مسألة ٨٦٤
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٩٬٠٢٢ إلى ٢٩٬١١٣
-
١/٣٥٨٠١/٣٥٨٠
وقت وجوب الأجرة
-
قال أصحابنا: لا تجب الأجرة في الإجارة بنفس العقد، وإنما تجب بإيفاء المنفعة،
-
فإن كانت المنفعة مما ينفرد بعضها عن بعض بالمنافع؛ وجب أجر كل جزء عند استيفائه كأجرة الدار وإن كان لا ينفرد لم تجب الأجرة بإيفاء جميعها كالقصار والصباغ وري عن محمد أنها تجب بالعقد وجوبًا مؤجلًا.
-
[قال الشافعي رحمه الله: إذا أطلق العقد استحق الأجرة بالعقد] .
-
لنا: قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن} .
-
١/٣٥٨١١/٣٥٨١
ومن أصحابنا من يقول إن الحكم المعلق بالشرط يدل على نفى ما عداه.
-
وعلى قول الباقين/ الأمر يتناول الحالة المقصودة، وهي ابتداء [الإيجاب] فلو تقدم الوجوب على الإرضاع لأمر بدفع الأجر حين وجب.
-
فإن قيل: المراد بالآية أن يذكر الإرضاع كقوله تعالى: {حتى يمطوا الجزية} أي يبذلوها.
-
والدليل على ذلك: قوله تعالى في سياق الآية:
-
{وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} وهذا لا يكون بعد الرضاع.
-
قلنا: قوله: {فإن أرضعن [لكم} ] حقيقة تقتضي فعل الرضاع، وحمله على البذل مجاز فلا يصار إليه إلا بدليل،
-
وإذا حملنا الآية على غير ظاهرها [جاز] صرف هذه الآية عن ظاهرها بغير دليل.
-
فأما قوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} : فيتناول ما قبل الرضاع، فكأن الله ذكر حال ما إذا فعلت،
-
ثم ذكر حالها لو لم تفعل، وهذا كقوله: من دخل فالدار فله درهم،
-
ومن لم يدخلها عاقبته.
-
ويدل عليه قوله - عليه السلام -: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يوفه أجره) .
-
١/٣٥٨٢١/٣٥٨٢
فدل على تأخير الأجرة بعد العمل،
-
ولو وجبت بالعقد لذمه على تأخيره عن تلك الحال، ويدل عليه قوله - عليه السلام -: (أعط الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه) ، وإنما يجف العرق بعد مفارقة العمل؛ فدل أن الأجرة تجب حينئذ.
-
وقولهم: يحتمل أن تكون أجرة مؤجلة يحل أجلها قبل أن يجف العرق، لا يصح، لأن اللفظ يقتضي سائر الإجارات ولأنه لم يجر للتأجيل ذكر.
-
قالوا: ليس المراد من الخبر بيان وقت الوجوب، وإنما المقصود بيان دفع الأجرة من غير مطل.
-
قلنا: الأمر إنما يتناول أقل أحوال الوجوب، لأنها المقصود، وما بعدها حال أخرى، وليس بعض الأحوال أولى من بعض،
-
فلا فائدة لتخصيص حال منها
-
ولأنه مال في مقابلة منفعة،
-
فلا يستحق بنفس العقد كالربح في المضاربة.
-
ولا يلزم المهر؛ لأنه في مقابلة [استباحة] المنفعة.
-
١/٣٥٨٣١/٣٥٨٣
فإن قيل: المعنى في الربح أنه لا يملك بشرط التعجيل. [فلم يملك بالإطلاق، والأجرة تملك بشرط التعجيل] فملكت بالإطلاق.
-
قلنا: قد ثبت بالشرط ما لا يثبت بإطلاق العقود.
-
الدليل عليه: الأجل، والخيار إذا سمى أو غير نقد البلد، ولأنه عقد بني على منفعة فلا يستحق به الأجرة.
-
أصله: إذا أجره دارا شهر رمضان وهما في رجب.
-
ولا يلزم النكاح؛ لأن البدل ليس بأجرة.
-
ولا يلزم إذا عجل الأجرة أو شرط تعجيلها؛ لأنها لا تملك بنفس العقد لأنه لم يسلم المنفعة المستأجرة فلا يلزم تسليم بدلها بالعقد.
-
أصله: إذا لم يسلم العين، ولأنه عقد معاملة لا يملك به المعوض [عنه] فلا يستحق به البدل كالبيع الفاسد.
-
ولا يلزم للمسلم لأن المسلم فيه يتعين من العوض الثاني فيملك بالعقد؛ لأنه عقد على منافع يتعذر استيفاؤها عقيب العقد فأشبه الإجارة التي شرط فيها الخيار ولأنها معاملة لا توجب تسليم أحد البدلين في الحال،
-
فإذا لم يجب قبض البدل الأجر في المجلس لم يوجب العقد تسليمه كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع والبيع الفاسد،
-
ولا يلزم النكاح لأنه ليس بمعاملة.
-
١/٣٥٨٤١/٣٥٨٤
ولا يلزم السلم؛ لأن قبض بدله يجب في المجلس،
-
ولا يلزم إذا شرط التعجيل؛ لأن ذلك لا يوجبه العقد، وهذه المسألة مبنية على أن المنافع لا تملك بالعقد وإنما تملك بالاستيفاء.
-
والدليل على أنها [لا تملك] [أنها معدومة والملك من صفات الموجود، ولأنها نماء يحدث من ملكه فلا يملك بالعقد كسائر المعدومات
-
ولا يلزم السلم] لأن العقد يقع على دين في الذمة. والديون في الذمة لا توصف بالعدم كالشراء بالأثمان في الذمة ولا النكاح.
-
لأن المنافع لا تملك به، وإنما يقدر على ملك الاستباحة.
-
قالوا: الثمرة المعدومة لا يجوز التصرف فيها، فدل [على أنها لم تملك، والمنفعة المعدومة يجوز التصرف فيها] ؛ فدل أنها مملوكة.
-
قلنا: إنما جاز التصرف في المنافع حال عدمها؛ لأنها إذا وجدت
-
١/٣٥٨٥١/٣٥٨٥
عدمت فلم يمكن التصرف فيها بعد وجودها [فلهذه الضرورة جاز التصرف فيها، والثمرة يمكن التصرف فيها بعد وجودها] فلم توجد تلك الضرورة [فيها] ،
-
وإن ساوت المنفعة في فقد الملك.
-
ولأنها لو ملكت بالعقد وجدت في ضمانه بالقبض الأول كالأعيان.
-
احتجوا في هذا الفصل بأن عقد المعاوضة إذا تناول معلومًا بعينه؛ كان المعقود عليه مملوكًا كالأعيان المبيعة.
-
[قلنا: يبطل بنصيب في المساقاة أن المعاوضة تناولت الثمرة وهي معلومة وليست مملوكة.
-
قالوا: ليست معلومة].
-
قلنا: وكذلك مقدار خدمة العبد [في الشهر غير معلومة] القدر والمعنى في المبيع أنه موجود بمعاوض عنه فكان مملوكًا، والمنفعة (معدومة) [في الشهر] فلم تملك،
-
وإن تناولها العقد كسهم العامل من النخل.
-
قالوا: الملك ليس بإشارة إلى العين، وإنما هو عبارة عن حكم؛ لأن الملك هو التصرف في العين بدلالة أن المولي [يملك التصرف] في العبد
-
١/٣٥٨٦١/٣٥٨٦
فإذا أعتقه فالرقبة لا تجوز له لأن الملك زال عنه،
-
ثم المالك له كمال التصرف في المنافع؛ [فدل أنها ملكه] .
-
قلنا: الثمرة المعدومة يملك التصرف (فيها) بالوصية، وبالمعاوضة في المساقاة، ولم يدل جواز التصرف فيها على أنها مملوكة [إذا ثبت أن المنافع لا تملك إلا بالعقد] .
-
قلنا: إن كل معاملة لا يملك فيها أحد البدلين بنفس العقد لا يملك به البدل الآخر كالهبة بعوض. والبيع المشروط فيه الخيار لهما والبيع الفاسد.
-
١/٣٥٨٧١/٣٥٨٧
احتجوا بأنه عقد يجوز شرط تعجيل العوض فيه، فوجب أن يقتضي إطلاقه تعجيل العوض كالبيع.
-
قلنا: قد يجوز أن يشرط في العقد مالا يقتضيه الإطلاق بدلالة تأجيل الثمن والخيار إذا شرط غير نقد البلد ويبطل، بالعقد على الجزية فإنه يجوز أن يشرط الإمام تعجيلها، إطلاق عقد الذمة لا يقتضي التعجيل.
-
والمعنى في البيع أن يمكن تسليم المعقود عليه عقيب العقد، فجاز أن يستحق عوضه بالعقد. والإجارة لا يمكن تسليم المعقود عليه عقيب العقد فلم يجب بدله بالعقد كالعبد الآبق وكربح المضارب.
-
ولأن المبيع لما ملك بالعقد ملك العوض عنه بالعقد، فلم يسبق ملك أحد العوضين ملك الآخر، ولما ثبت أن المنافع لا تملك بالعقد لم يملك عوضها إلا حين ملكها حتى يتساوى الملك في العوضين كما يتساوى في المبيع.
-
قالوا: معاوضة لا يملك أحد المتعاقدين فسخها لغير عذر، فوجب أني يقتضي إطلاقها تعجيل العوض كالنكاح.
-
قلنا: يبطل بالمساقاة، فإنه معاوضة لا يملك أحد المتعاقدين فسخها لغير عذر، فوجب أن يقتضي إطلاقها تعجيل العوض وهو الجزء من الثمرة.
-
ولأن البدل في النكاح أقوى من الثبوت من الأجرة، بدلالة أن المرأة لو
-
١/٣٥٨٨١/٣٥٨٨
ماتت عقيب العقد فلم يتمكن الزوج من الاستمتاع ووجب البدل.
-
ولو احترقت الدار المستأجره، أو مات العبد لم تستحق الأجرة فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
-
ولو طلقها قبل الدخول وجب نصف المهر،
-
ولو عادت المنافع إلى المؤجر لم يستحق شيئًا من البدل.
-
والمعنى في النكاح: أن المعنى الذي يستقر به المهر هو وطء واحد، وذلك يمكن تسليمه عقيب العقد؛ فلذلك جاز أن يجب عوضه بالعقد والمعنى الذي تستقر به الأجرة هو استيفاء جميع المنافع وذلك لا يمكن تسليمه عقيب العقد؛ فلذلك لم يجب بدله بالعقد.
-
قالوا: المنافع بمنزلة العين القائمة بدلالة جواز العقد عليها مطلقًا،
-
ولو لم تكن كالعين لم يجز العقد عليها قبل أن تخلق كالثمرة والنتاج قبل أن يخلقا وإذا كانت كالعين فإذا قبض الدار كانت المنافع في حكم المقبوضة له؛ دلالة جواز تصرفه فيها كالإجارة والإعارة؛
-
ولو لم تكن كالمقبوضة ما جاز هذا.
-
ولو رجل أصدق امرأة منفعة دار شهرًا فسلم الدار إليها لزمها تسليم نفسها،
-
١/٣٥٨٩١/٣٥٨٩
وإذا ثبت أنه كالقابض للمنافع لزمه تسليم الأجرة.
-
الجواب: أما قولهم: إن المنافع بمنزلة الأعيان بدلالة جواز العقد فغلط؛ لأن المنافع متى تعينت عدمت مع التعين، فلم يجز العقد عليها، فكيف يستدل بجوار العقد على أنها في حكم الأعيان؟
-
وهذا المعنى يمنع جواز العقد،
-
فأما الثمرة والنتاج [فلا يمكن العقد عليها مع عدمها] بل وقف جواز العقد على الوجود،
-
وأما المنافع: فلا يمكن العقد عليها بعد وجودها فاضطررنا إلى تصحيح العقد قبل وجودها.
-
فأما قولهم: إن قبض الدار في حكم قبض المنافع،
-
فلا يصح بدلالة أنها لو صارت/ مقبوضة لتلفت من ضمان المستأجر، ولكان العيب الحادث فيها لا يوجب الرد.
-
وفي علمنا: أن الدار لو احترقت بعد القبض سقطت الأجرة،
-
ولو دخلها عيب ثبت الفسخ،
-
ولو غصبها غاصب سقط ضمانها؛ دل ذلك على أنها ليست في حكم القابض، وإنما يقبضها إذا وجدت باستيفائه لها.
-
فإن قيل: لو اشترى عبدًا أو قاتلًا فقبضه، استقر بدله،
-
وإن سقط عندكم متى قتل في يد المشتري.
-
١/٣٥٩٠١/٣٥٩٠
قلنا: قتله عندنا بسبب كان عند البائع يقام عليه البينات يفسخ قبضه الموجود، فيزول ضمان الثمن كما يزول الاستحقاق، وهلاك الدار وغصبها لا يوجب فسخ القبض ومع ذلك يسقط البدل.
-
فدل على أن المنافع لم تصر مقبوضة.
-
[وأما جواز التصرف فيها بغير قبض الدار فليس لأن المنافع مقبوضة] ، ألا ترى أنه يعقد عليها، ولم يملكها؟ كما يعقد المؤجر عليها ولم يملكها وعدم الملك أكثر من عدم القبض، وإنما وقف تصرفه على قبض الدار
-
لأنه ما لم يقبض تحدث المنافع في ضمان المؤجر، فلم يجز أن يملكها المستأجر الثاني عند حدوثها من جهة المستأجر الأول،
-
وإذا قبض الدار حدثت المنافع على ضمانه، فجاز أن يملكها المستأجر الثاني بعد دخولها في ضمان المستأجر الأول،
-
فإذا تزوج امرأة على سكنى فسلم الدار فإنما لزمها تسليم نفسه. لأنها رضيت ببدل مؤجل، فلم يجز أن تحبس نفسها مع الرضا بالتأجيل
-
فإن قيل: فكان يجب أن تسلم نفسه قبل قبض الدار.
-
قلنا: الجزء الأول من المنفعة قد استحقت تعجيله فوجب أن يسلم الدار إليها حتى لا يفوتها ذلك الجزء المعجل.
-
١/٣٥٩١١/٣٥٩١
[قالوا: لو كانت المنافع لا تملك عندنا ولا الأجرة فكلما وجد جزء من المنافع ملكه وقد تعين واستحق غرمه دينًا، فيكون في الحقيقة تمليك عين بدين] .