوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم حتى يأتي وعد الله} . قالوا: فأخبر الله تعالى أن القوارع وقد حل بمر الظهران فل أن الصلح وقع وزالت القوارع.

  129. والجواب: أن سعيد بن جبير وابن السائب وغيرهما قالوا في تأويلها: القارعة: السرية، فقال الله تعالى: {تصيبهم بما صنعوا قارعة} من السرايا، {أو تحل} أنت يا محمد مع أصحابك {قريبًا من دارهم حتى يأتي وعد الله} فتح مكة.

  130. وما قالوه خطأ في العربية؛ لأن {أو} لو كانت غاية بمعنى (متى) لقال: أو تحل بنص تحل. فلما قال: أو تحل علم أنها للعطف، فكأنه قال: تصيبهم قارعة بالسرايا أو يحلوا لك. فيكون الفتح. وقال معمر عن الحسن: أو تحل القارعة قريبًا من دارهم.

  131. احتجوا: بما روى عبد الله بن العباس عن أبيه قال: لما نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران قال العباس - رضي الله عنه -: لئن دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش.

  132. فجلست على بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي أجد ذا حاجة يأتي أهل مكة

  133. ١/٦٢٠٩١/٦٢٠٩

    فيخبرهم بمكان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخرجون إليه فيستأمنوه، وإني لأسير سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام ق خرجوا يتجسسوا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا أبا حنظلة.

  134. فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاء بما لا قبل لكم به عشرة آلاف من المسلمين، قال: فما ترى؟ قلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، وأردفته وخرجت به نحو النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكلما مررنا بنار من نيران المسلمين فنظروا إلى البغلة فقالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  135. حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب، فقال: الحمد لله أمكن منك بغير عهد ولا عقد،

  136. ثم اشتد نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - وركضت البغلة، فسبق عمر كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، ودخل عمر على رسول الله فقال: يا رسول الله، أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني حتى أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أذهب به فقد أمناه حتى تغدو به) ، فرجعت به إلى منزلي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن أسلم وعقد الأمان لأهل مكة على أن من ألقى سلاحه فهو آمن، فقلت: إن أبا سفيان يحب الصيت، فاجعل له شيئًا.

  137. قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن،

  138. ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن،

  139. ومن أغلق بابه فهو آمن) .

  140. ثم أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه بمضيق الوادي حتى يبصر جنود الله، [فرده العباس، فقال: أغدرًا يا بني عبد مناف؟ فقال العباس: لا، ولكن يجلس في موضع كذا حتى يبصر جنود الله] ، فلما مرت القبائل وكتيبة المهاجرين والأنصار، أمره أن يلحق بقومه ويحذرهم، فخرج مسرعًا حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به.

  141. قالوا: فمه، قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن،

  142. ومن أغلق بابه فهو آمن،

  143. ومن دخل الكعبة فهو آمن) . فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

  144. ١/٦٢١٠١/٦٢١٠

    قالوا: هذا عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمان، وقبلوه فدخل مكة ودماؤهم وأموالهم محظورة، ولهذا قال أبو سفيان: أغدرا يا بني عبد مناف. فلولا أنهم صالحوا، لم يكن رده غدرًا.

  145. والجواب: أن أبا سفيان لم يكن رسولًا لأهل مكة حتى إذا عقد الصلح تم بعقده لهم، وإنما خرج مجسسًا وهو لا يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصدهم. يبين ذلك أن ابن إسحاق روى القصة عن الزهري قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله عن ابن عباس قال: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمر ظهران، وعميت الأخبار على أهل مكة، قال العباس: فجلست على بغلة رسول الله البيضاء فخرجت عليها، حتى دخلت الأراك أقول: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة.

  146. قال: وإني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذا سمعت كلام أبي سفيان [وبديل وهما يتراجعان، وأبو سفيان] يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا، قال بديل: هذه والله، هذه خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة والله أذل من أن تكون هذه نيرانها.

  147. فإذا لم يكن رسولهم، لم ينعقد استئمانه، وإنما يقف الأمان على إجازتهم ورضاهم.

  148. وأيضًا فأبو سفيان لم يلتمس الأمان، وإنما طلب له العباس الفخر، فقال - عليه السلام -: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ، فقال أبو سفيان: وما تغني داري.

  149. وكيف يعقد - عليه السلام - صلحًا، وقد كان أبو سفيان خرج إلى المدينة لما نقضت قريش لتجديد العهد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضيًا بغير شيء) . ولم يعقد معه، وإنما تفضل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمن عليهم عند القدرة فلما دخل أبو سفيان مكة فأخبرهم نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - وما من به عليهم عند القدرة.

  150. قال الزهري في حديثه: فأتت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه

  151. ١/٦٢١١١/٦٢١١

    وقالت: (اقتلوا الحميت الدسم) .

  152. وإذا لم يعلم قبولهم للأمان، لم يمنع ذلك دخوله عنوة.

  153. ولأنهم إذا ادعوا قبول جميع أهل مكة للأمان، لم يصح، لأنا قد روينا أن بعض أهلها قبولا الأمان، فدار الحرب إذا استأمن بعض أهلها أو أسلموا لم يمنع دخول المسلمين عنوة وقهرا، وإنما يمنع من ذلك استئمان جميعهم، وقد نقلنا خلاف ذلك.

  154. ولو لم ننقله لم يكن لمخالفنا حجة حتى ينقل قبول الجميع، وهذا لا سبيل إليه، فكيف يكونوا قبلوا الأمان وقد روينا أنهم التجئوا إلى الكعبة وهم يرون السيف لا يرفع عنهم، وقد كان مشركي قريش- وهو منهم- يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوفاهم بعهد وذمة، فكيف يتم بينهم أمان ثم يتصورون أن يغدر بهم فلا يرفع السيف عنهم؟!

  155. ومن أقدم على المخالفة هذه الأخبار بعد ظهورها، كفى خصمه مؤنته.

  156. احتجوا: بما روى أنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمن الناس [كلهم إلا ستة نفر فإنه أمر بقتلهم.

  157. قلنا: قد روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمن الناس] يوم الفتح إلى العدد الذي استثناه، وهذا يدل أنهم لم يقبلوا الأمان الأول، وانه - صلى الله عليه وسلم - دخل بغير أمان، لولا ذلك لم يكن لتجديد أمان آخر معنى.

  158. ولأنه - صلى الله عليه وسلم - عقد لأبي سفيان أمانًا مطلقًا،

  159. ثم أمن الناس بمكة واستثنى، فدل على سقوط حكم ذلك الأمان، وإلا لم يجز الاستثناء بعد الإطلاق.

  160. يبين هذا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: (كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر) .

  161. ولا يصح أن يأمر بكف السلاح إلا وهو مبسوط، فدل على أن دخولها وقع بغير أمان.

  162. قالوا: يجوز أن يكون الاستثناء في أمان أبي سفيان. قالوا: لأن الأمان الأول مفسر وهو مطلق، فيحمل المطلق على المفسر.

  163. قلنا: لم ينقل أحد في قصة أبي سفيان استثناءً،

  164. ولو كان لم يترك نقله،

  165. ١/٦٢١٢١/٦٢١٢

    وكذلك أبو سفيان لما حكى لأهل مكة الأمان لم يذكر فيه استثناء أحدٍ، فدل أن هذا أمان آخر غير الأول، وذلك لا يجوز أن يكون إلا مع سقوط الأول.

  166. قالوا: روي عن صفوان بن أمية أنه عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمراء الأجناد حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.

  167. قلنا: قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الأمان الأول بحاله، فأمرهم ألا يبتدئوا القتال. فلما اجتمعت الأوباش وقاتلوا وقتلوا من المسلمين، بطل أمانهم، فدخلت الأجناد بغير أمان.

  168. ثم استأنف - عليه السلام - المن عليهم بمكة كما ذكرنا.

  169. قالوا: روي أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى الراية سعد بن عبادة، فأخذها وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، فقال - عليه السلام -: (اليوم يوم المرحمة، اليوم تستر الحرمة) . فأمر علي بن أبي طالب فأخذ الراية.

  170. قلنا: هذا كان قبل الدخول، وقد بينا أنه قبل أن يدخله كان يجوز أن يقبلوا الأمان فلا يكون يوم الملحمة،

  171. فأما حال الدخول فقد كان الأمان زال بقتالهم وقتلهم المسلمين، يبين ذلك ما روى ثابت عن أنس بن مالك أنه - عليه السلام - لما دخل مكة مشى ابن رواحة بين يديه وهو يقول:

  172. خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله

  173. ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

  174. فقال عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله وفي حرم الله تعالى تقول الشعر،! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خل عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده، [لهو أسرع فيهم] من وقع النبل - أو قال: نضح النبل-) .

  175. وهذا يبين أن حال

  176. ١/٦٢١٣١/٦٢١٣

    الدخول رد الأمان، وبأن ذلك حال الدخول فدخلوها بغير أمان.

  177. احتجوا: بما روي في شعر حسان قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة:

  178. عدمنا خيلنا إن لم تروها تبين النقع موعدها كداء

  179. سار عنا الأعنة مسرجات يلطمن بالخمر النساء

  180. فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان الصلح وانكشف الغطاء

  181. فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح النساء وجوه الخليل بخمرهن، قال العباس أو لأبي بكر: (لله در حسان حيث يقول) . قال العباس. قلت: إنه يريد. فأنشدته، فقال: (كأنما ينطق عن روح القدس) .

  182. قالوا: وهذا يدل على أنه دخلها بغير قتال؛ لأن استثناء النسا ومسحهن وجوه الخيل بخمرهن يدل على عدم القتال وعلى إظهار الفرح والسرور به وبدخوله إلى مكة.

  183. وقوله: (كأنما ينطق عن روح القدس) . يدل على وقوع الصلح كما قال حسان بن ثابت.

  184. والجواب: أن هذه الطريقة من الاستدلال تجمع بين إحالة الرواية وتصور الحال بضدها، وذلك لأن الشعر موجود في كتاب ابن إسحاق وفي ديوان حسان:

  185. عدمنا خيلنا إن لم تروها تبين النقع موعدها كداء

  186. تظل جيادنا مضمرات يلطمهن بالخمر النساء

  187. فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء

  188. وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء

  189. وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء

  190. هذا هو الشعر، فجعلوا بدل (الفتح) (الصلح) ، ليصير ما هو حجة عليهم حجة لهم. لو كانت الرواية محفوظة كما قالوا، قالوا، لم يصح تعلقهم بها؛ لأنه قال: وإلا فاصبروا لجلاد يوم

  191. ١/٦٢١٤١/٦٢١٤

    وقوله - عليه السلام -: (كأنما ينطق عن روح القدس) . يجوز أن يكون في قوله: وإلا فاصبروا لجلاد يوم. ويبين بطلان ما نقلوه أنه قال: وانكشف الغطاء.

  192. [وإذا كان الصلح لا ينكشف الغطاء] ، وإنما ينكشف بالفتح.

  193. وأما قولهم في مسح النساء وجوه الخيل بخمرهن، يدل على مسرتهن بدخوله [- صلى الله عليه وسلم -] . فكلام من لا يفقه ما أراده حسان ولا علم له بأيام العرب، وذلك أن النساء تضرب وجوه الخيل بالخمر [تعبيرًا للرجال وتحريضًا لهم على القتال يقول: لما عجزوا عن ضرب السيوف، فلم يبق إلا الضرب بالخمر] ، فكيف يحمل هذا على المسرة وهو ضدها، وكيف يستدل على السلم به وهو دعاء إلى الحرب،

  194. قالوا: عشرة آلاف من الجيش لو دخلوها بقتال، لوجب أن يكونوا أخذوا الأموال وسبوا النساء والصبيان، ولكان قسم الدور والعقار والأموال بين الغانمين، فلما لم ينقل أن أحدًا أخذ مالًا ولا ذرية، دل على أنهم أخذوها صلحًا.

  195. قلنا: إذا نقلنا القتال وقتل المسلمين وقتل المشركين ومباشرة سادتهم للحرب وهو منهم يقاتل النقل لعدم النقل وبالاستدلال والاستقرار هذا لا يقابل.

  196. ثم قد روي أنه في حال دخوله قال القائل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم. فقال - عليه السلام -: (الأسود والأبيض آمن) . فالتشاغل بالقتال والتحفظ من العدة شغلهم عن النهب والسلب، ولم تنصرم هذه الحالة حتى أمنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يبق للنهب وقت.

  197. وقد روي أن أخت أبي بكر الصديق كانت تقود إبلها، فسلبت.

  198. هذا يدل على أن القوم دخلوا حربًا. وجمله الأمر، أن الصلح عقد بالحديبية وهو دون مكة وأعمض فنقل نقلًا أجمع عليه ولم يختلف فيه، فكيف يظن أن الصلح عقد بمكة كان كذلك،

  199. ثم لم ينقل كنقل صلح الحديبية أو اشتهر، وكيف يكون الصلح وأهل المغازي نقلوا مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعددها وأصنافها؟.

  200. قال الواقدي: حدثني- وذكر نيفًا وعشرين رجلًا من أهل المدينة-

  201. ١/٦٢١٥١/٦٢١٥

    قال: فكل حدثني من هذا بطائفة وبعضهم من بعض، وغيرهم قد حدثني أيضًا، وكتبت كل الذي حدثوني.

  202. ثم قال: كانت مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعًا: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، [وخيبر، والفتح، وحنين] ، والطائف.

  203. وإذا اقتصر مخالفنا في مقابلة هذا النقل على التجويز والتعجب لم ينتفع به.

  204. فأما قسمة الأرضين: فالإمام عندنا إذا فتح أرضًا جاز أن يقر أهلها عليها، ويمن عليهم بأموالهم وذراريهم.

  205. ولأنه - عليه السلام - لم يغنم أرضهم؛ لأن أرض الحرم لا تملك كما لا يملك موضع الطواف وبين الصفا والمروة.

  206. احتجوا: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد) . وهذا إنكار لقتال خالد.

  207. قلنا: هذا غلط عظيم، لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا لأجل قتال مكة، وإنما بعث السرايا بعد الفتح فدعوا الناس إلى الإسلام، ولم يأمرهم بالقتال، وبعث خالد بن الوليد داعيًا لوم يبعثه مقاتلًا وأمره أن يسير بأسفل تهامة ومعه سليم ومدلج قبائل من غيرهم من عيونهم، فلما نزلوا الغميصاء وهي ما من بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف، فكانت جذيمة قتلت عوف بن

  208. ١/٦٢١٦١/٦٢١٦

    عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة عم خالد، فلما رأوه أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح،

  209. فإن الناس قد أسلموا. فلما وضعوا السلام، أمر بهم فكتفوا وعرضهم على السيف، فقتل منهم. فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد) . وبعث لعلي بن أبي طالب وقال: أخرج إلى هؤلاء القوم، وانظر في أمرهم، وضع الجاهلية تحت قدميك).

  210. فخرج علي ومعه مال فوداهم.