مسألة ٤١٧
التجريدالحنفيةالمسائل ١٢٬٦٤٥ إلى ١٢٬٧٤٦
-
١/١٦٦٨١/١٦٦٨
الحج يجب على الفور
-
روى عن أبي يوسف ما يدل على وجوب الحج على الفور.
-
وعلى ظاهر قول أبي حنيفة وقول الشافعي: إن شاء قدم،
-
وإن شاء أخر، والتقديم أفضل،
-
وإن مات قبل أن يحج أثم.،
-
ومتى يأثم؟ من أصحابه من قال: بتأخيره عن السنة الأولى، ومنهم من قال بتأخيره عن السنة الأخيرة.
-
لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: (من كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حل وعليه الحج من قابل) .
-
وقال - عليه الصلاة والسلام - للمجامع في الحج: (اقضيا نسككما، واحججا من قابل) ، فأوجب القضاء في الخبرين على الفور.
-
١/١٦٦٩١/١٦٦٩
كل عبادة لا يضيق أداؤها لا يتضيق قضاؤها، فلما تعين القضاء دل على أن الأداء أسبق.
-
وروى أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: (من وجد زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله تعالى ولا يحج:
-
فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا) .
-
وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ،
-
وكذا رواه الترمذي من حديث علي - رضي الله عنه -.
-
فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق.
-
قلنا: لو كان له التأخير لم يأثم بالموت إذا جاءه من غير أمارة ولا غلبة ظن والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال.
-
ويدل عليه حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أراد الحج فليتعجل) .
-
فإن قيل: علقه بإرادته.
-
قلنا: هذه الإرادة هي التي تخرجه من حيز الساهي إلى حيز القاصد،
-
فأما إرادة التخيير: فلا يتعلق الأمر بها، وهذا كقوله - عليه الصلاة والسلام -: (من أراد الجمعة فليغتسل) ، وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ؛ ولأنها عبادة بدنية مؤداة، فيضيق فعلها بوقت وجوبها، كالصلاة؛ ولأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فكان وجوبها بابتداء الشرع على الفور.
-
دليله: الصوم، أو لأنها عبادة بدنية لا تفعل في الحول إلا مرة، ودليله ما بيناه.
-
١/١٦٧٠١/١٦٧٠
فإن قيل: المعنى في الصوم أنه لا يجوز تأخير الدخول فيه عن حال الإمكان، فلم يجز تأخير جوازه، والحج وقت الدخول فيه موسع يجوز تقديمه وتأخيره، فجاز تأخير جملته.
-
قلنا: الصوم لا يجوز تأخيره عن أول أحوال الإمكان إذا وجب، بدلالة أن المسافر والمريض يجوز لهما التأخير، والحج عندنا بأول الأشهر لم يجب، فجاز تأخيره فإذا وجب فهو كالصوم لا يجوز الدخول فيه، وعلة الفرع تبطل بالنية التي يخاف الفوات فيها؛
-
فإن الدخول فيه موسع،
-
ولا يجوز تأخيره عن جميع الوقت.
-
ولأنه فرض لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، فلم يجز تأخيره عن وقت وجوبه، كالإيمان.
-
واحتج أبو الحسن الكرخي، فقال: لا يخلو إما أن يجب تقديم الحج، أو تأخيره، ليس لأحد أن يقول: يجب تقديمه،
-
ولا يجوز أن يكون مخيرًا؛ لأنه إن أخره حتى مات: لم يخل من أن يأثم أو لا يأثم،
-
فإن لم يأثم خرج من أن يكون واجبًا، ولئن أثم دل على أنه ليس له التأخير.
-
فإن قيل: يجوز التأخير [إذا غلب على ظنه] أنه لا يعجز، كما يجوز ضرب الزوجة والابن ضربًا يغلب على الظن أنه لا يموت.
-
قلنا: إذا مات من لا أمارة لموته ولا هرم، إن قلت: إنه يأثم بطل [اعتبار أمارة] العجز،
-
وإن قلت: لا يأثم، خرج الحج من الوجوب،
-
فأما الضرب: فيضربها عندنا بآلة [لا تقتل] في الغالب على غير مقاتلها فيباح ذلك ولا يعتبر غالب الظن فيه.
-
وقد قالوا: إنه يأثم إذا مات بتأخير الحج عن السنة الأولى، وكيف يأثم بالتأخير عنها؟ وقد أباح الله - تعالى - له التأخير.
-
١/١٦٧١١/١٦٧١
ومنهم من قال: يأثم بتأخيره، وهذا يؤدي إلى أن يأثم بتأخيره العبادة عن وقت مجهول لم يطلعه الله - تعالى - عليه، وهذا تكليف بما لا يطاق.
-
وقد التزم أبو الحسن على هذه الطريقة أن الزكاة، والنذور، والكفارات وقضاء رمضان مؤقت، ولزوم الوصية في ابتداء الإسلام.
-
والجواب عنها: أن وجوبها كان على الفور، وكان على الإنسان أن يوصي عاجلاً، كما يوجبها عند حضور الموت،
-
[فأما أن تقف الوصية على حضور الموت] فلا، ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: (لا يحل لرجل أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه) .
-
وقيل: إن قوله تعالى: {إذا حضر أحدكم الموت} ، يعني بسبب الموت الذي هو المرض، وهذا تعليق العبادة بشرط معلوم.
-
احتجوا: بما روى أن فريضة الحج نزلت سنة ست من الهجرة، فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه، ومياسير أصحابه الحج إلى سنة عشر من الهجرة ولو كان على الفور ما أخره بعد وجوبه،
-
ولا أقر على التأخير.
-
قالوا: والوجوب نزل سنة ست؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرًا، فصد، فنزلت الآية.
-
١/١٦٧٢١/١٦٧٢
والجواب عنه: أن وجوب الحج نزل بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} ، وهذه الآية قيل: إنها نزلت في سنة تسع، فيجوز أن يكون نزولها في وقت جاز فيه القصد والتوجه.
-
وإن كان نزولها في سنة عشر، فلم يؤخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأداء.
-
فأما قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ، فحقيقة الإتمام فعل بقية شيء تلبس به، وليس إذا وجب المعنى وجب الابتداء فلم تدل الآية على ابتداء الوجوب.
-
فإن قيل: القوم كانوا محرمين، فأمرهم بإتمام الحج على الابتداء.
-
قلنا: الأمر بإتمام العبادة يدل على وجوب المضي فيها إذا فعلها الإنسان،
-
وإن لم يكن تلبس بها كما تقول: إذا دخلت في حجة التطوع فتمها.
-
فإن قيل: روى عن عمر، وعلي أنهما قالا: إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله)، فهذا يدل على أن المراد بالآية الابتداء وحقيقتها لا تدل على ذلك، وعلى ما قالوه لا يجوز أن يعدلوا عن الحقيقة إلا بتوقيف.
-
قلنا: الإحرام من دويرة الأهل مستحب، فكأنهما حملا الأمر على الاستحباب دون الوجوب، وهذا ترك الظاهر فلم يعلم إلا بتوقيف؛ فصار هذا دليلاً على مخالفنا.
-
١/١٦٧٣١/١٦٧٣
فإن قيل: روى أن ضمام بن ثعلبة قال: يا رسول الله هل فرض علينا أن نحج هذا البيت؟، قال: نعم، وهذا في سنة ست.
-
قلنا: ذكر ابن جريج أن ضمامًا وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنة تسع، فقال ذلك،
-
ولو ثبت ما قالوه: احتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا بشريعة إبراهيم - عليه السلام -.
-
فإن قيل: فقد أخره.
-
قلنا: لا نعلم أنه وجب في شريعة إبراهيم عليه السلام على الفور.
-
على أنه - عليه الصلاة والسلام - حج قبل الهجرة حجتين، فلم يوجب ذلك،
-
ولو ثبت أنه أخر فعل الحج: احتمل أن يكون أخره لعذر؛ لأنه لا يترك الأفضل إلا لعذر، ولسنا نحتاج إلى تعيين العذر، بل عليهم أن يثبتوا عدم الأعذار.
-
فإن قيل: أخره عندنا ليبين جواز التأخير.
-
قلنا: كان يكفي أن يؤخره سنة واحدة، ليحصل البيان.
-
قالوا: في قراءة ابن مسعود وأقيموا الحج والعمرة.
-
قلنا: / الإقامة تحتمل الابتداء، وتحتمل الأمر بعد الدخول، وترتب على ما لا تحتمل من القراءة الأخرى،
-
ثم إذا وجب في سنة ست فلوجوبه شرائط لا نعلم أنها حصلت له، ألا ترى: أن الحج يحتاج في وجوبه إلى الزاد والراحلة ونفقة الأهل وأمن الطريق ويحتاج إلى أصحاب يكفونه عذر الطريق، فيجوز أن تكون هذه الشرائط التي بها يحصل الاستطاعة لم تكمل في سنة ست ولابد أن تكون له الشرائط التي ذكرتم وكان معه عام الحديبية سبعون بدنة، وفي سنة ثمان أو تسع من سبى هوازن حتى قال صفوان بن أمية حين أعطاه: هذا عطاء من لا يخاف الفقر، وفي سنة ثمان فتح مكة وفرغ من هوازن والطائف، ولم يبق له مانع يجوز أن يكون هنا.
-
فإن قالوا: إذا كان من شرط الوجوب عليه حصول الاستطاعة لمن
-
١/١٦٧٤١/١٦٧٤
يسير معه لم يكن دعوى ذلك.
-
قلنا: يجوز أن تكون الاستطاعة تحصل له في وقت العمرة، ونزول في وقت الحج؛ لأن قريشًا صالحوه في عمرة القضاء على العمرة، ولسنا نعلم أنهم مكنوه من الحج وقد كانوا صالحوه على ثلاثة أيام فأراد أن يقيم بها ... ، لهم فمنعوه، فيجوز أن تكون شرائط الاستطاعة لم توجد بعد ذلك.
-
فإن قيل: فقد كان في أصحابه أغنياء.
-
قلنا: شرط الاستطاعة ليس هو مجرد الغناء، بل يحتاج إلى ما ذكرنا من الشروط.
-
وقد قيل: إنما أخر بعد الوجوب لأنهم كانوا يؤخرون الحج تارة، ويقدمونه تارة أخرى، فيقع في غير وقته، فأراد - عليه الصلاة والسلام - أن يحج في وقت الحج، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) ، ولهذا فعل العمرة دون الحج؛
-
لأن وقتها لا يتخصص.
-
فإن قيل: أمر أبا بكر بالحج في سنة تسع.
-
قلنا: من حج على ما كانوا عليه كان يسقط فرضه إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يحج على وجه يقع في الآخر، أو يكون في المستقبل إمامًا في الاقتداء.
-
وقد قيل: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويظهرون الكفر في التلبية، فيقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك) . فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر في سنة تسع ونبذ إلى المشركين عهدهم، ونادى: (ألا لا يطوف
-
١/١٦٧٥١/١٦٧٥
بالبيت مشرك ولا عريان)، وحج من قابل.
-
فإن قيل: كيف يأمر أبا بكر بالحج؟.
-
قلنا: لأن حرمته لا تضاهي حرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يتساويا في هذا المعنى.
-
وقد قيل: أخر حتى أمن كيد الأعداء.
-
فإن قيل: كيف اعتمر؟.
-
قلنا: لما اعتمر أخلوا له مكة.
-
احتجوا: بما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من الصحابة من لا هدى معه أن يتحلل من الحج بعمرة،
-
فلو كان على الفور: لم يجز التحلل منه.
-
قالوا: روى أنه قال: من (أراد الحج فليقم معنا) وروى أنه قال:
-
(ومن شاء فلينصرف) .
-
قلنا: إنه أمرهم بالحج قبل التروية،
-
فإذا ثبت ما قالوه: احتمل أن يكون قاله لمن حج.
-
قالوا: كل عبادة كان وقت الدخول فيها موسعًا: كان يفعل فيها موسعًا كالصلاة.
-
قلنا: ينتقض بالحج في السنة التي يغلب على ظنه العجز بعدها، ونقلبه فنقول: فيتضيق فعلها بوقت وجوبها، كالصلاة، أو:
-
فلا يجوز تأخيرها عن آخر وقتها، كالصلاة؛ ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا على قول ابن شجاع، ويتضيق بآخره ويتضيق فعل وقتها ما لم يتضيق فالحج مثله.
-
قالوا: لو أخر الحج إلى السنة الثانية لم يكن قاضيًا ولم يضيق وجوبه،
-
١/١٦٧٦١/١٦٧٦
فالسنة الأولى كان بتأخيره عن وقته قاضيًا، وتحريره: كل من أدى حجًا كان مؤديًا، وجب أن يكون بتأخيره إلى وقت أدائه، كالعام الأول.
-
قلنا: هذا يبطل بمن غلب على ظنه أن يعجزه؛ فإنه بالتأخير عنه لا يصير قاضيًا، ويأثم بالتأخير ولأنه إذا أخر سقط ما اقتضاه الأمر الأول، وفعله في السنة الثانية يقتضي أمرًا آخر.
-
فقد قلنا بمعنى القضاء، وأنا لا نسميه قضاء؛ لأن هذه تسمية شرعية، فتستعمل حيث أطلقت الشريعة.
-
ولأن الزكاة عند مخالفنا مضيقة الوجوب،
-
وإن أخرها أثم، ولم يسم قاضيًا إلا أن يهلك المال، وقد سمى ما يفعل بعد الوقت أداء،
-
وإن كان قضاء. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فليصلها إذا ذكرها) ، (فليؤدها إذا ذكرها) وسمى ما يفعل في الوقت قضاء، كقوله (ما فاتكم فاقضوا) .
-
فدل على أن تسمية الأداء والقضاء لا يستدل بها على الوقت؛
-
فإن القضاء إنما يقال في عبادة مؤقتة يشترك في وجوبها عند وقتها غلبة الناس،
-
فإذا أخر الفعل عنها سمى قاضيًا، أثم بالتأخير أو لم يأثم، ألا ترى: أن تأخير المريض والمسافر الصوم لا يأثما فيه ويسمى المفعول قضاء، والحائض لا يصح لها فعل الصوم،
-
ولا تكون عاصية، وما تفعله في الثاني يكون قضاء،
-
فأما الحج فوجوبه في هذا الوقت يختلف فيه الناس باختلاف حصول الشرط، فالسنة الثانية وقت الأداء في حق من وجد شرطه فيه، فلذلك لم يسم ما يفعله قضاء كالزكاة، لما كان وجوبها يقف على وجود الحول كالقضاء وبذلك يختلف فيه الناس ثم بتأخير الأداء إلى وقت ثان يكون قاضيًا.
-
قالوا: لو وجب على الفور لأدى إلى خراب البلاد، وهلاك الحرث.
-
قلنا: لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن شرائط الوجوب لا تحمل لجميع الناس في سنة واحدة،
-
ومن يتفق له شرائط الوجوب قد يعتبر من ذوى الأعذار، وإنما يحج من وجب عليه مع وجود الشرائط،
-
ولا عذر له دون غيره، ويقوم بمصالح الدنيا من لا يحج.