مسألة ٦٩٦
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٣٬٠٤٤ إلى ٢٣٬١٥٤
-
١/٢٨٠٩١/٢٨٠٩
التخليل للخمر
-
قال أصحابنا: في جواز التخليل للخمر جائز، وإذا خللها طهرت.
-
وقال الشافعي: لا يجوز تخليلها،
-
فإن خللها لم تطهر.
-
لنا في جواز التخليل: قوله تعالى:} ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا {.
-
قال ابن عباس رضي الله عنه: (الرزق الحسن الخل) ، ولم يفصل، فدلت الآية على إباحة التخليل وإباحة خل الخمر بكل حال.
-
فإن قيل: إنما أباح الله تعالى الخل المتخذ من الثمار، وذلك مباح، والخلاف في الخل المتخذ من الخمر تتخذ من الثمار، لأنه يصير أولا خمرا فيعالج حتى يصير خلا.
-
١/٢٨١٠١/٢٨١٠
وفي حديث ميمونة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في جلد الميتة: (الدباغ يحللها كما تخلل الخمر فيحل) ، وذكر الدارقطني) كما يحل الخل الخمر).
-
قالوا: اجمعنا على ترك ظاهره، لان الخل لا يحلها، وإنما تحل باستحالتها.
-
قلنا: فإذا الخل حللها، لأنها لما استحالت إليه حلت،
-
ولو استحالت إلى غيره لم تحل.
-
ولأنها عين لو تخللت فحلت، فجاز أن يتخذ منها الخل، كالعصير.
-
ولأن كل عين حكم بطهارتها إذا استحالت أبيح التوصل إلى استحالتها، كالبيض.
-
فإن قيل: من أصحابنا من قال: إن البيضة إذا استحالت فهي طاهرة تصرفا.
-
قلنا: نحكم بطهارتها إذا استحالت، وكونها طاهرة، مثل ذلك لا يمنع هذا الوصف، فالدليل على طهارتها إذا خللت: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (نعم الإدام الخل) .
-
١/٢٨١١١/٢٨١١
ولأنها عين محكوم بطهارتها استحالت بعينها، فحكم بطهارتها إذا تسبب الآدمي إلى استحالتها، كالبيض.
-
ولأنها خمر صارت خلا، فوجب أن تطهر، كما لو استحالت بنفسها.
-
ولأن الاستحالة لما طهرت هذه العين طهرتها وإن تسبب بإزالتها الآدمي، كالدباغ.
-
ولأنها خل لم يحصل فيها نجاسة من غيرها، فجاز تناولها، كسائر أنواع الخمر.
-
ولأن ما جاز تناوله إذا كان على حالة صار إليها وحرم،
-
فإذا خفت حدة الشدة حل، كعصير العنب، وهذا دليل على أن نبيذ التمر والزبيب إذا تخلل جنسه.
-
احتجوا: بما روى أنس عن أبي طلحة قال: (كانت عندي جربان لأيتام، فابتعت به خمرا قبل أن ينزل تحريم الخمر،
-
ثم حرمت، ـ فأخبرت بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أهرقها، قلت: فأخللها، قال: لا) .
-
قالوا: وفيه دليل من خمسة أوجه، أحدها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بإراقتها.
-
والثاني: أنه نهى عن تخليلها.
-
والثالث: أنها لو كانت تحل بالتخليل لكانت إضاعتها إضاعة المال، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال.
-
١/٢٨١٢١/٢٨١٢
والرابع: أنها لو كانت تحل لوجب أن يعلم ذلك، كما بين في شاة ميمونة.
-
والخامس: أنها كانت لأيتام / وقد أمر الله تعالى بإصلاح مالهم، فكان يجب أن يأمر بتخليلها ليصلح مالهم.
-
الجواب: أن الأمر بالإراقة والنهي عن التخليل يحتمل لما قالوه، واحتمل أن يكون لقرب العهد بالتحريم واعتياد الناس شربها، فلم يأمن إذا بقيت إلى أن تتخلل أن تدعو النفس إليها، فأراد أن يحسم المادة فيها ويمنع من تبقيتها،
-
وإن كانت لو بقيت فخللت صارت مالا، ومثل هذا غير ممتنع إذا كان فيه مصلحة عامة، كما أمر بقتل الكلاب لما دخل المدينة لإلفهم لها وإن كانت تقتني للصيد والحفظ إلا أنه حسم المادة في ابتداء التحريم قطعا للعادة ورفقا لهم،
-
ثم بين إباحة الإمساك من بعد، ولهذا روي: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى اللبن] في السوق [غير آسن أهرقه) ، روى ذلك ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عمر.
-
ومعلوم أن إمساك ذلك ليس بمحرم، وبيعه إذا بين عيبه جائز إلا أنه رضي الله عنه أمر بإهراقه حسما لمادة الفساد ولمصلحة الناس.
-
يبين ذلك: أنه لو أمسكها حتى تخللت جاز،
-
ثم لم يأمره بإمساكها إلى] أن [تصير خلا،
-
ولا معنى يميز ذلك إلا ما ذكرنا.
-
١/٢٨١٣١/٢٨١٣
وقد ذكر ابن المنذر حديث ابن عمر رضي الله عنه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حرم الخمر شق الزقاق بيده) .
-
ومعلوم أن الخمر مال يجوز الانتفاع به، ومع ذلك أتلفها حسما للمادة فيها، كذلك المنع من تخليلها.
-
وقد روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي طلحة حين أمره بإراقتها:
-
(فإذا جاءنا مال عوضناهم) ، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - لم أمر بإتلافها (المعنى فيها يأتي) لمصلحة المسلمين، وعد بتعويضهم، فلولا أن الإتلاف وقع في منفعة جائزة لهم] لم [يعوضهم.
-
قالوا: روي أن عمر رضي الله عنه صعد المنبر فخطب، فقال: (لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى تولى إفسادها،
-
ولا بأس على امرئ مسلم ابتاع خلا من أهل الكتاب ما لم يتعمدوا إفسادها، فعند ذلك يقع النهي) .
-
قالوا: وهذا على المنبر من غير خلاف.
-
والجواب: أن الطحاوي قال: هذا الحديث رواه أبو عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، عن أسلم مولى عمر، عن عمر
-
١/٢٨١٤١/٢٨١٤
ابن الخطاب رضي الله عنه، قال: وجدنا أهل الحديث لا يختلفون أنه خطأ من أبي عاصم،
-
فإن خطأه فيه إنما كان في اختصاره من حديث فيه كلام لعمر، وكلام ابن شهاب، فتوهم أن جميع الكلام لعمر، فاختصر آخره، ورواه عن عمر، وإنما هو كلام الزهري، وحذف كلام عمر، وقد كان ابن شهاب يروي الحديث ويتبعه بكلامه فيظن من لا علم له بالحديث أن جميع ما قاله رواية.
-
وقد روى الحديث بتمامه ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، عن أسلم- مولى عمر-: أن عمر أتى بالطلاء، وهو بالجابية، وهو يومئذ يطبخ، وهو كعقيد الرب، فقال: إن في هذا لشرابا ما انتهى إليه،
-
ولا يشرب خلا من خمر أفسدت حتى يبدي الله فسادها، فعند ذلك يطيب الخل.
-
وروى ابن أبي ذئب الحديث هكذا، وليس فيه من كلام عمر إلا ذكر الطلاء، والباقي من كلام الزهري.
-
والدليل عليه: أن يونس روى هذا الحديث عن ابن شهاب، وقطع على قول عمر: (إن في هذا لشرابا ما انتهى إليه) ،
-
ثم لو ثبت أن هذا من كلام عمر لم يكن فيه حجة، لأنه روي عن أبي الدرداء خافه، وذكره أبو يوسف في الأصل، وذكره إبراهيم الحربي في غريب الحديث.
-
وذكره الطحاوي بإسناده عن أبي إدريس الخولاني: أن أبا الدرداء كان يأكل المري، يعني: فيه الخمر، ويقول: (ذبحته الشمس والملح) ، والمري من الخمر، كان
-
١/٢٨١٥١/٢٨١٥
يتخذه أهل الشام يجعلون فيه الخيار والملح، فهذا يدل من مذهبه أنها تحل إذا توصل إلى استحالتها.
-
قالوا: الخمر مستلذة مألوفة محبوبة، والطبع يميل إليها، وتدعو النفس إلى شربها، وموافقتها محظورة، فمنع من التعرض لها، كما منع من التصريح بالخطبة في العدة حتى لا تخبر المرأة بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
-
قلنا: إذا طرح فيها الملح أفسدها وأخرجها من الهيئة التي تستلذ وتشتهى، فلم يوجد ما قالوا.
-
وأما التصريح بالخطبة: فلأن النكاح محرم في هذه الحال، فمنع الله تعالى من التصريح به ليظهر من كل واحد منهما الإعراض عن العقد المحرم عليها.
-
قالوا: فعل محظور؛ فوجب أن لا يكون سببا لاستباحة غير محظورة، كذبح الصيد في الحرم، والإحرام.
-
قلنا: لا نسلم أن التخليل محظور، بل هو مباح،
-
ويبطل: بمن تشاغل عن الجمعة بدباغ جلد، فهو فعل محظور يتوصل به إلى استباحة غير محظور] وينتفض: بالغاصب لجلد الميتة إذا دبغه، فهو فعل محظور يتوصل به إلى استباحة غير محظور [.
-
قالوا: فعل منهي عنه لحق الله تعالى من غير اشتغال به عن عبادة، فوجب أن لا يتعلق به استباحة مقصودة لفاعله؛ أصله: إذا اصطاد المحرم صيدا في الحل، أو اصطاده الحلال في الحرم.
-
قلنا: لا نسلم الوصف، أنه ليس بمنهي عنه،
-
ثم يبطل بمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجت، فأكره الزوج على وطئها في حال الحيض، فهذا فعل منهي عنه
-
١/٢٨١٦١/٢٨١٦
لحق الله تعالى، ويتعلق به استباحة مقصودة لفاعله، لأن التحريم المتعلق بالطلاق الثلاث (لا) يزول،
-
ويبطل بمن استخمر بطعام،
-
ويبطل بأم الولد إذا قتلت مولاها، فإنها تعتق بقتله وتستبيح التصرف في نفسها وكسبها.
-
فإن قالوا: النهي عن قتل المولى لحقه.
-
قلنا: ولحق الله تعالى؛ ألا ترى: أنه لو أذن لها في قتله لم يحل القتل،
-
فلو ارتد جاز لها قتله لما زال المانع لحق الله تعالى.
-
ولأن الاستباحة المقصودة لا تحصل بالتخليل، وإنما تحصل بالاستحالة التي يتوصل إليها بالتخليل وليس كذلك إذا ذبح المحرم صيده، لأن الاستباحة لو حصلت أوجبها الفعل المحظور سببا لأمر آخر يقع به الاستباحة، كما أن الحامل إذا تداوت لتضع حملها استباحت بالوضع الفطر في رمضان وإن حصلت بسبب هي فيه عاصية.
-
ولأنا لو ملكنا المحرم بالصيد وأبحنا ما ذبحه بذبحه، صار ذلك] ذريعة إلى إتلاف الصيد والأنعام بفعل محظور،
-
وإذا أبحنا الخمر بالتخليل، صار ذلك ذريعة [إلى إفسادها وإخراجها من أن تكون معدة للمعاصي، وهذا مندوب إليه وغير ممنوع منه.
-
قالوا: مائع متمول في العادة،
-
فإذا نجس لم يطهر بصنعة آدمي، كاللبن.
-
وقولهم: (مائع) احتراز من جلد الميتة.
-
وقولهم: (متمول) من الماء النجس.
-
١/٢٨١٧١/٢٨١٧
قلنا: نقول بموجب العلة،
-
فإن الخمر لا تطهر بصنعة آدمي، وإنما تطهر بالاستحالة، وصنعة الآدمي سبب في ذلك، فهو كما لو نقلها من الشمس إلى الظل.
-
وقد قالوا: المذهب أن ذلك يخللها، وإنما خالف في ذلك بعض المتأخرين منهم.
-
ولأن اللبن لا يستحيل بالصنعة؛ فلم يتغير حاله، والخمر تستحيل بالصنعة، والاستحالة أن يتنجس اللبن بمخالطة الخمر، فيطهر بغلبة الخل عليه؛ لأنه يستحيل بذلك.
-
ولأن اللبن النجس لا يطهر إذا تغير بغير فعل الآدمي، والخمر إذا تغيرت بصنعة آدمي كذلك تطهر بالتغيير إذا كان بصنعة آدمي.
-
قالوا: فعل الآدمي قد يؤثر في الحظر والتحريم ما لا يؤثر غيره. ألا ترى: أنه لو ترك أباه يموت ورثه،
-
ولو قتله لم يرثه،
-
ولو ترك صيد الحرم فخرج من الحرم بنفسه حل له قتله،
-
ولو نفرده وأخرجه إلى الحل لم يحل له قتله.
-
قلنا: لم يختلف بما ذكروه من فعل الآدمي وغيره؛ بدلالة: أن أجنبيا لو قتل أباه ورثه وارثوه، كما لو مات حتف أنفه، وقتل الآدمي فعل الآدمي.
-
وأما الصيد فلم يختلف لما ذكروه، ولكن إذا نفره حتى يخرج صار في ضمانه بالإخراج، فلم يجز له تخفيف الضمان بإتلافه،
-
فلو ذبح ضمن، لكل يحل تناوله، فقد استوى فعل الآدمي وغيره في الإباحة بالذبح، وإنما اختلف في الضمان، لأنه تعدى في إحدى الحالتين دون الأخرى ولو قتل كان الأمر بضد ما
-
١/٢٨١٨١/٢٨١٨
قالوه من باب أولى؛ لأن فعل الآدمي قد يؤثر في الإباحة ما لا يؤثر غيره، بدلالة: أنه لو ذبح] الشاة حلت،
-
ولو تركها حتى تموت يحرم تناولها.
-
ثم لو كان المانع ما قالوه من صنعة الآدمي لوجب لو أطارت الريح [الملح حتى وقع في الخمر فتحللت أن تحل، لأنه لم يوجد صنعة آدمي.
-
قالوا: مائع استحال فنجس،
-
فلا يطهر بصنعة آدمي، كالبول.
-
قلنا: لا نسلم الأصل، لأن البول إذا وقع على الأرض طهر بمضي الزمان والاستحالة،
-
فإذا فعل أجنبي ذلك يطهر بالاستحالة التي ينسب إليها الآدمي.
-
قالوا: خمر زالت شدتها بمخالطة غيرها، فوجب أن لا تطهر، كما لو غلبها السكر والدبس.
-
قلنا: هناك الشدة لم تزل، وإنما غلبها الحلاوة، بدلالة: أنها تحيل السكري إلى الشدة إذا بقي فيها، فعلم أن الشدة باقية لكنها لا تطهر؛ لأنها مغلوبة/ وليس كذلك إذا تخللت، لأن الشدة زالت، بدلالة: أن الخمر كانت هي ١٥٩/ب الغالبة، ومع ذلك ارتفعت الشدة عنها.
-
قالوا: مائع لا يطهر بالكثرة، فوجب أن لا يطهر بالصنعة، كالسمن الذائب إذا ماتت فيه الفأرة.
-
قلنا: لا نسلم الأصل،
-
فإن السمن النجس يطهر بالغسل عندنا إذا طبخ بالماء، وجميع النجاسات تطهر عندنا بالاستحالة بفعل الآدمي وبغير فعله.
-
قالوا: الخمر نجسة، فإذا طرح فيها الملح ذاب ونجس،
-
فإذا تخللت ففيها مائع نجس، فهو كخل وقع فيه بول.
-
١/٢٨١٩١/٢٨١٩
قلنا: الملح إنما نجس بالخمر،
-
فإذا استحالت الخمر استحال ما في الملح من أجزائها، وطهر ذلك كما يطهر كل جزء من الخمر.
-
يبين ذلك: أن ظرفها نجس،
-
فإذا استحالت فيه طهر،
-
ولا يكون ذلك كخل في ظرف نجس.
-
فإذا قيل: زوال ما أوجب نجاسة المائع لا يطهره، كعظم الخنزير إذا وقع في الماء ثم أخرج منه.
-
قلنا: لم نقل: إنه يطهر بإزالة ما نجسه] لكنه يطه بإحالة ما نجسه [، وهذا يطهر المائع بالاتفاق، ألا ترى: أن الخمر إذا تخللت بنفسها طهرت لزوال المعنى الموجب لنجاستها بالاستحالة،
-
فأما العظم ينجس الماء،
-
فإذا أخرج لزوال المعنى الموجب لنجاستها بالاستحالة،
-
فأما العظم ينجس الماء،
-
فإذا أخرج بقيت الأجزاء المتخللة فيه في الماء لم تستحل، فلم تزل النجاسة بإخراج العظم.